إربد - أحمد الخطيب

ليس الغواية أن تبدع فقط، بل أن تجذب إليك رائحة تربة الإبداع، إذا كان ذلك كذلك، فأنت على مائدة الانتشاء، وإذا تحصّلت على الأولى، فأنت أمام مرآة الحقيقة، وإذا تحصلت على الثانية، فأنت أمام مرآة الحديقة، وإذا انتشيت بالاثنتين، ستكون قد أصغيت بملء تكوينك المتفرّد لقول المتنبي: « أعزّ مكانٍ في الدنا سرج سابح، وخير جليس في الزمان كتابُ».

إذن، الثقافة وجوهرها، والكتب وبطونها، هي التي تتشبَّث بالقارئ العمدة، وتسرد له خفايا الطريق، وتنير له سراديب الغموض، فمن أين جاءت هذه العمادة، وإلى أيِّ وعي تنتسب، وعلى أيّ صورة تتنزّل، ولماذا لم يذهب القارىء العمدة إلى تفريغ هذا «الكيف» المعرفي الهائل في حقل أدبي أو بحثي؟

مع هذه الإجابات التي نتجت عن حوارات جانبية كنت أجريتها مع آخرين حول القراءة وإشراقاتها، والتي تغطي الكثير من شرائح المجتمع، نضع لبنات ذات أساس متين للانحياز إلى عالم القراءة من خلال «قرّاء لا يكتبون»، صبروا على مجالدةً الحرف ومداره، واللغة ومجازها، والبناء وأسراره، واكتفوا بامتلاء الذات حَفْراً وتنقية واستلالاً لحيوات متعددة، فكانت هذه الإجابات المُتخيّلة والتي يعود أصلها إلى تلك الحوارات:

يرى معلم ثانوي أن أسراراً كثيرة ومخفية تلك التي تدفع الإنسان للوقوف مع الكتاب ساعات طويلة، وهو يتصفح عين الماء الجاري في أوعية السطور، وينصب لها الفخاخ وهو يراوغ سكّانها، ومن هذه الأسرار: القدرة على فن الإصغاء للكلِم المكتوب، والقدرة على منازلة الصورة العالقة بين الحرف والكلمة، والقدرة على مشاركة العوالم حيواتها، وتشذيب ما علق بها من أورام، وإضافة ما تركته سابحاً في الليل وسارباً في النهار.

ربما تسألني عن عدم اللجوء إلى غابة الكتابة ومساربها، يقول، هي لحظة توقّع ربما تأتي، وربما تبقى تتشكّل، وربما يهضمها فعل النزوع إلى حقل معين، وربما يكدّر أجواءها الحنين إلى تنوّع الوَرد رغم سقايته من ماء واحد.

ويضيف أنّ القراءة أصبحت من متعلقات الواقع، وأصبحت متجراً فعلياً للعقل والقلب معاً استناداً لذلك المخفي من وقائع القادم، بل أصبحت معلما لحضور الذات، فكثيراً ما يراني الآخر، إما متأبّطاً كتباً، أو ناظراً لها في المكتبات، أو متصفحاً لسطورها في الشارع، كلّ ذلك أضحى لوناً من ألوان الوعي الذي لا يفارقني بأهمية القراءة.

ويخلص إلى أن القراءة تتنزّل من جملة من الفتون، أهمها غواية التقاط زمردة هنا، ومحارة هناك، كما أنها تتنزل لحظة الانحباس عن المعتاد والروتين، وتنأى بألوانها إلى غرف ربما تكون مؤصدة إذا لم يتحقق حلم الاكتفاء، وهو بالتأكيد لن يتحقق، فالغريزة، غريزة القراءة هي مثار الجدل الذي يدور بين العقل والقلب.

ومن جهته يعتبر مهندس زراعي،القراءة فعل تحدٍّ، وفعل طمأنينة، تحدٍّ لواقع تتزاحم فيه أنشطة التكنولوجيا، وطمأنينة للإتيان على النبع بأصوله وتحولاته، وكما أن القراءة فعل استمراري، فالعبور إلى سياقاتها فعل تشكيلي.

ويؤكد على أن المساحة التي يقطعها القارىء، وهو يستحضر ذلك البعد النوراني، تتجدد وفق البحث عن غاية القراءة، إلى ذلك حسب ما يرى فإن القراءة هي حالة من الكشف عن مدخلات ومخرجات الذات، وهي العروج الأجمل للروح إلى منابع الصفاء.

ويخلص إلى أن القراءة فن صعب المنال، غامض الحواس، إذ أن القراءة تستدعيك إلى لسانها، وتقربك من ملكوتها، ولكن بحذر شديد، فأنت هنا بكامل وعيك، لهذا كما يقول لم يحاول الكتابة لأنها ربما تعمل على تشتيت الوعي، ولكن لم يستبعد أن تتشكّل عوالمها بعد حين.

وترى صيدلانية أنّ القراءة موهبة، تماماً كما هو فعل الإبداع، ولا ضير أن تبقى هذه الموهبة في حدود الإصغاء إلى منتج الآخرين، غير أنّ هذا، ربما يُسفِر بعد حين من المجالدة، عن خربشات هنا، وخربشات هناك، مردّها تأثيث حالة الوعي بما أتت عليه ذاكرة القراءة، وليس إصغاء لتوليف طاقة كتابية، ربما لا تفلح.

وتضيف أنّ التنوّع بفتح ملفات الذاكرة القرائية، والبحث في بطون الكتب، عن صيغ تشكيلية للحياة وما تحتاجه من سياقات معرفية، عنصر أساس لتشكيل الهوية الثقافية للإنسان التي تَنتج عن مسارات القراءة والبحث، فالقراءة وحدها لا تشكّل مدخلاً للوقوف على هذه الهوية، بل تحتاج إلى جانب ذلك، الوقوف عند التمعّن بالكلمة والجملة والبناء، وما تحمله هذه العناصر من مدلولات وإشارات، فالقارئ العمدة لا يقف عند آليات التصفّح، وكأنه يقرأ جريدة مع مطلع كل صباح، بل يذهب بعيداً في تأصيل كلّ شيء يقع عليه أثناء ممارسة فعل القراءة.

ومن جانبه يرى صاحب مكتبة لبيع الكتب أن القراءة تنمو كالكائن الحيّ منذ الطفولة، وقد تجيء متأخّرة، غير أنّ القراءة منذ الطفولة هي الأساس الذي يتشكّل من خلالها ما تسميه أنت « القارىء العمدة»، والقراءة تخضع أيضاً لمراحل متعددة، يتطور من خلالها مفهومها، مع كلّ مرحلة يتنزّل القياس القرائي، فأنت مع بدايات الانعطاف لن تذهب إلى العلوم الدقيقة، بل ستختار ما يجعلك تتوازن مع فكرة أن القراءة هي حدث ديمومي، إذ ذاك، ستختار ما يوافق عمرَك، فالطفل مثلاً سيذهب إلى الكتب المصوّرة التي تقرّب له المسافات بين الكلام وصورته، وفي مرحلة أخرى، سيذهب إلى الكتب التي تقدّم له المعارف كوجباتٍ يومية طازجة، وفي مرحلة متقدمة، سيبحث عن الكتب التي لا تقدّم الفكرة كما هي، إنما تضعها في سلّة الخفاء، لتصير أنت القارىء المؤلّف، أو القارىء الناقد، أو القارىء المُدرَّب على تحفيز فعالية الشكّ واليقين عند تلقّي المعلومة.

ويؤكد بأن القراءة هي حوار داخلي مع الأزمنة، وحوار مع الآخر المُتحفِّز، وحوار مع الوجود وأسئلته، وحوار مع الوسائط التي تقف بين أن تتشكَّل وفق الينابيع التي تصطفيها، وبين أن تُشكّلها وفق رؤيتك التي درّبتها مرحلياً عبر المحطات الكثيرة التي وقفت عليها مع كلّ كتاب.

فيما يلفت تاجر يختلس الوقت للإمساك بالمعلومة التي يحتويها الكتاب، إلى أنّ القراءة هي فعل إنساني غير مرتبط بالشهادة أو الدراسة، لهذا لم يجد صعوبة رغم ضيق الوقت وشحّه بالتقاط الكتاب حينما ينفرد وحيداً، بحثاً عن جماليات منظورة في نصوص الآخرين، وعن حكمة هنا، ورؤية هناك، إلى جانب البحث عن حيوات تؤهّله للولوج إلى مجالس القوم، إذ يناقشون موضوعاً متعلّقاً بالحياة.

من جانبه يحدّد سائق تاكسي، عدداً من محاور الفضيلة التي تبنيها القراءة، من مثل، طريقة التعامل مع الشرائح المختلفة التي تركب معه، فهو يواجه عاملاً، وإنساناً أميّاً، وطالباً، وعاشقاً، وسياسياً، وربما عالِماً جاء من غربته للزيارة، كما تؤهله القراءة إلى ضبط الأعصاب، والتحكم بالانفعالات التي تحدثها لغة الشارع، إلى ذلك، تؤهله إلى سرعة الولوج إلى سوق العمل كما يقول، إذا ما فقد وظيفته على التاكسي.

فيما يعتبر أحد أفراد القوات المسلحة، السياج الأمين للوطن، القراءة فعلاً مضارعاً يقرّبكَ من نسيج الوطن، ويعمّدك بماء الانتماء والولاء، إذ يلمع من صفحات الكتب أمامك كما يقول، ذلك البريق الذي أسسه الآباء والأجداد عبر العصور، وتلمع أمام ناظريك تلك التضحيات الكبيرة التي قدموها، ليصلك الوطن بكامل عافيته، فهو، أي فعل القراءة، يجعلك تتحسس جماليات الوطن، ويجعلك منتدباً للحفاظ على مكتسباته، للوصول إلى حالة من الطمأنينة التي تنفخها روح المعرفة في وجدانك.

ويرى أحد رواد الأمسيات الثقافية أن القراءة هي مادة الإشراق الروحي، التي تجعلك في سياقات المعرفة قادراً على أن تجاري أهل الإبداع، وتناقشهم فيما يبدعون، وربما تخالفهم الرأي في بعض المستنبتات التي يزرعونها، مستنداً على الرؤية التي شكّلتها القراءة، وَوَفَّرَتها قدرتك على اقتناص الجواهر الثمينة والدفينة في بطون الكتب، كما توفّر لك القراءة القدرة على مجالسة أهل الإبداع، وعدم الإحساس بعقدة النقص، خاصة إذا لم يسعفك الحظ لنيل شهادة ما.

إذن القراءة وفق ما تسرّب من جعبة القارىء العمدة، هي فعل استثنائي، غير خاضع للميول الشخصي، بل يتجدد وفق نمو الكون المعرفي الذي وجد نفسهُ فيه، منذ اللحظة الأولى التي أراد فيها للقراءة أن تكون منهج حياة، النمو الذي يحقق له حياة باذخة الملامح، قوية الشكيمة، سليلة البصائر التي لا يحجبها عن اختراق غموض الأزمنة كتاب منسوخ أو كتاب ناسخ، لأنها فعل استثنائي يستطيع من خلاله القارىء أن يرى نفسه وواقعه، ماضيا وحاضرا ومستقبلاً.