أبواب- غدير سالم

كثيراً ما تؤدي التفرقة بين الأبناء إلى نتائج وخيمة لا يحمد عقباها، حيث أنها تضر بهم كل بشكل مختلف، فالطفل الصغير الذي يحظى عادة بالدلال والاهتمام، تنشأ عنده صفة الغرور والانفة، ويستصحب ذلك معه طيلة عمره، ثم يكون هذا الغرور وبالاً على أبيه أو أمه، أما الابن الذي يتعرض للإهمال فإنه يُصاب بعدد من الأمراض النفسية، وتستمر معه أيضاً لفترات طويلة، ويبدأ في كره أمه أو أبيه الذي ميز إخوته عنه.

ويحذر خبراء علم النفس من المقارنة بين الأبناء في الذكاء والقدرات العقلية أو القوة العضلية والمهارات الحركية، كما ويحذرون من المقارنة بالشكل وخاصة بين الفتيات، فإن إسلوب التفضيل يسبب صدمة للأبناء ويولد لديهم انكسار كبير وعدم ثقة في النفس وإلى الإنكماش والعزلة والانطواء وإلى النزاع والإصطدام والشجار بين الأخوة.

كما أن هذا التمييز يؤثر سلباً على نفسيات الأبناء الآخرين وعلى شخصياتهم فيشعرون بالحقد والكره والحسد بأن يأخذ دون أن يعطي وأن يستحوذ على كل شيء لنفسه حتى ولو على حساب الآخرين، فهذا ينتج شخصية تعرف حقوقها ولا تعرف واجباتها.

"كرهت أخي بسبب التفرقة في المعاملة بيننا من قبل والدي " بهذه الكلمات عبرت دينا أحمد 15 عاماً عن ما سببته التفرقة في المعاملة بينها وبين أخيها من كراهية وحقد .

وتابعت :" كان ابي دائم التفرقة بيني وبين أخي، فهو وحده من كان يحظى بالدلال والهدايا وحتى الخروج من المنزل مما جعلنا دائماً في مشاكل وخصام وعداوة وحتى أصبحت أكرهه ولا أحب الحديث معه وهذا كله بسبب سوء المعاملة وأن الذكر هو وحده من يستحق كل شيء ".

ويرى أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي أن: "الكره كسلوك يحدث بين الأخوة والأخوات لأنه سلوك مكتسب وغالباً يكون مصدره الأب أو الأم ، فالتمييز في المعاملة أحد أهم أسباب تطور مشاعر الكره بين الأخوة، فكثير من الأهل للأسف هم سبب ذلك، وبشكل لا شعوري يقومون بتمييز طفل عن الآخر أو كموروث ثقافي لقضية الولد أو البنت"

ويضيف التميمي: " الأطفال بشكل عام أذكياء بغض النظر عن أعمارهم ، فنلاحظ أنه عندما ننادي طفل للجلوس في حضن أحد الأباء تجد الآخر لوحده يحاول الإقتراب ليحصل على الإنتباه ، فمشاعر الكره بالتأكيد هي سلوك مكتسب مصدره الأهل، وبالتالي لا بد من أن ينبه الزوج زوجته وهي كذلك عند الميل لطفل أكثر أن يكون هناك لغة مشتركة بينهم لينبهوا بوجود طفل آخر في المكان".

وتابع التميمي: "ودائماً يجب التذكر بأن لكل طفل خصائصه المختلفة فبالتالي كل طفل يتميز بشيء عن الطفل الآخر ولا يوجد طفل أفضل من الآخر وهذا كأسلوب تربوي يخفف من قضية مشاعر الكره".

ويرى التميمي أنه :" يجب أن يكون داخل الأسرة أنشطة جماعية تحمل صبغة التعاون والمشاركة سواء في التسوق أو أي شيء فإذا خرجت مع إبني مثلا واخوته واخواته في المنزل، يجب أن نعزز فكرة أن أخوته بحاجة لأمور وأن أذكره بهم وبما يحتاجوه فهذه تخفف من مشاعر الفردية وتزيد من الإنتماء بين الأخوة في الأسرة، فمن أهم أسباب مشاعر الكره التي تتولد بين الاخوة في المنزل هي تفرقة الأب أو الأم للأبناء، ولكن لا يستطيع الطفل وحتى الشاب توجيه اللوم أو النقد المباشر لأهله فيظهر هذا بشكل عصبية وكره أو غيرة من أخوه أو أخته وهذا الشيء غير سهل ومن الممكن ان يتطور إلى اضطرابات نفسية، وكثير من الإضطرابات النفسية مصدرها مراحل الطفولة المبكرة وذلك نتيجة الحماية الزائدة أو الإهمال أو الدلع أو النقد أو التعنيف، فكل أساليب و أنماط التربية هذه تؤثر في سلوكيات النشيء وبالتالي تؤثر في شخصياتهم في المستقبل وتلاحقهم حتى مراحل متقدمة في عمرهم".

وتبين التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله بأن: " كثيراً من الأهل لا يعجبهم سلوك الشجار بين أبنائهم ولكن لحد معين تبقى الأمور تسير بشكل طبيعي، حتى أنها أحياناً تكون صحية وضرورية وتشكل جزءاً مهماً في نمو شخصية الطفل وتطورها ، فهو يعزز سلوكيات ومهارات عديدة مثل القدرة على التفاوض والحوار والإقناع، وقبول الربح والخسارة وقدرته على أخذ حقوقه إذا كان قادراً على ذلك، ولكن يصبح الأمر مشكلة لدى الأهل ومزعج عندما تتكررهذه السلوكيات وتؤدي إلى عراك جدي وعنيف وتختفي لغة للحوار والتفاهم بينهم فهنا يجب على الأهل التدخل ".

وترى حرز الله أن أسباب تطور التنافس بين الأبناء إلى شجار وكره عديدة حيث تقول:" إن تقارب الأعمار بين الأشقاء ومحاولة كل منهم فرض رأيه على الآخر يسبب الصراخ والمشاكل ، حيث يظهر ذلك أكثر عند تشابه الجنس، عدا عن تدخل الأهل باستخدام السلطة الأبوية وفض النزاع دون استخدام الحوار والتفاوض بين الأبناء بحيث يشعر كل من الطرفين بالظلم فعلى الأهل التدخل بمهارة الحوار لايجاد الحل المناسب ، وعدم الانحياز إلى بعضهم لتجنب حدوث الغيرة "

وتضيف حرز الله:" عند إحساس الأهل بأن الشجار تطور إلى عراك جسدي عليهم التدخل مباشرة لفض النزاع بإرسال كل واحد منهم على غرفة منفصلة حتى تهدأ الأمور، وعلى الأهل الفصل بين الإخوة بدون صراخ وشتائم حتى لا تتوتر الأمور أكثر من اللازم وتدخلهم بعد ذلك يكون أيضاً بحزم وهدوء لمعرفة أسباب ما حصل ، وعلى الأب الابتعاد عن فض النزاع بالضرب لأن ذلك يعزز سلوك العنف والكره لدى الأبناء ويعرفون بأن حل النزاع لا يصلح إلا بالعنف وعلى الأهل الفرض على الأبناء بحل النزاع بالحوار والتفاوض والوصول لحلول ترضي جميع الأطراف وعند عدم حصوول حل معين على الأهل فرض عقوبة على جميع الأطراف وعليهم الإلتزام بها بالاضافة لضرورة إيجاد صفات مشتركة بين الإخوة ليتفقوا عليها حتى يشتركوا بالعمل والأنشطة وتوزيع المهام لكل منهم للحد من العنف والتنافس بينهم.