المهندس عامر عليوي

قال تعالى: «وإذ قال إبراهيم ربّ اجعلْ هذا البلد آمناً «

الحياة لا تهنأ ولا تستقيم بدون أمن، والحضارة لا تزدهر بغير أمن، فإذا ساد الأمن والأمان في المجتمعات اطمأنت النفوس، وهدأت القلوب وانصرفت إلى العمل المثمر والإنتاج الذي ينشر الازدهار في البلاد فتتسع الأرزاق وتزيد البركة وتقل الأزمات والفتن والقلاقل، ويعتبر الأمن الفكري هو المدخل الحقيقي للإبداع والتطور وأحد الركائز الأساسية لأي مجتمع لضبط سلوكياته.

نعيش في مرحلة وزمن أصبح فيها الأمي: هو من لا يعرف الى وسائل التواصل الاجتماعي سبيلا. فغزت وسائل التواصل الاجتماعي كل تفاصيل حياتنا بشكل ملفت ومهول، فأدمنت شعوب كوكبنا الأرضي على استخدام الشبكة العنكبوتية حتى صرنا نعيش بعالم افتراضي بعد أن كان إنسانيا واقعيا، ولا بد من أن نعترف بالدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في إمداد الأفراد بكثير من المعلومات والمواقف والاتجاهات و التي ساهمت في تشكيل أفكارهم وتوجهاتهم وأدت الى تغير أنماط التفكير لديهم وأثرت بأيدولوجياتهم واعتقاداتهم وحتى بقناعاتهم وثوابتهم.

لقد لاقت مواقع التواصل الاجتماعي إقبالا عالميا ملفتاً من جميع الفئات العمرية والاجتماعية، حيث قدمت لهم خدمة تبادل الآراء والأفكار والقناعات فيما بينهم ومن جميع أنحاء العالم، ومكنتهم من مناقشة قضايا مختلفة ومتعددة اجتماعية واقتصادية وثقافية وحتى سياسية ودينية وبكل سهولة وخصوصية ويسر، فتنبهت حكومات الدول المتقدمة وأدركت أهمية هذه الوسائل وبدأت باستخدام تقنياتها في معظم خطاباتها وإجراءاتها التواصلية مع شعوبها، وبالتوازي مع ذلك لم تغفل هذه الدول كما هو حال الدول العربية عن استخدام وسائل وبرامج تكنولوجيه متقدمة لمراقبة وتحليل المعلومات والبيانات التي يتم تداولها عبر هذه الوسائل بما يضمن عدم زعزعة الأمن الفكري لدى شعوبها حماية لثقافتهم وقيمهم وثوابتهم، وكل شؤونهم ولتحصين مجتمعاتهم من كل فكر منحرف أو دخيل أو وافد أو مستورد لا يتفق مع الثوابت والمنطلقات الرئيسية لهم.

تعتبر ظاهرة الاستعمال الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي، ظاهرة عالمية تعاني منها كل المجتمعات البشرية، وليس الأمر متعلقاً بعالمنا العربي وحسب، بل هي ظاهرة العصر، حتى بدأنا نسمع بالدول المتقدمة عن وجود عيادات متخصصة لعلاج الإدمان الالكتروني، الذي يعد الأكثر انتشارا لدى فئة الشباب والمراهقين وهم الأكثر تضررا به، وهنا تكمن الخطورة، اذ من السهل تمرير أفكار لهم مغايرة للتربية والاخلاق والقيم الإنسانية والدينية، وبدأ يظهر التأثير البليغ لهذه الوسائل على زعزعة الأمن الفكري الذي يعاني العالم بأسره من ويلاته وكان لعالمنا العربي الحظ الاوفر !!!!، مما نتج عنه ظهور حركات متطرفة تسعى الى احقاق الحق من منظورها الخاص، ذلك الحق الذي تحول الى عباءة فضفاضة أطلق فيها العنان لمقص خياطيها لقصها ولملمتها كيفما شاءوا.وهنا تأتي أهمية الإشارة الى الأمن الفكري كبعد استراتيجي للأمن الوطني فكان لا بد للدول من الوقوف على تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على زعزعة الأمن الفكري، والاعتراف بأن «شبكات التواصل الاجتماعي» تمنح فرصة ذهبية لأصحاب الفكر المتطرف والجماعات الإرهابية وتجار المخدرات والأسلحة وغيرهم لبث سمومهم في المجتمع ونشر أفكار هدّامة وقناعات مضللة تتنافى مع المعايير والقيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية، وتمهد الطريق للوقوع في أخطار الانحراف وارتكاب السلوكيات المنحرفة.

ولمعرفة تأثير ظاهرة إدمان العصر على الأمن الفكري، لابد من العودة إلى الإحصائيات، التي تشير إلى ارتفاع سنوي ملحوظ في عدد مرتادي هذه المواقع واستعمال هذه الوسائل، حتى أن الامر أصبح يخيف الكثير من الدارسين والمهتمين والباحثين بالشأن الاجتماعي، وتزامن ذلك أيضا مع نمو فظيع في نسبة الجريمة بكل أنواعها والالكترونية بشكل عام في العالم بأكمله، بالإضافة الى تنامي ظاهرة ما يسمى اليوم بالإرهاب والتطرف، وظهور جماعات مجهولة تنشط الكترونيا تستهدف الشباب وتزج بهم في زوايا العنف الضيقة، ذلك العنف الذي تعددت اوجهه بين نفسي وجسدي، وتحت لواء الدين عامة والإسلام بشكل خاص، والدين ليس من ذلك في شيء وبريء من كل ما يلصق به من عنف وتزييف وإرهاب.

كما أن الإساءة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تسهم أيضا في زعزعة الأمن والاستقرار عن طريق ترويع وإفزاع الافراد والمجتمعات وإشاعة الفوضى وتقويض حالة الامن الفكري والاستقرار، وزعزعة الطمأنينة وبث روح الكراهية بين مختلف طبقات المجتمع، مما يسفر عنه تشتيت الجهود وانخفاض الروح المعنوية، بالإضافة الى الرغبة في الانتقام من المجتمع وتهديد أمن وسلامة أفراده بسبب مشكلات نفسية واجتماعية تجلب الحقد في صدور بعض المستخدمين على المجتمع، وتجعلهم يخرجون عن قواعد الضبط الاجتماعي والاخلاقي.

إن عالمنا العربي اليوم في خضم هذا الشد والجذب، تاهت عنه بوصلة الأمن الفكري، ذلك الامن الذي يلعب دورا مهما ورئيسيا في الاستقرار الاجتماعي والنفسي، وكلنا يعلم أن الاستقرار الاجتماعي هو مطلب كل الدول، وعليه تعقد الآمال في بناء المجتمعات وتحقيق أهداف تنميتها كما ان الأمن الفكري له الدور الكبير في التصدي للإرهاب من خلال الاهتمام بدعم الحوار الفكري القائم على الحقائق، والمبني على المخاطبة العقلانية، والحرية الفكرية.

ونحن في الأردن لابد للدولة ومؤسساتها وأذرعها أن تعي أن ما بدأنا نواجهه حاليا جراء الإدمان الملحوظ على وسائل التواصل الاجتماعي هو تهديد لأمننا الفكري والذي يعد بعداً استراتيجيا لأمننا الوطني، الامر الذي يتطلب المحافظة على الفكر السليم والمعتقدات والقيم والتقاليد الكريمة للأفراد، كون ذلك يعد الأساس لأمن الفرد وأمن الوطن والترابط والتواصل الاجتماعي لضمان عدم تبني الأفكار الهدامة التي تنعكس سلبياتها على مجتمعنا بكافة نواحي الحياة.

وفي تقديري اننا على مفترق الطرق لمواجهة أثر إدمان العصري في زعزعت الامن الفكري الامر الذي يتطلب دعوة لتكاتف الجهود والانفتاح حول أهمية فكرة الحوار الثقافي في نشر الوعي المجتمعي من خلال المعرفة الجيدة بالاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة وأهمية التحصين الذاتي عند استخدامها وذلك من أجل تنمية أساسيات ومرتكزات الأمن الفكري الإيجابية لدى افراد المجتمع من خلال البرامج الإعلامية الهادفة والموجهة ووسائل التواصل الاجتماعي بطريقة إبداعية محصنة وبدون تردد أو خوف..

«الفكر لا يعالج الا بالفكر» فالجهد الأمني وحده ليس كافيا للحد من ظواهر العنف والتطرف والإرهاب والانحلال الأخلاقي فلا بد من وجود خطط وطنية شاملة تسعى لحماية الفكر من أي انحراف في التفكير سواء كان باتجاه التطرف او الانحلال الأخلاقي فالشخص الذي يتعاطى المخدرات او يروج لها او يبيعها يعاني من خلل في التفكير لا يختلف في انحراف تفكيره عمن ينساق وراء التطرف والغلو فجميعها تتحول لسلوكيات تهدد الامن والوطن والمواطنين.

ويبقى سؤال برسم الإجابة من هي الجهة و/او الجهات المسؤولة عن تعزيز الامن الفكري وكيف تقوم بذلك؟!

حمى الله بلادنا من كل شر ومن كل صاحب فكر هدام يريد العبث بعقول شبابنا ومكتسباتنا وثوابتنا.

جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية