عمان - سناء الشوبكي

يرى مختصون أن غياب القدوة لدى الشباب (الأب أو الأم) يُحدث شرخا وتباعدا بين الوالدين والأبناء، ما يؤثر سلبا على العائلة والمجتمع لتتفاقم المشاكل باتباع سلوك غير السليم للشباب.

ويرى استشاري علم الاجتماع الدكتور فيصل غرايبة أن القدوة الحسنة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل شخصية الجيل، وللأب والأم، وبخاصة الأب، الأثر الأكبر عندما يكون القدوة لأبنائه، ومن ثم يأتي دور الأم، ومن ثم يأتي دور الأخوة والأخوات الأكبر سنا الذي يقتدي بهم الطفل والمراهق.

لذلك، يتابع الغرايبة، تركز أصول التربية، الحديثة والقديمة، وتجرى الابحاث العلمية والتربوية على اثر القدوة في تربية الأبناء.

ويلفت إلى أن الكبار من الأقارب والمعلمين في المدارس قد يشكلون قدوة حسنة يتاثر بها الأبناء والطلبة ويتخذونها نبراسا لهم يوجه سلوكهم وتصرفاتهم في مواجهة المواقف والظروف.

ويشير غرايبة إلى أن هذه القدوة، حاليا، لم تعد تأخذ دورها الكبير والواسع في حياة الجيل الجديد؛ بمعنى أن تعبير أو مفهوم (القدوة الحسنى) لم تعد موجودة في مجتمعاتنا بسبب وجود مصادر أخرى للتوجيه والتربية والتثقيف التي ينصرف اليها الصغار والكبار.

ويعتقد أن ذلك أحدث شرخا وتباعدا بين الجيلين بما فيه العلاقة بين الاباء والابناء؛ فلم يعد هناك طيبة عليا للعلاقة الأسرية والأبوية ولم تعد تلك العلاقة القائمة على اتباع القدوة الحسنى موجودة.

ويرصد غرايبة مشاهد يومية لمواقف انعزالية داخل الأسرة الواحدة؛ بانهماك الكبار والصغار في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي التي اصبحت جاذبة ويتعلق بها هؤلاء ويقطعون الصلة فيما بينهم، وهكذا استبعدت العلاقة وجها لوجه والحوار والتحدث المباشر واتخاذ القدوة والاحتذاء بهم.

ويحض الغرايبة وسائل الاعلام والتوجيه والتوعية أن تناشد الكبار قبل الصغار بأن ينتبهوا إلى حدوث هذا الأمر وأن يعملوا جاهدين على إعادة الأمور إلى نصابها بتقوية الصلات الاجتماعية وبخاصة الروابط الأسرية والدفء العائلي المتبادل.

الاستشاري النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة يذكِّر بأن الطفل يولد صفحة بيضاء تتم تشكيلها من القيم والعادات بتأثير مباشر من الأبوين، وشخصيته من عمر ثلاث سنوات يلتقط الصور والاشعورية من الأب والأم النموذج وقدوة وبالتالي ترسم الشخصية مستمدة ملامحها الرئيسية من سلوك الاب والام داخل الاسرة والمجتمع والمحيط.

وبالتالي يكون للأبوين تأثير كبير في حياة الطفل ووجوده يؤثرعلى نمط الشخصية واتجاهاتها.

لذلك نشاهد عند فقدان الطفل للأب كوفاة أو التفكك الأسري الطلاق أو الاغتراب، يتأثر الطفل سلبا في الكثير من الأمور الحياتية.

ومن هنا، يوضح المطارنة أن القدوة في حياة الطفل مهمة جدا، ولذلك في حالة الطفل للأب بأي شكل من الأشكال، كالسفر والانفصال والطلاق، لابد من وجود البديل كالجد، أو العم والخال، والمعلم، حتى ينمو الطفل نموا سليما وسوياً.

ويبين عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية الدكتور عدنان العساف أن الله تعالى أوصى أولياء الأمور بأولادهم وحمّلهم أمانة عظيمة وهي وقايتهم من النار وسبيلها، في قوله تعالى: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ». (سورة التحريم: 6). وهذا يقتضي حسن تربيتهم بالنصح والتوجيه، والمتابعة الحثيثة، وكذلك بالقدوة الحسنة والمثال الحسن أمامهم. فالأولاد يقلدون آباءهم وأمهاتهم في كل شيء في الخير والشر.

وهذا يدلل، برأيه، على دور القدوة في تربية الأولاد والتأثير في المجتمع، فهي الأسوة والمثل الذي يحتذى ويقلد في الخلق والسلوك.

ومن الأمور المؤثرة غياب القدوة ومخالفة القول العمل، وهي سبب رئيس لتعلم العادات السيئة والبعد عن السلوك السليم، والذي يتفاقم ليصبح ظاهرة اجتماعية بالتدريج تورث المجتمع آفة خطيرة، كالابتلاء بشيء من العنف، والفساد والمحسوبية واللامبالاة وآفة والتدخين والمخدرات. والذي يؤثر سلبا في أمنه وسلامته وصحته النفسية والبدنية.

وهنا يشدد العساف على أن التربية البيتية وقدوة الأبوين للأولاد أساس الاستقامة والصلاح على مستوى المجتمع بأسره.

ولهذا كله «ينبغي على الآباء والأمهات مراجعة أنفسهم في نوع القدوة التي يتأسى بها أولادهم أحسنة هي أم غير ذلك؟». فعليهم تقييم الذات أولاً، ثم العمل على تزكية النفس وتصحيح السلوك، ودوام مراقبة أثر قدوتهم على أبنائهم، فهم أمانة في أعناقهم سوف يسألون عنها. قال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ...» (متفق عليه).

وتؤكد الاعلامية سالي الأسعد، وهي أم لثلاثة أولاد وبنت، إن وجود القدوة في حياة النشء وبخاصة المراهقين، مهم جدا؛ لأنهم يحبون أن يقتدوا بأشخاص معينين يقلدونهم في تصرفاتهم وفي طريقة حياتهم.

وتنبه هنا إلى أن الطفل والمراهق يقتدي ويتعلم بالمشاهدة لا بالتلقين،و في حال غياب القدوة خصوصا بالمنزل والمدرسة نجد الشباب والأطفال يقتدون بفنان او بشخصية عامة واحيانا بالطلبة الأكتر شعبية بالمدرسة.

وليس بالضرورة، وفق الأسعد، أن يكونوا نماذج تصلح للاقتداء بها، «وهنا مكمن الخطر (..) وعلى الاهل والمجتمع أن يعوا خطورة هذا الامر..

فلا نترك أولادنا نهبا لتفاهات السوشيال ميديا، وأن ندفع بنماذج مشرفة وطنية وعربية وعالمية ونقدمها بصورة جذابة عصرية للأبناء.

وتشير إلى دراسة حديثة أجريت بدولة الامارات، أظهرت أن الآباء يقضون نصف ساعة فقط بالمتوسط بين أبنائهم. وأن كثيرا من السلوكيات الخاطئة والنقص العاطفي وفي الشخصية ينتج عن هذا الغياب.

وتعتقد أن القضية تحتاج تضافر جهود الاسر والمؤسسات التعليمية والمجتمع والدولة لانقاذ مايمكن إنقاذه في جيل المستقبل بناة الغد.

ويؤكد أمجد الكريمين (باحث وناشط شبابي) أن القدوة أهم عنصر في تشكيل شخصية الإنسان وبخاصة في مرحلة الطفولة..

ذلك أن التربية والتنشئة ليست في جوهرها إلا عملية اجتماعية تفاعلية يكتسب الفرد من خلالها الخبرة والتجربةوالمعرفة وأنماط السلوك من الوالدين والمقربين منه، لذلك تأتي أهمية القدوة في مقدمة الطرق التربوية التي يكتسب الفرد من خلالها القيم والاتجاهات على اعتبار أن القدوة تجسيد لمعاني القيم وأمثلة تطبيقية لها، ومن هنا يبدأ ظهور القيم وعدد من نماذج الاسرية في القدوة والسلوك العملي تظهر من قبل الاهل، ذلك أن الفعل أبلغ من القول وأشد تأثيرًا منه.

وتؤكد بعض الدراسات الاجتماعية أن الفجوة العمرية أكثر الفجوات التي تؤثر في العلاقة بين الآباء والابناء، بقدر ما يتسع ويبتعد الزمن الذي عاش فيه الآباء عن زمن الأبناء كلما زادت هذه الفجوة واتسعت، حيث لكل زمان عاداته وتقاليده وأفكاره والتي تختلف كليا وجزئيا عن أي زمان آخر وبالتالي تضيق مساحة الالتقاء الفكري والثقافي واللغوي.

وتشير هذه الدراسات إلى أن الاختلاف الكبير في الأعمار بين الآباء والأبناء أدى الى تباعد التقارب في الثقافات والعادات والتقاليد والأفكار، بسبب مدخلات العصر الحديث بين الجيلين ما ساعد على بُروزٍ أكبر لمشكلة الفجوة بينهم.

لكل عصر طريقة تفكيره وقناعاته وأسلوب دراسته ومعلوماته المتوافرة التي تميزه عن غيره من العصور، ما يساعد على خلق حالة فكرية معينة لدي أبناء الجيل الواحد تختلف عن نظيراتها في الأجيال الأخرى.

ومع تغيُر أنماط الحياة بشكل دائم وتبدُلها ودخول أفكار جديدة وخروج أخرى قديمة تتغير العادات والتقاليد بشكل مستمر، ربما لا يلاحظه الشخص خلال حياته إلا أن هذا الاختلاف يظهر بشكل واضح في اختلاف العادات والتقاليد بين جيل الآباء والأبناء.

لذلك يُتوقع اليوم من الاعلام الى ضرورة الاعتناء بموضوع القدوة الصالحة للحاجة الماسّة لإبراز نماذج حيّة صنعت لتكون أمثلة في واقع الحياة للخروج بنا من حياة الضياع والاضطراب إلى حياة الأمن والاستقرار والبناء والإعمار المجتمعي الذي يعيد الثقة بين الأبناء والآباء.