إربد- أحمد الخطيب

في قراءة لرسائل مفردات إربد مدينة الثقافة لعام 2007، التي حبّرها سهل حوران، وَجَد المبدع نفسه أمام صورةٍ هلامية، لم تكترث بتفاصيل شجونه، وتجليات شؤونه، وأنهار خلوده، على مساحة الأرض التي تمتد من إربد إلى سكّان مدن الديكابولس العشرة التي وزّعت آثارها وأنفاقها على التربة الخصبة التي أنجبت عديد المبدعين، من شعراء وكتّاب وروائيين ومسرحيين ونقاد وفلاسفة وعلماء، أيقنوا في خلواتهم أن للروح صلاتها، وأنّ للمجاورة أوقاتها، وأن للغواية أسفارها.

المدينة التي نصبت خيمتها على مساحات مشرعة الفضاءات ومفتوحة، تزيّنها تلة هنا، وتلّة هناك، وانحازت إلى ارتفاع الناصية، إذ وقفت على سلّة الغذاء والكروم، المساحات التي جاورت بامتدادها العامودي فضاء فلسطين، فكانت ملاذ اللاجئين والنازحين معاً، المساحات التي أيقنت أنها مدينة النور، ومدينة الأمل، ومدينة النجاة، وأشرعت ثانية أبوابها للعابرين إلى طمأنينة القلب بعد خراب المدن، تراجعت آمالها بعد الصورة الهلامية التي أثثتها فعاليات المدينة ومخرجاتها في عامها الاحتفالي، « والشجرة تعرف من ثمارها» ، رغم أن قصب السبق كان لها بالتقاط الذاكرة الأولى لهذا المشروع، بناء على المحاور التي لا تُجارى والتي أعدّها ملفّ إربد للمنافسة.

المدينة التي سرد غوايتها المنقّبون عن الجمال، وهم يعيشون عاماً كاملاً، ولا أقول سَنةً، لأنه كان عاماً ممتلئاً بالخذلان وانعدام البصيرة، بحثوا بعد هروب العام عن ذواتهم وصيرورتها، وعن إيقاعاتهم ومرونتها، وعن أحلامهم وتأويلها، وعن خلودهم وتقطيع الشرايين، فلَم يجدوا غير أزهار نبتت في حدائق النسيان، أزهار تشمّست على أمل، ونامت في ضحى خريفها، فأوعزت لنفسها أن تنام على حصيرة الذكرى التي لا أثر لها، غير مركز إربد الثقافي، الذي هُرِّبَ لحظة استدراج، إلى مكان بعيد عن وسط المدينة الذي أصبح يشكّل عبئاً على أهل الإبداع، إذا أرادوا التقاط الأنفاس مع ندوة أو مؤتمر أو عرض مسرحي أو حلقة نقاش، كما يرهق جيوبهم الخاوية أصلاً.

لم تكن المفردات التي راهن عليها أهل الإبداع، راعية لهذا الحضور البائس لمخرجات إربد مدينة الثقافة الأردنية الأولى، إنما شكّلت خيبة أمل لمدة عام بما تضمنته من فواصل تستطيع الهيئات الثقافية الإتيان على منبعها إذا ما أرادت، ولكنّ الغصّة التي تدور في الحلق إلى جانب المسافة التي ترهق مبدعي المحافظة للوصول إلى مركز إربد الثقافي، وخاصة أن معظم القُرى التي تلتف على خاصرة المدينة، تقبع في شمالها، وشمالها الغربي، وليس في جنوبها الذي يحتضن المَعْلَم الحضاري، الذي لو تفتحت له بصيرة القرار، ونُصبت أعمدته على مساحة تكون مرمى العصا من الجميع، لشكّل خليّة نحل، فجمهور مدينة الديكابولس الأولى، عطِشٌ للحياة، وعطِشٌ للثقافة والإبداع، وهو جمهور لا ترهقه كثرة الفعاليات، لأنه نبتة من أقحوان المدينة التي تتسلق الأسوار.

الغصّة، وأريد أن أقع تحت طائلة « أن تصل متأخّراً، خير من أن لا تصل»، التي تعيق حركة التفكير أيضاً، وتشل مقدرتك على تثوير الأسئلة، أن تشاهد إحدى مخرجات المدينة الثقافية، وهي تنتصبُ بحزن معتّق في الجهة الشرقية من المدينة، وكأنها عالةٌ على المفردات التي راهن عليها المبدعون، هو ذلك، إذ هل تستقيم تسمية بلا مسمّى، كما يستقيم المقام مع حاله، والشعر مع وزنه، والرواية مع شخوصها، والنقد مع منهجه ومدارسه، واللوحة مع عبثها بالألوان، هل يستقيم دوار أطلق عليه «دوار الثقافة» دون العبور إلى صفحاته المجاورة، كأن ترى عازفاً يضرب أوتار عوده، ورساماً يترصد عبور فتاة أو شاب، أو حركة عرض الشارع، ليدفعها إلى ملكوت لوحته، وترى أكشاكاً تلتف لبيع الكتب والمجلات، ومقاهي يقصدها المبدع والمحامي والطبيب والمهندس وغيرهم، ليس حلماً ذلك، لكننا لم نستطع تسويق الفكرة، وكنّا كمؤسسات ثقافية رسمية وشعبية منشغلين بمفردات طائرة لا مقام لها ولا مستقر، حتى صار « دوار الثقافة» يتيم الأب والأم.

« دوار الثقافة» في إربد، هو أحد مخرجات إربد مدينة الثقافة الأردنية، دفعت به إلى الوجود بلدية إربد الكبرى، اسم يكاد يخلو، أو يخلو من أي مظهر ثقافي، تحيط به المحلات التجارية، من مولات ودكاكين لبيع الخضروات واللحوم، وغيرها، ربما يقول أحد المسؤولين إن المولات والمحلات التجارية كانت قائمة قبل الإنشاء، نعم، لماذا إذن لم يتم اختيار مكان خال من الأبنية لهذا الدوّار، وتأثيثه بإيقاعات ثقافية، كالشارع الثقافي، أو الأنفاق الثقافية، أو الأكشاك التي تُرخَّص فقط لغايات بيع الكتب والمجلات والصحف.

الذي دعاني لكتابة هذا، هو تلك الغصّة التي تقع في القلب قبل الحلق، كلما مررتُ به، أو ذهبتُ إلى عمان مروراً بشارع البتراء الذي يتقاطع معه، أو ذهبت إلى مطعم في ضواحيه مع ثلة من المبدعين، وكأننا اخترنا المكان متقصدين ذلك، لنتحسر على إيقاع كنّا نحلم أن نكون جزءاً منه في الحياة اليومية، ولكننا أصبحنا إن استطعنا للتنفس سبيلا ننظر إليه، وهو شاحب الوجه والعينين.

يرى سلطان الكوفحي، أن ثمة أماكن عامة تترك انطباعات أوليّة وتصوريّة عن المناخ الاجتماعي، لهذا كانت فكرة الاسم « دوار الثقافة»، وتطبيقه كواقع في ناحية بدأت في التطور العمراني الملحوظ، جنباً إلى جنب مع أهمية المكان اقتصادياً، فهو يعجُّ بالمقاهي والمطاعم ومأهول بالسكان، وقريب من أهم الحدائق وأكبرها في الشمال، لافتاً إلى دوار باريس في عمان الذي صار محجّاً للتطواف حوله، إلى جانب اقتران اسمه ومكانه بأحداث وفعاليات ولقاءات.

ويؤكد مدير العلاقات العامة في بلدية إربد الكبرى أننا في إربد نعوّل على دوّار الثقافة، فهو في مدينة خصبة وولّادة للمبدعين، لهذا نسعى إلى أن نجعل الاسم منطوقاً بكثرة ومألوفاً، كأن تقول للذي يذهب ليشرب القهوة، أو ليجالس صديقاً، مرورك الضروري من هنا ليس عبثياً، أنت في مدينة الثقافة، وعليك أن تطور معارفك وعلومك، نحن نسعى إلى خلق بيئة مجتمعية متوازنة ومدروسة، عصرية الرؤى وغير نمطية ولا تقليدية.

ويخلص الكوفحي إلى أن الأفكار كثيرة وممكنة، لكنها بحاجة للتعاضد والدعم، وعلينا كمواطنين أو مؤسسات مهمات وواجبات، للحصول على خدمات، ولا يمكن لوطن أو مكان أن يشغل حيزا في التاريخ دون أن يكون فاعلاً ومؤثراً ومنتميا لواقعه ويحلم بتحقيق التطلعات، وعليه يؤكد على أهمية تكريس الفعل الثقافي والعمل المجتمعي التطوعي من خلال التفاعل المستمر مع المحيط وعقد ندوات تصل للناس في أماكنهم.

ويرى نخبة من المبدعين أن الأجندة الثقافية التي تسابقَ الكثيرون من أجل حيازتها ذلك العام، والاستفادة من تغوّلها المادي، كانت تَشتقّ من المنفعة الشخصية إطاراً للعمل الثقافي، فلم يكن بالحسبان لدى هذه الثلة أن تسعى خلف تأثيث استراتيجية تقدّم مساحة واسعة من الحياكة المستقبلية للأجيال القادمة، لهذا جاء الفعل ناقصاً، وجاء العمل مرتبكاً، وجاءت الصورة غامضة، والأنفاس قصيرة، ولم يكن المبدع حاضراً بروحه التي تعبر الأزمنة، فقضى نَحْبَهُ وهو ينظر بعين الريبة لكل حركة تدشنها آلية العمل التي تسعى لقضاء ليلة وضحاها.

إلى ذلك يُجمِع عدد كبير من المهتمين بالحياة الثقافية، وقد عايشوا تجربة المدن الثقافية بعد عام 2015، على أن مدينة إربد تخلو تماماً من سياقات معرفية تذهب بهم إلى شواطىء المدينة الثقافية، إذ لا يوجد كما يقولون أيّ معلم ثقافي في المدينة يشير إلى الحضور المادي لذلك، فمركز إربد الثقافي الذي ضاق به وسط المدينة، أو أطرافها القريبة، لا يعرف مكانه الكثيرون من سكّان المدينة، ولا يلوّح لهم بالتحية وهم يتنزّهون في شوارعها، ولا يسلط عليهم أضواء الحياة الثقافية التي تزهو بها المدينة. ويقول آخرون في سنّ الشباب، أنهم تفاجأوا بدوار الثقافة، وعندما تحسسوا هذه التسمية، قيل لهم إنها من مخرجات إربد مدينة الثقافة، ويضيفون، بأن التسمية لوحدها لا تشكل كرّاساً للمعرفة، وحضوراً للحياة التي استدرجتها، فلولا السؤال لما كانت المعرفة، تماماً، كأن تسمي شارعاً باسم رمز من رموز الأردن، ولا تضع جدارية تسلط من خلالها الضوء على حياته وإنجازاته، فكثيرة هي الشوارع التي تحمل أسماء مجردة، نمرّ عليها ولا نعرف ماذا قدمت للوطن، ومن هم أصحابها، ولماذا تم اختيارهم، وهذا الحال كما يؤكدون ينطبق على دوار الثقافة، إذ لا جدارية تفصح عن أسباب التسمية، ولا معالم تلتف حوله، لتعي الأجيال، أن إربد كانت مدينة للثقافة في سالف الأزمان، أو أنّ فعلاً ثقافياً استمر لعام كامل كان له بهجته في قلوب الناس، أو أن مؤشّراً يعيد لنا قراءة مقولة « أرابيوس» شاعر « جدارا»: كما أنت الآن كنتُ أنا».

أن تحفر بعيداً في الفعل الثقافي، أو ترسّخ أجندة قابضة على ديمومة هذا الفعل، يعني أن تذهب بالأجندة إلى الحبل السّري الذي يمتدّ منك إلى سلالتك التي ستقف على إرثك العالي، وأن تقدّم لها تفاصيلكَ، وتفاصيل هويتك الإنسانية والمكانية، وأحوالك، وأن تهيئ لها منازل للذاكرة، وعيوناً للرؤية، ومقاماً للفخر، لا أن تبسط لها أرضاً جرداء، وفضاء كالحاً، ومنازل مقفرة، أن تكون مندفعاً إلى تحصينها من عواثر الزمن، وأن تعيش معها، بما أنجزتَ لها، فهل حقّقت إربد مدينة الثقافة لعام 2007 هذه الفيوضات من الرؤى التي يتأمّلها أبناء المجتمع الثقافي بعد مرور أحد عشر عاماً على هذه الاحتفالية؟!.