حوار - إبراهيم السواعير

يحيي الشاعر الإماراتي الدكتور طلال الجنيبي عدداً من الأمسيات والأصبوحات، في رابطة الكتاب الأردنيين، والجامعة الأردنية، وغيرها من الهيئات الثقافيّة. والجنيبي الذي يزور الأردن لحضور ملتقى بيت الشعر – المفرق- الرابع في عمان، يؤكد ما يتمتع به المثقفون الأردنيون والجمهور كذلك من تذوّق أدبي واهتمام بالشأن الثقافي، مؤكّداً مبادرات حاكم الشارقة عضو المجلس الأعلى للاتحاد، الأديب والكاتب المسرحي صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي بادر إلى دعم مهرجان رم المسرحي في الأردن ليستمر كلّ عام محتفياً بالفرق المسرحية المحليّة ضمن فلسفة تطوير المسرح والنهوض به، مثلما كان بادر قبل أربع سنوات بإنشاء سلسلة الألف بيت شعر في الوطن العربي، ومنها بيت الشعر المفرق، واليوم يعلن القائمون على المشهد الإبداعي والثقافي الأردني أنّ القاسمي قرر مبادرة جديدة ولافتة لإقامة ملتقى أدبي للسرد في الأردن، بالتعاون والتنسيق مع وزارة الثقافة.

ويمتاز الجنيبي، الذي أصدر دواوين «بوح على ضفاف»، و«على قيد لحظة»، و«الإمارات في القلب»، بظاهرة التوقيع الصّوتي، وهو يذكر دائماً أنّه أحد أهم ابتكاراته الإبداعية في مجال تقديم الشعر، حيث أنّه يمثل جنساً إبداعياً مختلفاً عن الغناء أو الإنشاد أو الحداء ويتميز بكونه منتجاً مرتبطاً بالنصّ إيقاعيّاً مع الولادة ارتباطاً عضوياً لا ينفكّ ويمثّل هويته الإبداعية الخاصّة التي جعلت منه العلامة المميزة لهذا الشاعر الإماراتي. وحول هذه القضايا وقضايا أخرى، منها رؤيته للشعر وقضاياه وما يمثله ويشكله في ضمير الإبداع ووجدان العطاء الفكري، كان لـ«الرأي» معه هذا اللقاء:

ماهي الجوانب المميزة التي جعلت من «الإمارات في القلب» يحقق كلّ هذا الصّدى والانتشار والصيت بصورة غير مسبوقة قلما تصل إليها مجموعة شعرية؟

بدايةً، كما أسلفت الذكر فهي اول مجموعة شعرية وطنية تصدر في عام زايد عن قضايا الوطن ورموزه ومن هذا الباب تُعدّ ديواناً شعرياً تاريخياً طرق أبواب المجد من بوابة الأسبقية ونال مكانته في قلوب الوطن وأبنائه. ومن جانب آخر، فقد تمّ تكريم الديوان وصاحبه من صاحب السّمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وكذلك من وزراء الثقافة والتعليم العالي والتعليم في دولة الإمارات، كما نال تكريماً إضافياً من مدير وكالة الإمارات للفضاء ونائب رئيس المجلس الوطني الإماراتي على سبيل المثال لا الحصر، ومن أهمّ ما حققه هذا الديوان هو اختيار إحدى قصائده قصيدة فضاء زايد لتعلّق في جدران وطالة الإمارات للفضاء، وقد حصل هذا السبق التاريخي المهم قبل فترة وجيزة حيث قام مدير عام وكالة الإمارات للفضاء الدكتور أحمد بالهول الفلاسي وزير التعليم العالي لدولة الإمارات بتعليق لوحة كبيرة تتضمن هذه القصيدة على جدار وطالة الإمارات للفضاء في حفلٍ رائع، في تجسير مهم عميق الدلالة لعلاقة الأدب بقضايا المجتمع التكنولوجية المعاصرة، حيث تشكل قضايا الفضاء في هذه المرحلة من عمر دولة الإمارات أولوية هامة وتستحوذ على اهتمام كبير من القيادة حتى أصبح برنامج الفضاء الإماراتي حالياً أحد أهم عشر برامج فضاء على مستوى العالم وسيتم إرسال رائدي فضاء إماراتيين إلى المريخ في العام 2021، فأصبحت هذه القصيدة التي تنتمي إلى ديوان الإمارات في القلب بوابةً للإبداع الفكري والأدبي الشعري إلى قضية من أهم قضايا المجتمع الإماراتي في خطوة رمزية هامة على أكثر من صعيد. ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الديوان تطرّق إلى قضايا الوطن المعاصرة، فعلى سبيل ذكر عام زايد وواحة الكرامة ومسجد الشيخ زايد والشهيد في بانوراما تلوّن أطياف الوطن بأبجديات الشعر.

ضعنا بصورة موجزة عن دواوينك الشعرية؟

ديوانا بوح على الضفاف وعلى قيد لحظة يُعدّان وجبة منوّعة لما يحتويانه من مختلف أغراض الشعر، بنماذج مختلفة، أما من حيث التأثير، فعلى سبيل المثال استطاع ديوان على قيد لحظة الذي تمّ توقيعه في مهرجان الشارقة للشعر العربي أن يصل إلى القائمة النهائية لأفضل إصدار في معرض الشارقة للكتاب في دورته قبل عامين. كما رُشّح في القائمة القصيرة لأفضل إصدار لكاتب إماراتي في العام 2017. أما ديوان الإمارات في القلب والذي يُعدّ أول مجموعة شعرية وطنية بالشعر الفصيح في تاريخ دولة الإمارات وتصدر في عام زايد 2018 مسلطةً الضوء على قضايا الوطن المعاصرة بصورة غير مسبوقة، وطارقةً جوانب مبتكرة من الشعر الوطني عبر مئة صفحة من الشعر مواكبةً لمئوية الراحل الكبير المغفور له بإذن الله زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.

ماذا عن مشاركاتك الأخيرة؟

تعد السنتان الأخيرتان من أكثر السنوات نشاطاً من حيث المشاركات النوعية، فقد شاركت في مهرجانات أفرابيا بالسودان والمربد بالبصرة والمواسم الثقافية في الكويت ومعارض الكتاب في مصر وسلطنة عمان وتونس والمغرب والأيام الثقافية في مدريد بالإضافة إلى البيت العربي الثقافي بإسبانيا والمكتبة الوطنية الإسبانية وأقدم إسم للدراسات العربية في أوروبا على سبيل المثال لا الحصر. وقد شكلت هذه المشاركات المتنوعة كماً وكيفاً نقلةً كبيرة في تجربتي الإبداعية من حيث الإنتشار والوصول إلى المتلقي حيث مهدت الطريق لفتح آفاق جديدة من التواصل مع مجتمعات أدبية متنوعة وكيانات وشخصيات إبداعية ساهمت في إيصال منتج الفكر الشعري الإبداعي إلى حيث لم يصل سابقاً ولقد لمست هذا الجانب من خلال ما يصلني من ردود فعل وأصداء على ما قدمته من مختلف قارات العالم ومن جهات لم أتوقع أن أسمع منها وعنها من قبل وفي هذا غنجاز مهم من حيث الانتشار وإيصال العطاء الشعري لأكبر رقعة ممكنة تحقيقاً لدور الأدب الأسمى للوصول بالثقافة إلى أصقاعٍ ومرافئ جديدة تلامس فيها مساحاتٍ لم تصلها إليها من قبل.

هل مدّك تخصصك الأكاديمي غير الأدبي بما يدعوك إلى التجديد وملامسة إحساس القارئ، خصوصاً وأنت لا تتقعر في الألفاظ بل تهتم بالمضمون، بلغة رقيقة؟!

بدايةً، يطيب لي من خلال صحيفتكم المميزة أن أتقدم بالشكر والامتنان للأردن الحبيب، قيادة و شعباً، على ما غمرني به الجميع من ترحيب وحفاوة تجاوزا كل وصف على الصعيدين الرسمي و الشعبي، وليس هذا بمستغرب على أردن الأدب والثقافة والكرم

في ما يخص هذا السؤال، أقول إنّه كثيراً ما توصف لغتي ونتاجي الشعري من قبل المتخصصين وعامة المتلقين على حد سواء بالسهل الممتنع، فالسلاسة والعذوبة والعمق غير المتكلف هي سمات لغتي الشعرية التي أزعم أنها تتمكن ليجد فيها المتخصص العمق والأبعاد الشعرية التي يبحث عنها، مثلما يجد في الوقت ذاته جمهور الشعر على اختلاف مستوياته ما يبحث عنه من إحساس شعري يحرك المشاعر ويخاطب العقل والقلب معاً، من الوصول إلى المتلقي بشكل مميز.

باختصار أقول إنّ شعر الدكتور طلال الجنيبي هو في حقيقته السهل العميق المتمكن الممتنع، وما كان هذا ليحصل لولا تظافر الموهبة مع تخصص السلوك التنظيمي والموارد البشرية التي أحمل درجة الدكتوراة فيها من جامعة نيوكاسل بالمملكة المتحدة ليمنحني خصوصية اجتماع عناصر المعرفة مع الموهبة والتجربة التي مكنتني من التميز وقدرة تقديم الجديد على صعيد المبنى والمعنى الشعري مما أتاح فرصة ملامسة إحساس المتلقي و عقله ووجدانه بلغة شعرية رقيقة سلسة عذبة تهتم بالمضمون وتُقدَّم بلا تقعر ولا إخلال من أجل تحقيق معادلة الشعر الجميل التي تخاطب العقل والروح معاً باستمتاع وجمال و إحساس يشكل جوهر رسالة الشعر الحقيقية.

تستخدم دائماً بحور الشعر القصيرة أو البحور ذات الأوزان أو التفاعيل السريعة، هل هو تعبير عن حماسك للفكرة أو سهولة قراءة الموضوع أو أنّك لا تريد أن تثقل على القراء.. بمعنى أنّك تنوب عنهم في ما تكتب؟!

أستخدم بحور الشعر المختلفة في قصائدي، الطويلة منها والمتوسطة والقصيرة، ولكني أميل عند لقاء الجمهور للتركيز أكثر على استخدام البحور ذات الأوزان أو التفاعيل السريعة لقدرة الإيقاع السريع على حمل موسيقى الشعر لإحساس المتلقي بفاعلية أكبر، كما استشعرت من خلال تجاربي العديدة عبر مشواري الشعري الطويل الذي بدأ بأمسيتي الشعرية الأولى وأنا ابن السابعة عشرة قبل أكثر من عشرين عاماً. كذلك أجد في سؤالك الذكي إجابات مبطنة، فالحماس للفكرة و سهولة نقل وقراءة ووصول الفكرة والموضوع والرغبة في أن لا يثقل الشعر على القارئ وينوب عنه، بالإضافة إلى أسلوب التوقيع الصوتي في إلقاء القصيدة الذي أتميز به، وكل هذه العناصر مجتمعة تجعلني أميل أكثر للبحور القصيرة في الشعر مع التأكيد على حضور البحور الطويلة في شعري وعدم إغفالها.

ظاهرة التوقيع الصوتي: هل يمكن أن تكون ثقيلة الظلّ لدى بعض الشعراء؛ لا أقصد فقط الألحان ومقومات الغناء والموسيقى والمقامات، ولكن أقصد عدم انسجام الشاعر مع جمهوره حتى مع إجادته الغناء أو تلبّس ظاهرة التوقيع الصوتي؟!

التوقيع الصوتي كما أقدمه عبر قصائدي هو ابتكار يختلف تماما عن التجارب الشعرية الأخرى في الأسلوب والمضمون والطريقة كما أرى.

وأود أن ألفت الانتباه إلى أنّ مصطلح (التوقيع الصوتي) تحديداً مقترن و مرتبط منذ ولادته باسم الشاعر الدكتور طلال الجنيبي، وهو أحد ملامح تجربته الشعرية المميزة له.

التوقيع الصوتي هو إيقاع الصوت على الشعر، وهو كذلك هوية القصيدة الصوتية، وهو جنس مختلف و ليس غناءً ولا إنشاداً، إنما هو لحن يولد عضوياً مع القصيدة ويرتبط معها بذات الحبل السري، فلذلك نشعر بملائمة اللحن للنص، لأنهما توأم ولدا في ذات اللحظة، مما يعطي ألفة وقبولا لهذا الالتصاق الشعر. ربما يكون هذا هو أحد أسرار القبول الكبير لأسلوب التوقيع الصوتي من جمهوري الشعري، و لقد أتاح هذا الأسلوب المتفرد في تقديم بعض قصائدي الفرصة لي أن أجري في مضماري الخاص بلا منافسة نظراً لخصوصية تجربة (التوقيع الصوتي) وتفردها والقبول الكبير الذي تقابل به في كل مرة تطل فيه على جمهور الشعر الذواق الذي يستمتع بالقصيدة الموقعة صوتياً من الشاعر طلال الجنيبي.

وأستحضر هنا مقولة لإيليا أبوماضي، حيث يقول إن الشعر كالشعر، حسنه يحتاج إلى مشط ليظهر، ومشط الشعر (الإيقاع).

لعبت على الألفاظ لعباً غير ممل أو ثقيل الصنعة والتكلّف، وقد فعل ذلك شعراء كانوا يرجون التحدي والاستقواء بالنحو والمتجاورات الثقيلة من الأحرف والألفاظ......هل هي وسيلة الجنيبي لجذب الجمهور أم هي حالة غنائيّة سيكولوجيّة خاصّة بالشاعر؟!

هي انعكاس طبيعي لشغفي بغنائية الشعر وارتباطي الوثيق ببنية القصيدة وإيماني أنَّ بناء القصيدة يزداد ألقا بقدرة استخدام الألفاظ بإبهار لإظهار جمالية اللغة العربية التي تقدم للشعر وللشاعر من خلال مكوناتها فرصاً رائعة لطرح تراكيب وصور شعرية ملهمة من خلال استخدام المحسنات اللغوية التي تعتبر في واقع الأمر أدوات الشاعر التي تبرز حرفيته وتظهر موهبته وقدرته على بناء القصيد لتجميل المعنى والمبنى على حد سواء.

هل تستلزم ظاهرة التوقيع الصوتي العلم بالمقامات أم هو إطلاق النفس على سجيّتها، أم هي تجمع بين هذا وذاك؟!

بالنسبة لي، ومن خلال تجربتي الخاصة، أعتقد أنَّ التوقيع الصوتي هو إطلاق للنفس على سجيتها، ولم أحتج لأن ألجأ مباشرة لعلم المقامات، لأن ولادة اللحن مع القصيدة في حالتي يفرض أن تكون الملامح ظاهرة منذ الولادة الأولى ولا يتم اللجوء إلى المقامات الموسيقية مباشرة رغم حضورها الضمني غير المباشر بطبيعة الحال.

كيف ترى الإدارة الثقافيّة في الإمارات من واقع برامج تختص بها كلّ إمارة في أبو ظبي والشارقة والفجيرة وغيرها..؟!... والنهضة الثقافية كذلك؟!

تنوع البيئة الجغرافية بدولة الإمارات العربية المتحدة انعكس إيجاباً على بيئة الثقافة والشعر، وأصبح معيناً غنياً ومصدراً لإثراء التجارب وتنوع مصادر الإلهام البيئي، فالإنسان بطبيعة الحال هو ابن بيئته وإذا عاش في بيئة يرى فيها الصحراء والجبل والسهل والماء والقرية والمدينة على اختلاف تفاصيلها وجد في تنوع المكان مصدراً هاماً يسهم بحيوية في إضفاء روح أكثر فسيفسائية وأعمق إبداعاً، و لعل هذا من أهم اسباب تنوع أشكال ومنتجات الثقافة عموماً في دولة الإمارات، وطني الحبيب القريب من الروح.

كيف ترى التنوّع الثقافي في دولة الإمارات العربيّة المتحدة في الساحل والبادية والجبل والمدينة بما يخدم النص الشعري؟!

الواقع الثقافي بدولة الإمارات يقدم لنا نموذجا مميزا للتكامل، فكل إمارة من الإمارات السبع تنظم برامجها الثقافية الخاصة بما يتلاءم مع خصو صيتها وطبيعتها، وبالمحصلة تصب هذه الروافد الثقافية السبعة في نهر الثقافة الإماراتية الجاري الذي نغترف من مائه العذب مذاقات ثقافية متنوعة امتزج بعضها ببعض وقدم لنا هذا المشهد الثقافي الثري بفعل هذا التنوع وهذه الخصوصية والمنهج التكاملي في الفكر والثقافة والإبداع.

كيف ترى الفعل الثقافي عنصراً مهماً في بث قيم التسامح والمحبة والحوار.. خاصّةً أنّك قرأت جوانيات الناس وضمائرهم ولك معجبون أجانب؟!

الفعل الثقافي هو باب انفتاح الحضارات على بعضها البعض وهو عنصر تقريب بين الأفكار والاختلافات، مما يعمق الفهم ويعزز القيم الإنسانية، ويكرس واقع الأخوة البشرية، ومن هذا المنظور فإن الثقافة بمختلف جوانبها تقوم على أسس بث قيم الحوار والتسامح وعدم نبذ الآخر والقبول بمظلة الإنسانية الرحبة التي تجمعنا جميعا.

كيف تصف أمسيتك في مهرجانات الشارقة في الشعر العربي الفصيح بالتشارك مع شعراء عرب لهم باع في الشعر؟!

مهرجانات الشارقة للشعر العربي تعد من أبرز المهرجانات المتخصصة بالشعر العربي على الإطلاق، بالنظر إلى القيمة الأدبية للمشاركين، فهي لا تستقطب إلا الأفضل، ويبذل المنظمون في بيت الشعر بالشارقة وهيئة الثقافة بالشارقة جهوداً حثيثة وواضحة للمحافظة على مستوى هذه المهرجانات المتصاعدة من حيث الشكل والمضمون نظراً لكونها تحظى برعاية وحضور سلطان الثقافة، صاحب السّمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة يحفظه الله. ولقد شاركت في أربع دورات سابقة من هذا المهرجان الشعري البارز على الصعيد العربي عبر سنوات مختلفة، وحظيت بمزاملة قامات شعرية سامقة في المشهد الشعري العربي مما أتاح لي فرصة الاحتكاك والتطور وشكل مصدر اعتزاز وفخر وأتاح لي فرصة تقديم نتاجي الفكري والإبداعي من على هذا المنبر الشعري الرفيع.

كانت تجربة ثرية بكل المقاييس وأسعدني ما لاقيت فيها من حفاوة و تقدير كريمين من أهل شارقة الثقافة والكرم والثقافة وأسعدني أن إمثل وطني في هذا الحدث الثقافي الشعري البار في أكثر من دورة.

كان لك حضور كبير في اتحاد الكتاب.. إلى ماذا تعزو هذا الحضور؟!

الأمسية الشعرية التي استضافني فيها اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين قبل قرابة العامين شهدت حضوراً كثيفاً من حيث الكم والكيف وكانت مفاجأة سارة بكل المقاييس، بالنظر إلى كونها تجاوزت الساعة وقرأت فيها اثنين وعشرين قصيدة، ورغم هذا لم يغادر هذا الجمهور الغفير القاعة واستمر متفاعلاً إلى النهاية بصورة أدهشتني وغمرتني بالفخر والسرور والامتنان على هذا الإعجاب الكريم والتقدير الراقي و الفضل في هذا الظهور يرجع للقائمين على هذا الاتحاد ولبيت الشعر بالمفرق الذي بذل القائمون عليه جهداً كبيراً لترتيب هذه الأمسية الشعرية التي لن تغادر مخيلتي طويلاً لما صاحبها من حضور كبير نوعي وتفاعل رائع يثلج الصدر، وليس هذا بمستغرب من أردن النشامى وشعبه الذواق الكريم المضياف، فشكراً لكل من جعل من هذه الأمسية ذكرى لا و لن تنسى.

كيف رأيت المتلقي الأردني في فهم النصوص الأدبية ومتابعتها؟!

المتلقي الأردني كما لمست يحمل من الوعي ورقي الذائقة ما يجعله قادراً على استكشاف مواطن الجمال في الشعر وتقدير المميز منها. الثقافة والنضج عند المثقفين منهم تفوح بوضوح من مستوى الطرح وقدرة سبر أغوار الأفكار و تحليلها فكرياً وفنيا.

زرت وزيرة الثقافة قبل سنوات وتحدثت عن الإبداع الثقافي بين الإمارات والأردن.. ضعنا بالصورة؟!

قبل سنوات استقبلتني وزيرة الثقافة الأردنية الدكتورة لانا مامكغ بمكتبها، وبكل استبشار وسرور ورقي وأثنت على أصداء مشاركاتي الشعرية في الساحة الأدبية الأردنية وعلى تجربتي الإبداعية، ودار الحديث عن العلاقة الوطيدة بين الإمارات والأردن قيادة وشعبا على كل الأصعدة عموما وعلى صعيد الثقافة تحديداً، وعن دور المثقفين في مد جسور التواصل والمودة للحفاظ على استمرار هذه العلاقة المميزة بين البلدين الشقيقين. حقاً لقد كانت وزيرة الثقافة شخصية رائعة من حيث المعرفة والقبول والرحابة والتواضع والإلمام وقد لمست ذكاء و لطفا كبيرين لديها، وهي تقدم لنا نموذجا لما يجب أن يكون عليه المسؤول عن قطاع هام وحيوي مثل الثقافة. اللقاء كان حميماً والانطباع كان أكثر من رائع.

هل يتّجه الشباب إلى الموضوع أو المضمون أكثر من الشكل في الشعر الفصيح؟!

القصيدة وحدة متكاملة تقوم على شقي المعنى والمبنى. المبنى هو الذي يحمل المعنى إلى المتلقي، وإذا لم يكن البناء مميزاً، فلن يتمكن من تقديم المضمون كما يجب.

لماذا لم تكتب قصيدة التفعيلة أو نصّ النثر.. وهل لذلك علاقة بالتوقيع الصوتي الذي نشأت عليه؟!

فيما يتعلق بقصيدة التفعيلة التي أكتبها وتحضر كثيراً عبر نتاجاتي المطبوعة ونص النثر، أعتقد أن قدرة الشاعر ومضمون النص هي التي تقرر شاعرية القصيدة وليس الشكل الخارجي بالضرورة، ولكن أتحفظ على من يكتب التفعيلة ونص النثر قبل (إتقان) كتابة الشعر العمودي الكلاسيكي، حتى لا تكون الأشكال الأخرى هروباً من عدم التمكن وحتى يتعمق الإحساس بروح القصيدة وموسيقى الشعر بشكل جيد.

لا اعتراض على من (يتمكن) من الشعر الموزون أن يستكشف داته في فضاءات أخرى، ولكن ليس قبل إثبات جدارته بالشعر الكلاسيكي. هذا ما أراه.

كيف ترى إنشاء صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لبيوت الشعر العربيّة ضمن سلسلة ألف بيت شعر في الوطن العربي؟!

سلطان الثقافة، صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي، حاكم الشارقة هو رمز ثقافي عربي مسكون بحب الخير والفكر والثقافة و رغبة انتشارها، حيث يرى فيها علاجا لكثير من أمراض العصر الاجتماعية والفكرية وانطلاقا من هذه القناعة المتجذرة عند سموه أقْدَمَ على مبادرة الألف بيت شعر في مختلف أنحاء العالم العربي، حتى تكون هذه الببوت الشعرية حواضن للإبداع واستكشاف وتنمية المواهب، وتأهيل الكوادر الثقافية إداريا واجتماعيا، وتوفير بيئة تحتوي المبدعين لتقربهم من بعضهم البعض ويقرب العالم العربي من بعضه البعض، من خلال هذه الفكرة الرائعة التي بدأنا نقطف ثمارها، وما بيت الشعر الذي نراه اليوم في المفرق إلا أحد ثمار هذه المبادرة المباركة، وهذا الرجل الكريم، سلطان الثقافة.

في النهاية أود القول إنَّ الكلمة مسؤولية والشعر رسالة إنسانية سامية مشتقة من الشعور، فمتى ما قام الشعر بدوره على ما يرام قدم لنا غذاء للروح وقودا للفكر وماء للإحساس. وتحضرني هنا قصة حصلت معي شخصياً وتبين لنا قوة الكلمة وما لها من تأثير.

ذات يوم اتصل بي مدير أحد البنوك المحلية بأبوظبي و طلب مني أن أزوره للضروره، فاعتقدت أن الأمر يتعلق بجانب مالي فذهبت وإذا بأحد مدراء الاستثمار يستقبلني استقبالاً حميماً، رغم أني لم ألتق به من قبل فاستغربت، إلا أنه بادرني بالقول: يا دكتور طلال، لقد غيَّرتْ إحدى قصائدك حياتي!.. فسألته: وكيف كان ذاك؟!

فقال لي إنّه، ومنذ أربع سنوات، كنت أعمل بنيوزلندا، فأنا نيوزلندي من أصل عربي وكنت أمُرُّ بضغوط وظيفية وحياتية شديدة، و لقد أثر ذلك عليَّ كثيراً. وذات يوم أرسلت لي زوجتي التي تعمل خبيرة تقنيات معلومات قصيدة لشاعر من الإمارات يدعى الدكتور طلال الجنيبي وعنوانها (مكعب الثلج). وهذه القصيدة تدعونا إلى نبذ القلق و التفكير بالحاضر فقط بلا حزن على ماضٍ ولا قلق من مستقبل، وكانت القصيدة في قالب أدبي ممتع، وأكمل الرجل قائلاً إنّه ومن حينها كانت هذه القصيدة حياتي وأصبحت أنا وزوجتي وبعض أصدقائنا نستخدم عبارة (تذكر مكعب الثلج) كأداة تذكير لنا لتجاوز القلق والتوتر وقد كانت و سيلة ناجحة للغاية، جعلت من حياتي وحياة من حولي أفضل، ثم جاءني عرض للعمل بالإمارات فقبلته، وفي بالي أنها بلد الشاعر صاحب قصيدة (مكعب الثلج) وودعتني زوجتي وهي تقول ممازحة: سلم على الدكتور طلال، فقلت في نفسي: وأين، وكيف يمكن أن أراه., بعد أن وصلت للإمارات بأشهر وقع بيدي ملف لأحد عملاء البنك، فإذا هو الشاعر الدكتور طلال الجنيبي فطلبت مقابلتك للضرورة، لكي أقول لك شكراً، لك دين في عنقي، فلقد غيَّرتْ كلمات قصيدتك حياتي للأفضل. وقد طلب منّي هذا الرجل أن أوقع على صور مهداة له ولزوجته حتى تصدق وأن أكتب عليها «من صاحب مكعب الثلج الذي تغيرت حياته»، وقد كانت هذه من أغرب ما مر عليَّ من مواقف وأشعرتني بقوة الكلمة وتأثيرها على الآخرين، وأن الكلمة أمانة ومسؤولية ولا تدري أين ومتى وكيف ستؤثر؛ فها هي (قصيدة مكعب الثلج) التي كتبها شاعر في الإمارات يقرأها هذا الخبير المالي بنيوزلندا في بلد وقارة بعيدة، فتتغير حياته للأفضل ويستقر به المطاف بالإمارات، فما أغرب الحياة وما أكبر مسؤولية الكلمة، و(مكعب الثلج) أكبر شاهد.

الشعر في حقيقته هو ديوان العرب الذي حمل على كاهله إرث هذه الثقافة الغنية بملامحها وألوانها وأطيافها وتمكّن عبر مئات السنين من التعبير عن قضايا الأمة وهمومها وكان ولا يزال مساحة تنفس هامة لهذه الأمة حتى تتمكن من إيجاد ما فقدته من ملامح هويتها وإعادة ترميم ما فقدته عبر صراع الحضارات الذي لم تحقق فيه الكثير مؤخراً رغم أنها حملت مشعله سنوات طويلة وكانت نبراساً للفكر والانفتاح للعالم وعلى العالم بصورة جعلت من هذه الأمة قدوةً حضاريةً نتمنى أن تسترجع هذه المكانة عبر أدوات الفكر والإبداع، والشعر يقف في طليعة هذه الأدوات لما يشكله من عنصر عضوي في جسد الثقافة العربية.