توشك المهلة الزمنية لموعد بدء تطبيق مذكرة سوتشي التي اتفق عليها الرئيسان التركي أردوغان والروسي بوتين، ووقّعَ عليها وزيرا دفاع البلدين على النفاذ بعد عدة أيام، ولا يمكن انجاز ما اتفق عليه يصورة كاملة خلال المدة المتبقية، لكن عامل الزمن ليس الإشكال الوحيد الذي يدعو إلى القلق حول مصير اتفاق»سوتشي»، إذ يمكن التغلب عليه بتمديد المهلة الزمنية، فالمشكلة الرئيسية تكمن في غموض يعض بنود مذكرة التفاهم ذاتها، وفي عدم تحديد آليات ووسائل تطبيق بنود هذه المذكرة، فقد برزت خلافات بين الطرفين الروسي والتركي على تفسيرها وتأويلها، فضلا عن اختلاف التفسيرات بين المعارضة السورية والنظام السوري.

لا جدال أن اتفاق»سوتشي»حول محافظة إدلب أبعد عنها شبح حرب كارثية كانت وشيكة بعد فشل القمة الثلاثية في طهران بين أردوغان، وبوتين وروحاني، لكن شبح الحرب من نوع مختلف،حيث اختزلت المشكلة في سوريا عموما وإدلب خصوصا بـمعضلة»الجهاديين» عموما والجماعات الجهادية المصنفة كمنظمات إرهابية، وفي مقدمتها سلالات القاعدة وجبهة النصرة والمقاتلين الأجانب، فالمعركة المرتقبة في إدلب أخذت منحى مختلفا، بكلفة أقل وإخراج مغاير، لكنها واقعة لا محالة ضد الجماعات الجهادية وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام النصرة سابقا، والمقاتلين «الصينيين»من» الحزب الإسلامي التركستاني»والأذريين والطاجيك، والفصائل القريبة من القاعدة من تنظيم «حراس الدين».

ينص اتفاق»سوتشي» بشأن إدلب الموقع في 17 ايلول الماضي، على إنشاء منطقة آمنة ستكون ما بين 15 و25 كيلومتراً، على الحدود الفاصلة بين إدلب ومناطق النظام السوري، وستكون خالية من السلاح الثقيل، مع بقاء المعارضة فيها واحتفاظها بالسلاح الخفيف، وطرد المتطرفين من المنطقة، فضلاً عن فتح الطريقين الدوليين حلب–حماة، وحلب–اللاذقية، قبل نهاية العام الحالي.

بدأت الإشكاليات التفسيرية لبنود اتفاق»سوتشي»تظهر بين موسكو وأنقرة حول خريطة المنطقة العازلة التي يفترض أن تتراوح بين 15 و20 كم، فموسكو تصر على كونها تقع في عمق مناطق سيطرة المعارضة فقط، بينما تقول إنها تشمل جانبي خطوط التماس، وترغب موسكو بعودة سيطرة النظام على طريقي حلب-حماة وحلب-اللاذقية الدوليين، في حين تريد أنقرة أن تكون الطرقات الدولية تحت إشراف مشترك تركي روسي، وتبرز خلافات عدبدة تتعلق بتحديد مصير الجماعات الجهادية،وطرائق التعامل معها، إذ تنظر موسكو إبى الاتفاق باعتباره مرحليا مؤقتاً على غرار اتفاقات خفض التصعيد السابقة حسب اتفاقات»أستانا»، بينما تريده أنقرة نهائيا ودائماً بانتظار الحل السياسي النهائي للمسألة السورية.

تدرك روسيا وتركيا منذ التوقيع على اتفاق»سوتشي»استحالة تفكيك الحركات»الجهادية»المصنفة كمنظمات إرهابية خلال المهلة المقررة فهيئة تحرير الشام والجماعات الجهادية الأخرى لن تسلم سلاحها مع حلول منتصف أكتوبر الجاري، كمهلة نهائية كما نص اتفاق سوتشي، لكنها مهلة تسمح بممارسة مزيد من الضغوطات لتفكيك أكبر قدر ممكن من قدرة الحركات الجهادية (الإرهابية)، فهي لا تعدو عن كونها إجراءات»مرحلية» سوف تنتهي بالمواجهة العسكرية، وقد وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اتفاق الجيشين التركي والروسي على حدود المنطقة المنزوعة السلاح في إدلب، تنفيذاً لاتفاق سوتشي بـ»المرحلي»، وأكد أن الاتفاق «موجه قبل كل شيء لاجتثاث التهديد الإرهابي، وهو دون شك خطوة مرحلية لأنه يتم إنشاء منطقة منزوعة السلاح فقط لا غير»، وشدد لافروف على ضرورة انسحاب جبهة النصرة من المنطقة منزوعة السلاح، فضلاً عن تجريدها من الأسلحة الثقيلة، بحلول منتصف تشرين الأول القادم.

شهدت الأيام الماضية حالة من التصعيد والتوتر في منطقة شمال سورية تضمنت صدامات عسكرية مسلحة، بعدما انتزع تنظيم»هيئة تحرير الشام»، بلدة في ريف حلب الغربي، من أكبر تجمّع عسكري للمعارضة؛ وذلك قبيل أيام من بدء تنفيذ الاتفاق التركي الروسي بشأن إدلب، والذي شرعت المعارضة السورية بالفعل بتنفيذه اليوم، عبر سحب سلاحها الثقيل، وقد انتزعت»هيئة تحرير الشام»، التي تشكّل»جبهة النصرة»ثقلها الرئيسي، السبت الماضي بلدة ميزناز في ريف حلب الغربي شمالي سورية، من»الجبهة الوطنية للتحرير»، بعد مواجهات بين الطرفين استمرت لساعات، وشن مسلحو تنظيم»حراس الدين» هجوما صاروخيا عنيفا على مواقع الجيش السوري في محيط مدينة صوران قرب الحدود الإدارية المشتركة لمحافظتي حماة وإدلب.

تشير التطورات المتلاحقة إلى بروز مزيد من الخلافات حل تفسيرات بنود»سوتشي»، ورغم عدم إصدار هيئة تحرير الشام، الفصيل الكبير الذي تشكل جبهة النصرة نواته الصلبة بيانا رسميا حول اتفاق سوتشي، إلا أن الصدامات العسكرية الأخيرة مع المعارضة المسلحة توضح موقف النصرة بوضوح برفضها للاتفاق، في الوقت الذي عبرت فيه فصائل جهادية عديدة موقفها الرافض للاتفاق، مثل حراس الدين وجبهة أنصار الدين والحزب التركستاني، رفضها الكامل للاتفاق، بالإضافة إلى رفض فصائل معارضة لا تحمل توجهات سلفية أو جهادية سحب سلاحها الثقيل من المنطقة العازلة، مثل جيش العزة المتواجد في ريف حماة الشمالي.

في هذا السياق ظهرت تسريبات تتحدث عن اجتماع تركي مع فصائل إدلب، أبلغ فيه المسؤولون الأتراك ممثلي الفصائل بضرورة سحب سلاحهم الثقيل إلى مسافة أكثر من عشرين كيلومتراً إلى عمق إدلب بعيداً عن خطوط التماس، وأبلغتهم بأن الدوريات المشتركة الروسية التركية ستجوب المنطقة العازلة وسيكون لها حق تفتيش مواقع الفصائل للتأكد من خلوها من الأسلحة الثقيلة والعناصر الجهادية، وهو ما رفضته فصائل المعارضة كلياً وفق التسريبات التي تناقلتها وسائل إعلام كثيرة، فف بيان أصدرته الجبهة الوطنية للتحرير، وقالت فيه إنها ترفض الوجود الروسي في المنطقة العازلة ضمن مناطق سيطرة فصائل المعارضة، ذلك بعد أن كانت قد أعلنت ترحيبها سابقاً باتفاق سوتشي، واعتبرته نصراً للمعارضة والدبلوماسية التركية.

رغم هذه التوترات وما رافقها من شكوك بقدرة أنقرة على الإمساك بالوضع على الأرض، بالتزامن مع تصريحات روسية وأخرى صادرة عن مسؤولين في نظام الأسد، تقول إن إدلب ستعود عاجلاً أم آجلاً إلى سيطرة النظام، أدت إلى إعطاء انطباع بأن الاتفاق برمته على وشك الانهيار، إلا أن الرئيس الروسي أبدى تفائله بصمود الاتفاق، خلال مؤتمر صحفي عقده مع مستشار النمسا في سان بطرسبرغ، بأن أنقرة «تقوم بتطبيق التزاماتها الخاصة بتسوية الوضع»، لكن ذلك لا يمكن أن يخفي التناقضات بين أنقرة وموسكو بانتظار مرونة أكبر من كلا الطرفين.

خلاضة القول إن اتفاق»سوتشي»حقق مكاسبا لتركيا وروسيا بصورة لا لبس فيها في معركة النفوذ مع أميركا والدول الأوروبية، وهو خطوة على طريق السلام الشاق في سوريا، لكنه لن يؤدي إلى إنهاء خطر معركة إدلب بالكامل، وإنما عمل على التأسيس لحرب أقل كلفة سياسيا وماديا وبشريا، ولا يجرؤ أحد على التصريح بماهضتها دوليا وإقليميا ومحليا تحت شعار»حرب الإرهاب»، حيث تختزل معضلة إدلب خصوصا والشمال عموما بالحركات الجهادية المصنفة كمنظمات إرهابية، ويبقى السؤال حول سيناريوهات المعركة المقبلة مفتوحا، ورهنا بحسابات معقدة لهذه الحركات، وقدرتها على التعامل مع التصعيد المتدرج، وخيارات الصفقة أو المواجهة.

hasanabuhanya@hotmail.com