عمان - ناجح حسن

تستمد لوحات المعرض التشكيلي المعنون «الحروف في حركة» للفنان التشكيلي الجزائري حمزة بونوة، الذي رعت حفل افتتاحه سمو الأميرة رحمة بنت الحسن في جاليري وادي فينان بجبل عمان أول أمس السبت من تكوينات الحرف العربي وجمالياته التعبيرية.

جسدت لوحات المعرض الذي حضرته سمو الأميرة وجدان الهاشمي، مكوّنات لكائنات رشيقة، بدت وكأنها هاطلة من فضاءات الكون الخارجي، برعت في صوغها ريشة بونوة في ما يشبه ترانيم الموسيقى الشفيفة العذبة، وهي تغوص في دواخل المتلقي بسلاسة وافتتان.

تنهض محتويات المعرض على إيقاعات وتمظهرات حروفية الخط العربي، لتنفذ منها صوب فضاءات المدى اللامتناهي المفتون بالألغاز وسحر المعاني والدلالات.

يتكئ اشتغال بونوة في لوحاته على قراءة فلسفية عميقة للطبيعة الكونية ولدواخل الذات البشرية في لجة من الظواهر والتفاصيل التي تدور حول المعرفة والمخيلة الرحبة للمبدع واختياراته في تمسك متين بأسلوبية فطنة تؤشر على هوية تنهل من مكونات بيئته المحلية، ومن موروثه العربي الأصيل.

تمتلك لوحات الرسام بونوة سماتها الحداثية المتحررة كأنما يجري التقاطها عبر وقائع حقيقية في إحساس بديع يعانق العالمية، حين استطاع أن يمتلك ناصية التأثير على ذائقة الآخر وجذبه برهافة المتعة البصرية إلى رؤيته ورسالته الإنسانية النبيلة.

وتكمن فرادة المعرض في أن ريشة الرسام بونوة تقطف موضوعاته من الحروفية العربية في نأي عن جماليات الخط العربي السائدة لدى أقرانه من الفنانين، فالخط هنا يتوارى بين ثنايا الأشكال الهلامية كأنها في هيئة حراك دائم تجوب فضاءات كونية مزدحمة بالنجوم والأشكال، ثم ينتقل إلى لوحات أخرى تغرف من البدايات الأولى، تحضر فيها الطبيعة بسائر مكونات مفرداتها لتصل إلى إيقاعات هامسة متمهلة لا تلبث أن تتصاعد بسحرها الغامض، وتتفجر بفعل إلماعات ريشته في تصاوير متن من الحكايات الدافئة على دفتي الاشتغال بين التقنيات المعاصرة لتجسد مزيجا راقيا من البهجة وعوالم من الروحانيات وقصص الأساطير والأشباح والخرافات، وصولا إلى محاولة سبر غور أسرار هذا الكون الفسيح واختراق غموض دفائنه.

يوظف بونوة المولود في الجزائر العام 1979، جملة من المواد الأولية في لوحاته المتباينة الأحجام منها: ألوان الزيت والقماش والكارتون والزجاج والبلاستيك، وعادة ما يلجأ في بعض اللوحات لإدخال مواد متعددة على اللوحة بطريقة الكولاج، مما يمنح العمل حياة يكتنفها الصفاء اللوني وندرة الشكل في رحلة بحث دؤوبة عن جوهرالأشياء وتحولها إلى آهات وأوجاع دفائن الماضي تثير بفتنة ودهشة الخطوط والألوان أسئلة الواقع المعاصر.

يتبوأ الفنان بونوة مكانة لائقة على خريطة الإبداع التشكيلي العربي والعالمي، احتفى بإبداعاته التشكيلية واقتنى نماذج منها الكثير من المراكز والصالونات وجاليرهات وصالونات ثقافة الفن التشكيلي المرموقة الموزعة بأرجاء العالم، وبات كل معرض من اشتغالاته يشكل حدثا فنيا مليء بمظاهر الاعجاب والجدل من قبل النقاد والحضور، وذلك لما يخلفه من أثر وقيمة في ذاكرة المتلقي وعشاق هذا الحقل الإبداعي من الفنون.