د أمينة الحطاب

كم من آمال وطموحات غرسها في نفوسنا معلم نبيه؟ كم من علم وفن أحببناه بسبب ذلك المعلم الملهم؟ كم مرة أحبطتنا ظروف الحياة فلمحنا معلم واع أخذ بيدنا نحو بر الأمان؟ كم من مبدع وموهوب كانت بدايته كلمة وقرت في قلبه من معلم مخلص؟ كم من طالب ضل الطريق فأشفق عليه معلمه ونفض عنه غبار الضياع وهداه إلى بر الأمان؟ كم من متعثر شارد الذهن ضاقت عليه الأرض بما رحبت لملم فكره وجمع شتاته معلم إنسان؟ كم من متعفف انزوى عن زملائه يستحي من ملابسه وأدواته وطعامه ويكتم حاجة في صدره طرقت بابه في جنح الظلام يد معلم بيضاء؟ كم من معلم ترك وطبع في نفوس طلبته خلقا جميلا وعلما مفيدا وفكرا نيرا على مدى السنين؟ كم وكم وكم ... وما شهدنا إلا بما علمنا وسمعنا وشاهدنا وعاصرنا من أسرارٍ تدور بين أروقة المدارس والجامعات؛ صروح وميادين إنسانية قبل أن تكون أكاديمية بها يترجم الخلق النبيل والعلم النافع وبهما تتحقق رسالة التعليم.

صادف يوم الجمعة - الخامس من تشرين الأول - مناسبة الاحتفاء بيوم المعلم العالمي، الذي بدأت منظمة اليونيسكو الاحتفال به منذ عام 1994 احتفاء بتوقيع معاهدة حقوق المعلم بينها وبين منظمة العمال العالمية.

المعلم الذي نتحدث عنه اليوم هو من يغرس في نفوس طلبته الحلم ويحي الأمل ويضيء شمعة لا يمكن أن تطفئها صعوبات الحياة، هو من تتعدى أهدافه حدود الصف مكانا وحدود السنة الدراسية زمانا، هو الحريص على أن يوقد همة طلبته ليكون أثره ممتدا حتى بعد انتقالهم من صفه إلى الصفوف الأخرى. هو المعلم الملهم والمؤثر والمحب والمحفز والانسان، العظماء فقط من معلمينا هم الذين أثروا فينا، وصنعوا منا أناسًا مختلفين، ونحب أن نتذكرهم ليس فقط في يومهم العالمي بل في كل الأيام .

يعد المعلم ركيزة أساسية من ركائز العملية التربوية، بل هو عصب العملية التربوية ومحورها الأساسي والعنصر الفاعل فيها وإن أي إصلاح أو تطوير أو تجديد في العملية التربوية يجب أن يبدأ بالمعلم، إذ لا تربية جيدة بدون معلم جيد. غير أن المعلم في عصر المعلومات لم يعد يشكل المصدر الوحيد للمعرفة، إذ تعددت مصادر المعرفة وطرق الحصول عليها، وأضحى دور المعلم وسيطاً ومسهلاً بين الطلبة ومصادر المعرفة وأصبح موجهاً ومرشداً لهم أكثر منه ملقناً ومصدراً وحيداً للمعرفة.

تتفق آراء المربين وصانعو القرارات التربوية مع نتائج البحوث التربوية الحديثة على أن نجاح المؤسسة التربوية في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات_ الذي يتسم بتضخم المعرفة وتنوع مصادرها وطرق اكتسابها ووسائط تعلمها – يتوقف بالدرجة الأولى على نجاحها في إحداث نقلة نوعية في إعداد المعلم وإعادة تأهيله كي يتعامل مع تكنولوجيا عصر المعلومات دون رهبة أو خوف أو توجس.

وعليه أصبح من مهام المعلم الأساسية تدريب الطلبة على طرق الحصول على المعرفة لا تلقينهم إياها وذلك بالاعتماد على جهدهم الذاتي، وبالاستعانة بمختلف الوسائل والتقنيات الضرورية لذلك. إذ أن المعلم الجيد هو الذي يعمل على تنمية قدرات الطلبة ومهاراتهم عن طريق تنظيم العملية التعلمية التعليمية وضبط مسارها التفاعلي ومعرفة حاجات الطلبة وقدراتهم واتجاهاتهم وطرائق تفكيرهم وتعلمهم، إنه مرشدهم إلى مصادر المعرفة وطرق التعلم الذاتي التي تمكنهم من متابعة تعلمهم وتجديد معارفهم باستمرار.

ومن أهم الخصائص التي يجب أن تتوفر في المعلم الجيد المعرفة الجيدة بمحتوى موضوع التخصص، والدراسة الجيدة بخصائص المتعلمين وقدراتهم ونفسياتهم، ومهارة عالية في أساليب التدريس والتقييم، وقدرة عالية على التفاعل مع الطلبة، والاستعداد للتنمية المهنية المستدامة، وإجادة استخدام الحاسوب وتقنيات التعليم المختلفة، وكذلك الالتزام بقواعد المهنة الأخلاقية، والاستعداد لخدمة المجتمع المحلي والتواصل معه، والقدرة على إجراء البحوث العلمية.

إن التطور المذهل الذي يشهده العالم في كافة مناحي الحياة وخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يستدعي أن تواكب المؤسسات التربوية هذا التطور وذلك بإعداد المعلمين وتأهيلهم مهنياً وتربوياً وعلمياً ومسلكياً، باعتبارهم محور العملية التربوية وأداة نجاحها. وأن نوعية التعليم ومدى تحقيق الأهداف التربوية والارتقاء بمستوى أداء الطلبة، رهن بمستوى أداء المعلم وبمقدار الفعالية والكفاءة التي يتصف بها في أداء رسالته، الأمر الذي جعل الدول على اختلاف فلسفاتها وأهدافها تولي الارتقاء بمستوى أداء المعلم جلّ اهتمامها وعنايتها. ومجمل القول إن المعلم مطلوب منه القيام بأدوار متعددة، كإدارة الصف، وعرض المحتوى التعليمي لمادته بصورة جيدة، والبحث عن المعرفة، وتشخيص المشكلات ووضع الحلول المناسبة لها. ومع تنوع هذه الأدوار أصبحت مهمة المعلم صعبة وشائكة، مما استلزم تنميته باستمرار وتزويده بالمهارات والمعارف المتجددة، ولا يأتي ذلك إلا بالإعداد الجيد المستدام.

علاوة عما سبق تتطلب تربية عصر المعلومات، التي تتسم بتضخم المعرفة وتنوع مصادرها وطرق اكتسابها ووسائط تعلمها إعداداً خاصاً للمعلم، ينمي لديه نزعة التعلّم ذاتياً. إذ أصبح المعلم بحاجة إلى تنمية مهاراته وقدراته ومعارفه، بالإضافة إلى إلمامه إلماماً جيداً بالتقنيات الحديثة وبمناهج التفكير وبأسس نظرية المعرفة، وبمهارة إدارة الصف، لأنه فقد سلطة احتكار المعرفة، وتغيّر دوره من كونه مجرد ناقل للمعرفة إلى كونه مشاركاً وموجهاً يقدم لطلبته يد العون لإرشادهم إلى مصدر المعلومات، أي أن مهمة المعلم أصبحت مزيجاً من مهام المربي والقائد والمدير والناقد والمستشار. لقد أصبح المعلم مصمماً للبرامج التربوية ومخططاً وموجهًا للسلوك، وضابطاً لبيئة التعلم، ومتخصصاً في الوسائل التعليمية من حيث استخدامها وصيانتها، وعارفاً بمصادرها، وباحثاً مجدداً، ومقوماً للنتائج التعليمية، والأهم من كل ذلك تمكينه من التعامل مع معطيات التكنولوجيا المعاصرة وتسخيرها لخدمة العملية التربوية.

كما تتيح الشبكات الحاسوبية وتكنولوجيا المعلومات فرصاً عدة لتأهيل المعلمين بما توفره من مناهج مبرمجة، ومراكز تدريب، ونظم لتأليف المناهج، علاوة على تبادل الخبرات مع أقرانهم داخلياً وخارجياً عبر حلقات النقاش والحوار الإلكتروني المباشر، وجماعات الاهتمام المشترك التي تزخر بها هذه الشبكات

يؤكد باولو فيراري - المثقف البرازيلي الذي انحدر من أسرة فقيرة، ثم اضطر لترك بلاده أثناء الحكم العسكري بعد سجنه تحت مسمى (مناهضة الحكم) ليعود لاحقًا إليها مكرَّمًا ومعززًا ووزيرًا للتعليم - على فلسفة تسمى التحرير القائمة على تأكيد التدريس بالوعي والتبادل المعرفي بين المعلم والطالب، ورفض أساليب التعليم البنكية التي تفترض أن عقل الطالب مجرد حساب بنكي، تختزن فيه المعلومات، ويتم استدعاؤها لحظة الاختبار، بل يؤكد منهجه على تفاعل إنساني بين المعلم والطالب في بيئة نابضة بالحب والاهتمام، تولد الإبداع في الطالب بعقل واعٍ بما حوله من متغيرات، ويحققها المعلم عبر وسائل عديدة، أهمها - كما يرى فيراري - الحوار بين المعلم والطلاب الذي لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا إذا تم في جو من الحب والإخلاص؛ إذ يقول: (الحوار لا يمكن أن يتم إلا في جو من الحب والشعور بالأمان. الحب موقف شجاع، لا يحفل بالخوف، ويعترف بحق الآخرين في الحياة، وهكذا إذا لم أستطع أن أحب العالم والحياة والناس فلن أقيم مع أي أحد أي نوع من الحوار أو التعلم، بل تصبح أي كلمات يلقيها المعلم في فضاء الصف الدراسي مثل فقاعات فارغة، لا تترك في عقل الطالب أثرًا).

مستشارة تربوية

Ameeneh@live.com