دكتور كميل موسى فرام

يحمل الطبيب رسالة ربانية وانسانية تتعدى حدود التصور بمساحة من الثقة يصعب العبث بمفاصلها، فمهنة الطب عبر التاريخ تتطور بما يخدم المرفق الصحي للبشرية، وبالرغم من التطور التكنولوجي الذي رافق معطيات هذا المفصل الانساني، ألا أن العنصر البشري يبقى الأساس لأداء المهمة بشكلها الصحيح، فالرهان على المستقبل بدور أساسي في الخطة العلاجية للأمراض اعتمادا على برمجيات الحواسيب كما يعتقد نخبة من المتفائلين يمثل شكلا من أشكال القفز على حواجز المستحيل أو السباحة في جليد القطب، خصوصا أن الاصابة باالأمراض ومضاعفاتها هي واحدة من المحطات العمرية التي تستحق الوقوف على أركانها باعتبارها مرحلة الشكوى والحرمان، تُبذل فيها جهود شفائية بهدف تحجيمها لأنها لحظات الضعف التي تقهر الكبرياء والقوة ولا تعترف بمركز مادي أو سياسي أو اجتماعي،

فيقيننا بعدم واقعية وجود مناعة من الاصابة المرضية لأي إنسان على الكوكب البشري، فالمرض بأصنافه لا يعترف بالطبقات الاجتماعية أو بالملاءة المالية، فكم من العظماء قد رحلوا بسبب المرض عندما عجزت أموالهم عن توفير مظلة الشفاء خصوصا بالابحار المتأخر عبر قارب الشفاء على حساب الورثة، كما أن توالد الجديد من أصناف الأمراض عبر مدار الساعة يشكل التحدي الأكبر للدستور الصحي للفرد والمجتمع، فكم فرحنا بإكتشاف علاج لمرض فتاك يقابله على النقيض ولادة مرض آخر بشكل مختلف، وكم سعدنا بالقضاء على أمراض شكلت بمفعولها سيفا نازفاً في قلب البشرية لندمع حزنا على ولادة مرض فتاك آخر يحرمنا من نشوة الحرية، حرب مستعرة على التضاريس الصحية للانسان، تستنزف الجهد والمال، وتجعل معامل الأبحاث التي تدار بواسطة العقل البشري بجهود تصهر المستحيل لتترجمه لواقع، حكاية عرفنا بداياتها ويصعب تحديد نهايتها، فجعلت من المتفوقين سنويا جنوداً متطوعين للمهنة عبر مسافات الزمن والأجيال.

المرض بتعبيره المطلق يجعل من العلاقة بين المريض والطبيب علاقة توأمة ومصير، بواقع لا يمكن تجاهله، ويمكننا تلخيص هذه العلاقة بأنها اتفاقية ثقة مطلقة أو هكذا يجب أن تكون يمنحها المريض للطبيب وتجدد تلقائيا بهدف توفير مناخ البعد عن الشكوى والأنين، فالمريض يبحث عن الشفاء بعد دخول عربة العمر بمحطات الزلازل الصحية التي تهدد الاستقرار الصحي وتنذر بتحديد سقف الطموح بينما نجد الطبيب وقد تسلح بمهارات طبية عبر سنوات الدراسة الطويلة توظف لشفاء المريض، رحلة استنزفت قدراته ووقته وإمكاناته بل إغتالت سنوات الشباب التي تسطر لوحات المتعة والاسترخاء، معادلة يمكننا تصورها بنتيجة حتمية مطلقة لاستمرارية الحياة بعملة قد نُقش على وجهها الأول صورة المريض الذي يشكو ويئن ويتمنى الشفاء، بينما يمثل الوجه الآخر أيقونة الطبيب العلاجية، لنخلص إلى القول إن معادلة الشفاء والتخلص من المرض تمثل ديمومة العلاقة الالزامية بين وجهي العملة، فالمريض بدون الطبيب سيدخل في مربع العطف والتهديد والحرمان والعذاب بزوايا وأحاجي الألم والنزف بينما الطبيب بدون المريض سيبخر مكتسبات الشقاء بشمس الفراغ القاتل.

ثقة المريض بالطبيب تمثل مرآة صافية بدرجة التكامل للعلامة الكاملة لا يمكن تجزئتها، حيث يمكن للمريض أن يشاهد نفسه على الواقع بكل أبعاده، وخدش العلاقة أو اهتزاز الثقة يشكل بواقعه شرخاً مؤذيا لصفاء الصورة التي قد تكبر أو تصغر أو تتغير بنقوشها نتيجة لخلل تغذية الاستمرارية بالثقة، حيث أن المرض بحد ذاته يمثل التهديد الواقعي للصفحة الصحية للفرد وهي المرحلة الأساسية عبر سنوات العمر، ليجعل منه ومن سلوكه أنموذجا بسماع النصيحة التي من شأنها إبعاد قارب الحياة عن أمواج الألم والضعف، والعلاقة بصورتها المتداولة تعتبر تبادلية بقاسم مشترك للشفاء، ولكن الزاوية الواقعية تتمثل بضرورة امتثال المريض لنصائح الطبيب والتي تهدف أساسا للشفاء، تتطلب أحيانا تضحيات بدرجات مختلفة وتكلفة مادية لحدث غير متوقع يحتل أولوية بالتعامل كالامتناع عن التدخين أو ممارسة برامج غذائية مثلاً. ولا يمكن للطبيب أن ينجح بشفاء المريض، بدون الحصول على تصريح ثقة وقناعة بالشفاء، فاحترام شخصية المريض وخصوصيته والاصغاء لشكواه، سيمكنان الطبيب من اجتياز فحص الثقة الثاني مؤشرا على حسن الاختيار، كما أن تواضع الطبيب بمخاطبة المريض بدرجة التساوي في محور الانسانية بأساس الحرص على سرية المرض يمثل وأداً لأحد هواجس المريض عندما قرر البحث عن الشخص المناسب للشفاء، فأسلوب الحديث وتوضيح المعلومات المتعلقة بلغة حوار متبادلة وواضحة للطرفين سيمكن الطبيب من زراعة شتلات الاطمئنان بحديقة المريض يرويها الطبيب عندما يروي بلغته وفعله على المريض كرسول للشفاء، حيث أن اكتساب ثقة المريض ورضاه يشكل خطوة الشفاء الأولى في سلم العلاج.

لبناء هذه الثقة، هناك الالتزام الذي يقع على عاتق الطبيب ويتمثل بديهيا ببذل الجهود الصادقة وتسخير المهارات الطبية والاصول العلمية بحدود المعرفة التي تمنع الفتوى أو الاجتهاد بهدف شفاء المريض وتحسين حالته الصحية خصوصا أن التقدم العلمي والتكنولوجي إضافة لتوالد الاختصاصات الفرعية ونتائج الأبحاث العلمية التي تحارب المرض بكل أصنافه لتحجمه قد سمحت جميعها بعدم احتكار وسائل العلاج خصوصا أن تقديم الخدمة العلاجية تكون اساسا بمبادرة من المريض الذي يبحث عن الشفاء من مرضه فيحضر لعيادة الطبيب أو المستشفى، بعد أن يكون قد تجول بالسوق الطبي الشاسع الأبعاد، لتبدأ الزيارة الأولى بتدوين السيرة المرضية بعد تثبيت المعلومات الشخصية، ثم تحليل هذه الأعراض بما يتناسب والشكوى المرضية لحصر التشخيص في الحالات المرضية المتشابهة، يليه الفحص السريري اللازم ولمنطقة الشكوى المرضية بالتحديد، قد يقرر بعدها إجراء بعض الاجراءات التشخيصية المساندة، قبل أن يقرر التشخيص الأقرب أو يقرر بعض الفحوصات المخبرية والتصويرية ليتمكن من تحديد التشخيص، أو قد يقرر الاستئناس برأي زميل آخر من نفس الاختصاص أو اختصاص متداخل للتعاون على كشف اللغز المرضي وبالتالي اقتراح الخطة العلاجية المناسبة التي تتراوح بين مرحلة العلاج الانتظاري وإعادة التقييم أو تناول بعض العقاقير العلاجية أو إقتراح الشق الجراحي وغيرها من الخيارات الشفائية والتي تتركز أساسا على تشخيص المرض الدقيق بهدف الشفاء. في جميع هذه المراحل، المريض يراقب وينفذ التعليمات بدافع الثقة والأمل بالشفاء، وسينعكس مفهوم هذا التصرف على بناء جسر الثقة بين الطرفين بتقوية جدرانه للحماية من زوابع الدهر وبراكين الزمن، بمعادلة بسيطة فواحد قد استعاد عافيته وفلتر صحته بصرف جزء من مدخراته، بينما الآخر حقق طموحه ووظف مهاراته بصورة تكاملية لشفاء المحتاج بمردود مادي مستحق ومتوازٍ مقارنة بالجهد والنتيجة، وأي خلل بأركان هذه المعادلة لا يمكن المراهنة على تعويضه عبر الزمن الذي يكفل لنا العديد من الأحلام والآمال بدون جهد.

إن بناء جسر الثقة يحتاج لموازنة مادية ومعنوية يكون الطبيب فيها عنصرا مؤثراً بعد أن جهد بتمحيص مفردات العلم وصرف من سنوات العمر الذهبية ليصقل مهارات طبية اكتسبها عبر الانخراط بتجارب الخبرة المتكاملة تُبنى بمراحل متوالية وُتوظف بلحظة الضعف الكبرى بحياة الفرد عندما يهاجمه المرض ويهدد حياته، مرحلة تلزم المريض بخيار وحيد لصرف جزء من رصيده المادي استحقاقا لمتطلب طارىء، يؤثر نفسيا على البعض خوفا من تأثير ذلك على الرصيد البنكي ونصيب الورثة فيما بعد، أو الدخول بدوامة الانكار خوفا من مواجهة الحقيقة المرة، لكن على المريض أن يدرك ويحلل عنوان الدرس جيداً حتى لا تتطور حالته المرضية وتنتقل للمرحلة المزمنة أو تترك آثارا كارثية بتقييد التصرف أو الحرمان، على أن يتذكر دائما بثانوية الهدف المادي الذي لا يمثل الأساس لبناء قاعدة الثقة بمواصفاتها المثالية التي تضمن الديمومة والبقاء، فالطبيب رسول للشفاء وبلسم سعادة ترسم بُردى الاستقرار على حياة الفرد ويستحق الاصغاء لنصائحه وخبراته التي بناها وتبرع بتوظيفها، يساهم في ذلك انتشار الوعي الصحي والمحافظة على المعطيات الصحية بصورتها المثالية اللذان ساهما بتحسين صورة الطبيب وعلاقته مع المريض بتقدير للجهد المبذول لطرد غيمة التهديد عن أجواء الحياة التي ينشدها، فالمريض عندما يقرر اختيار الطبيب يدرك ويقدر سلفا حجم الجهد الذي بذله الطبيب بناء قواعدة العلمية لتقديم الخدمة مقابل مبلغ مادي مستحق، والدستور الطبي ينظم عبر فقراته مختلف أصناف العلاقة بين الطبيب والمريض، ببنود يغلفها جدار الثقة المتبادلة، بحرص يساعد على اجتياز محنة المرض بكل مفرداته والتكيف مع الفترة الأضعف بحياة الفرد التي تساهم بتعطيل أي من وظائف الجسم على العمل لو أهملت أو عُولجت بشكل غير مناسب أو صحيح من حيث التشخيص و/أو التوقيت، فعامل الزمن والعمر يلعب دورا محوريا بالنتائج، واقع يجعل من محور الشك سببا قاتلاً لافساد العلاقة المقدسة بين الطبيب والمريض ليمطر الأجواء بحبيبات من اليأس تزيد المصاعب وتجفف ينابيع الأمل للحرمان حيث أقسمنا معشر الأطباء على توفير وامتلاك الأحدث من وسائل التشخيص والعلاج، والطبيب على درجة كبيرة من الوعي بأن تصرفات المريض الشخصية أحيانا هي بالتأكيد ارتدادات للزلزال المرضي الذي يلزمه بالخوف من زيارة ابليسية أو يجبره على سلوك طريق ليس بالحسبان، أو استحقاق موعد الانتقال لعالم آخر نجهل ظروفه، أمور تحتاج من الطبيب التحلي بسعة الصدر لامتصاصها بدون اعتبارها حجر عثرة بالخطة العلاجية، فالمريض بداخله يقدر للطبيب عظيم عمله بأمر يتطلب منه الصفح، فأنين المرض أحيانا يعالج بتفريغ شحنات الهموم على الربع المحيطين، والطبيب واحد من هؤلاء بنصيب يتعدى حدود التوقع، فعلى الطبيب ان يكون فى وضع نفسى جيد ومستعد وحسن المظهر ووجه باسم و تبدو عليه الحيوية والنشاط ويرعى المريض ويقدم له الرعاية الطبية الفائقة ويبادله التحية والسلام بتواضع وباسمه والابتسامة تعلو شفتيه والاتصال بالمريض باللغة البسيطة والبعيدة عن التعقيد والحرص والجدية والاهتمام لكسب ثقة المريض التي هي الأساس لقاعدة الثقة التي تضمن الشفاء، فالعلاقة بين الطبيب والمريض هي العمود الاساسي الذي يقوم عليه التشخيص والعلاج والشعور بالشفاء ايضا، ومثل هذه العلاقة تتجلى اهميتها كثيراً في ايامنا هذه لاسباب عديدة اهمها أن معظم أمراض الوقت الحالي السائدة هي نتائج طبيعية لسلوكيات شخصية وغذائية بثوب الأنانية، وتعتبر بواحد من صورها ضريبة الحياة المعاصرة التي بات التوتر النفسي والانفعالات وسيطرة المادة على كل شيء بما في ذلك العلاقات الاجتماعية اضافة للقفز بالمخاطر بهدف الاثراء.

قدسية المهنة ترسخ جودة الحياة، فالكلمة الطيبة التي ينتظر المريض لسماعها من الطبيب تزرع في نفسه وإحساسه ووجدانه أملا؛ هي بشارة الخير، وسيمفونية الخلاص، فالطبيب عبر سنوات الزمن هو الحكيم الذي يترجم ويوظف بحكمته عقود العمر القادمة للمريض فكلنا بحاجة للثقة التي تعيد ترتيب ابجديات حياتنا، فالقادم من الأيام يحمل الينا في أسراره وعبر صفحاته مزيدا من نسمات السعادة التي نستحقها بدون خوف أو قيود وقبل أن أختم أذكر بما بدأت بضرورة المحافظة على أيقونة قدسية العلاقة بين الطبيب والمريض؛ مرآة يصعب ترميم شرخها إن تعرضت لزلازال الشك وللحديث بقية.