عشرات الأخبار المزيفة، الوهمية، المختلقة يتداولها مواطنون، عبر منصات التواصل الاجتماعي والصفحات الشخصية ومجموعات «الواتس اب» والتي تتناسل يوميا بالعشرات، على أنها أخبار حقيقية من مصادر موثوقة في حين تكون في جوهرها، إما أخباراً مفبركة صيغت بهدف خلق الفوضى وبناء حالة من الشك والتوهان لدى المجتمع، وفقدان الثقة بين مكوناته، والاساءة لمؤسساته وأجهزته ورموزه وتاريخه.

ونحن وإن كنا نؤمن بأهمية الاعلام الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي كأداة من أدوات العصر الرقمي، ودورهما في تشكيل الرأي العام في القضايا الوطنية الجامعة وتعزيز الحوار بين مختلف أطيافه، ومساهمتها في كشف بؤر فساد ومواقع خلل وتجاوزات في بعض المفاصل، كما كان لها دورها المشهود في توسيع قاعدة نشر الأخبار وسرعة تداولها، إلا أن هذا لا يعني بأن نسلم بأن من حقها أن تتداول الأخبارالمزيفة دون حسيب أو رقيب أو أن تتحول إلى أدوات للهدم ونشر الفوضى والتشكيك بالمنجزات الوطنية العظيمة والتضحيات الجسام التي بذلت والتي لاينكرها إلا جاحد.

والمؤسف أن حالة تلقف الأخبارالمزيفة دون تثبت، وسرعة بثها وتداولها لدى الغالبية حالة مستشرية، وقد تقمص الجميع دور الصحافي والإعلامي ورجل القانون والطبيب ورجل الأمن وغيره، وأصبح كل صاحب منصة أو صفحة شخصية مؤسسة إعلامية بحد ذاته، ينشر الأخبار العواجل ويتداولها دون تيقن أو تثبت أو تأكد مما يبث، فانتهكت المحرمات واستبيحت الخصوصيات، وتعرضت المؤسسات للخطر والشخصيات العامة للاغتيال المعنوي، حتى بات الأمر يشكل تهديداً على الصعد كافة «الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية وأصبح الأمن الوطني والمجتمعي في دائرة الخطر من الكم الهائل لهذه الأخبار المزيفة والملفقة والتي أربكت العمل وأعاقت التقدم.

والملفت للنظر أن هذا الوباء لم يسلم منه بعض الزملاء ممن امتهنوا الإعلام وقد وقعوا في شرك تناقل ونشر مثل هذه الأخبار الكاذبة وقد أطلقوا العنان لتلك الأخبار دون الالتفات لخطورة ما ينشر ودون التحقق من مصادر تلك الأخبار، فما أن ينشر أحدهم خبراً على صفحته الشخصية أو عبر مجموعة من المجموعات، حتى تجد تلك المعلومات الكاذبة الوهمية، الصادمة المضللة قد تناقلها آلاف الناس على أنها حقيقة لتبدأ بعدها عشرات التعليقات السوداوية والتي لا تستند إلى معلومة حقيقية أو دليل ولا إلى مصدر موثوق.

وتتميز الأخبار الزائفة بأنها مبتكرة أكثر من الأخبار الحقيقية وتثير العواطف، وترتبط بالمفاجأة، كما أن هناك تضخيم منهجي على حساب الحقيقة، وتستخدم المحاكاة الساخرة التي تدغدغ العواطف وتتعمد المغالطات المدروسة، وتجد الأخبار الزائفة رواجاً في أوقات الأزمات، وتُدس لتفتك بالمجتمع، ولتزعزع ترابطه وأمنه واستقراره.

وإذا أستمر الحال على ما هو عليه سيؤثر ذلك حتماً على استقرار المجتمع، وقد تنبهت الشركات العالمية المشغلة لمواقع التواصل الاجتماعي لهذا الخطر المستفحل ولتداول الأخبار المزيفة والتي أوقعت الشعوب والحكومات والمؤسسات في أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، فبدأت بوضع الحلول لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة المستشرية، وذلك لأن بعض تلك الأخبار عزز ثقافة الكراهية والعنف واصدار الأحكام بغير سندٍ أو دليل وبرأيي أن ما يحدث إنما هو جزء من حرب إعلامية نفسية مخطط لها لبث الفرقة والنزاع والشقاق بين أبناء المجتمع الآمن المستقر.

والأمر ليس بحاجة إلى كثير من العناء لنكتشف كم الأخبار الملفقة التي تناولتها الصفحات الشخصية على مدار الأسابيع القليلة الماضية والتي لم تسلم منها مؤسسة من مؤسسات الدولة أو شخصية عامة فالكل متهم والكل لا يمتلك روح المسؤولية بنظر من يفبرك تلك الأخبار وقد وضعنا كافة الشخصيات العامة في قالب واحد وبنظرة انطباعية واحدة وهذا ظلم كبير، فالوطن وإن عانى من مجموعة من أصحاب الضمائر الميتة الذين سطوا على ممتلكاته في غفلة من الزمن، فإنه يزخر بالرجال الأحرار الأشراف أصحاب النفوس الزكية والهمم العالية، ممن يفتدون الوطن بالمهج والأرواح والذين لم تمتد أياديهم لفلس واحد من الأموال العامة وهم يواصلون الليل بالنهار لمنعته وصون كرامته والحفاظ على استقراره وهؤلاء الشرفاء ينتشرون على مساحة الوطن كافة.

ولو حسبنا تكلفتة تلك الأخبار وأثرها على الوطن والمواطن لوجدنا أن التكلفة عالية، وأن ما يصرف من جهد ووقت من قبل المؤسسات العامة، وهم يحاولون تصحيح ما اقترفته يدٌ آثمة عابثة لم تقدر حجم الضرر الذي ستتركه من وراء نشرها لخبر غير صحيح مفبرك بهدف حصد مجموعة من التعليقات والاعجابات لوجدنا أن التكلفة باهظة على الأفراد وعلى الدولة.

والسؤال هنا ما المطلوب لمعالجة هذه الظاهرة؟

مطلوب منا جميعاً مؤسسات وأفراداً أن نتنبه لخطورة تداول الأخبار الكاذبة والاشاعات بل ويحتم علينا الواجب الانساني والوطني منع وصول تلك الأخبار للجمهور من خلال عدم تداولها وزيفها وأهداف من يقف وراءها.

ومطلوب من مؤسسات الدولة أن تفتح أبوابها للإعلام الوطني المسؤول وأن تبادر بإيصال المعلومة بوقتها الصحيح قبل أن يتم تحريفها وتشويهها.

وعلى مؤسسات الإعلام الوطني ونقابة الصحفيين أن تقوم بدورها ومسؤولياتها من خلال تدريب جيل من الصحفيين، تمكنه من امتلاك الأدوات اللازمة للتعامل مع الأخبار وما بات يعرف «بالسوشيال ميديا»، من حيث السرعة والدقة والمهنية، وأن تؤهلهم لمواكبة التطورات الحديثة والمتسارعة في العمل الإعلامي والصحافي بحيث يصبح لديهم القدرة والحس المهني لتقديم الأخبار الصحيحة بسرعة فائقة والتي من خلالها تقضي على الاشاعات.

وعلى مؤسسات الدولة أن تعلم أنه لم يعد هناك مجال لاخفاء المعلومات أو تقديم انصاف الحقائق، لأن هناك دائماً تبرع بايصال المعلومة للإعلام من داخل تلك المؤسسات، فإن تصل المعلومة ضمن قنواتها الشرعية وبصورتها الحقيقية أفضل من أن تصل بطرق ملتوية وعندها يستطيع من تصل إليه استخدامها كيفما يشاء وبما يحقق أهداف

هذه المقالة بالتأكيد لست ضد استعمال منصات التواصل الاجتماعي أو ضد تداول الأخبار إنما ضد من يحاول أن يسيء لنا ولوطننا ولمجتمعاتنا باختلاقه أو نشره للأخبار المزيفة وعلى من ينشرون تلك الأخبار نقول «لا تخربوا بيوتكم بأيديكم» والتزموا بالنهج الرباني حيث يقول جل شأنه «يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين».