أبواب - زياد عساف

” أنا من بلد الشبابيك المجروحة من الحب .. المفتوحة ع الصدفة ” ، بهذا الوصف المُغَنَّى عرَّفت جارة القمر فيروز بنفسها مستعيدة لرمزية الشباك و دلالته المحفزة لإلهام المبدعين بمجال الأدب و الفنون عامة ، ولاسيما الغناء الذي تمثل بروائع الألحان ، تبقى القصة المعبرة المُختَزِله لهذا التصور ما رواه الموسيقار محمد عبد الوهاب لسعد الدين وهبه عن حكاية الشاعر احمد رامي مع الشبابيك من خلال إحدى حلقات برنامج ( النهر الخالد ) ، يقول موسيقار الأجيال أن رامي تهيأ له في أحد الأيام طيف فتاة خلف الشباك أو المشربية ترتدي منديلاً يغطي رأسها ، وفي زمن قياسي وجد نفسه قد هام حباً بها وراح يرقبها من بعيد و يكتب بها أجمل الأشعار ،وفي أحد الأيام اقترب من الشباك ليعرفها عن كثب وكانت المفاجأة أن محبوبته ليست سوى ( قلَّة ) أو إناء فخاري للشرب ، ولم يكن المنديل سوى قطعة القماش التي تُغطى بها القلَّة كما جرت العادة ، ورغم خيبة أمل رامي إلا أن هذه القصائد التي نظمها تغنت ببعضها أم كلثوم وغيرها فيما بعد، ما أثرى أرشيف الغناء العربي و أسعد المستمعين العرب منذ عقود خلت و إلى الاّن .

الحلوة داير شبَّاكها..

حضور الشباك في الأغاني العربية القديمة تحديداً عكس تصوراً للواقع الإجتماعي و الثقافي و الإنساني ، ويبقى الملفت حالة التباين الملموسة بين الأغاني التي تعبر عن لسان حال المرأة و الرجل ، سيكولوجية المرأة و القيود التي فرضها عليها المجتمع منذ مئات السنين يلمسها السامع في أغانيها وما تعكسه من عدم الشعور بالأمان وحالة القلق ،و ما ينجم عنها من إنتظار و سهر و الأمثلة كثيرة هنا ومنها ما عبرت عنه نجاة الصغيرة :

من الشباك وانا خدي على الشباك

انا والشوق وناره الحلو ة بستناك .

وكذلك عبرت شادية عن واقع حالها : م الصبحية وانا في الشباك مستنية .. تهل عليَّا .

أما وصف الرجل لعلاقته مع الشبابيك فلقد اتسم أغلبه بالجرأة التي أورثه إياها مجتمع غلب عليه الطابع الذكوري ، ها هو فريد الأطرش وعلى سبيل المثال يجسد هذه الحالة غير اّبه بالصد و الرفض من الطرف الاّخر :

في مغناطيس بطلعتك

تملي يجذبني لبهاك

تطردني من باب جنتك

تلقاني جتلك من الشباك ! .

ولا يختلف عنه نصري شمس الدين وهو يصرح على الملأ : وقفلي خليني بوس .. شبابيك الحلوه في طرطوس ، وحسب المقولة الشعبية (فضيحة و عليها شهود ) غنى صباح فخري : ومن الشباك لارميلك حالي .. من كتر شوقي عليك ما بنام ، أما الجريء الاّخر محرم فؤاد لا يرى في شباك الحبيبة سوى شجرة الفاكهة المحيطة به و التي حان قطف ثمارها : الحلوة داير شباكها .. شجرة فاكهة ..ولا في البساتين .

فتح الهوى الشباك ..

الهواء كان و لا زال المعادل الموضوعي عن الرغبة بإطلاق عنان المشاعر المخبوءة للمرأة و التعبير الأمثل عن توقها للحرية ، ما يوضح هذه الصورة الإستماع لهذه الأمنية بصوت عايدة الشاعر : افتح لي الشباك يا حبيبي .. أنا احب الهوى ، وعن هوى الشبابيك راحت تشدو سعاد محمد :

فتح الهوى الشباك والنوم طار مني

أمانة بترجاك تبعد هواك عني

من الباب للشباك ..

ثنائية الأبواب و الشبابيك تفرض نفسها أيضاً في الأغنية العربية ، فالشباك يعتبر حالة تمرد على الباب الذي وجِدَ ليكون مغلقاً على الأغلب، و أشبه بحائط صد ،في الوقت نفسه يعتبر عرض حال لمسيرة حياة الناس وعن هذا التصور يقول باشلار :

”حياتنا تاريخ أبواب ، فلو أننا طولبنا بتعداد الأبواب التي أغلقناها والتي فتحناها ، وتلك التي نحاول الوقوف أمامها ، لتوجب علينا أن نسرد حياتنا كاملة ”، إلا أن الأبواب يبقى متاحاً طرقُها من قبل الأهل و الأقارب و حتى مُحَصِّل فواتير الكهرباء ، على عكس النافذة التي تمتاز بحصانة لا تسمح لكل من هب و دب بالوصول اليها لخصوصية مشاعر كل إنسان والتي تجسدها النوافذ في هذه الحالة .

عن ثنائية الأبواب و الشبابيك و ما تولده من حيرة و قلق في نفوس العاشقين تشرح فايزة احمد حالتها : من الباب للشباك .. رايحة و جاية وراك ، محمد قنديل : من أد إيه أنا بستناك .. و عيني ع الباب و الشباك .. عشان أقولك و اترجاك .

ورا الشبابيك ..

وعن الوجه الاّخر للشبابيك عندما تكون واجهة للرصد والرقابة و كبت مشاعر الناس، يقول صلاح جاهين في واحدة من رباعياته التي تغنى بها أكثر من مطرب :

ورا كل شباك ألف عين مفتوحين

وانا وياكي ماشيين يا غرامي الحزين

لو التصقنا ببعض نموت بضربة حجر

ولو افترقنا نموت متحسرين .. عجبي !“ .

تتمثل هذه الرقابة في نوعية بعض الجيران التي تحصي من على الشبابيك كل شاردة وواردة ما يفسد الود بين المحبين ، عن هذا عبرت حورية حسن:

” وحياة حبك ما شبكنا غير شباكُّوا و شباكنا .. و عيون تنده و تشاور وتدوِّب شوقها ببسمة ..وعيون تفهم و تحاور وتسلِّم ويا النسمة ..واخبي الشوق و اداري لا يعرفوا الجيران ! .

” الحشريين ” من جيران محمد فوزي كانت بهم هذه الخصلة ،وهاهو يعبر عن قصته معهم في مقطع من أغنيته (بعد بيتنا ببيت كمان) :

الهوى في شباكه قبلي بس برتحله تملي

أصله نسمة من حبيبي اللي واخد عقلي مني

قلبي حبه و هو عارف بس ليه معرفشي خايف

لا حد يعرف م الجيران .. بعد بيتنا ببيت كمان .

وعلى العكس من ذلك وعلى طريقة : داوها بالتي كانت هي الداء ، كان الشباك هو الملاذ الاّمن لدى فيروز للخروج من رقابة الأهل : إمي نامت ع بكير وسكَّر بيي البوابة .. وانا هربت من الشباك و جيت لعيد العزابه .

شباكنا ستايره حرير ..

النوافذ وردت في كثير من الأغنيات كرمزية التعبير عن التفاوت الطبقي وما يسببه من بعد بين المحبين ،و يحول من التواصل بين العشاق ،وبرز هذا في صور غنائية عديدة ، ومنها محمد رشدي الذي أعياه هذا التحدي : شباكك عالي عن يدِّي .. عالي و كأنه واقف لي تحدي ، راغب علامة : لو شبَّاكك ع شبَّاكي .. كنت بقلك كيف بهواكي .. لكن ويني و إنتي وينك .. في مسافة بيني و بينك و فيروز : بلمح شباكه من بعيد ع الوادي المفتوح .. وتزيد الغصَّة و تزيد بهالقلب المجروح .

الستائر والتي من المفترض أنها حائط الصد خلف النوافذ ،إلا أنها ليست دائماً كذلك خاصة عندما تكون من الحرير الناعم كدلالة لإتاحة الفرصة للتفاوض الذي غايته نهاية الأمر الوصول إلى عش الزوجية ، وأي تعبير عن هذا أجمل من الصورة الغنائية والتي جاءت بصوت شادية : شباكنا ستايره حرير من نسمة شوق بتطير .. وبقالي كتير ياحبيبي يا حبيبي بقالي كتير .. بستنى تجيب الفرحة والثوب الابيض والطرحة .. ونطير زي العصافير .

عصفور الجناين ..

صداقة أزلية بين الشبابيك والطيور التي تحط عليها حاملة معها سلام المحبين و رسائل الشوق لمن ينتظرها بلهفة ، ومنها حكاية العصفور الذي حط على شباك فيروز : جايبلي سلام عصفور الجناين .. جايبلي سلام من عند الحناين .. نفَّض جناحاته ع شباك الدار .. مثل اللي بريشاته مخبِّي اسرار اسرار ، ومع أميمة خليل تطل العصافير من الشبابيك مبشرة بالحرية : عصفور طل من الشباك و قاللي يا نونو .. خبيني عندك خبيني دخلك يا نونو .

الورد على الشبابيك يعبر عن احلام اصحابها التي تنمو شيئاً فشيئاً ، وجاءت هذه الصورة في الكثير من الأغاني العربية ومنها بصوت جارة القمر : دقَّيت طل الورد ع الشباك ، و عبد العزيز محمود بفيلم (شباك حبيبي ) شدا أيضاً بهذه الأغنية : شباك حبيبي يا خشب الورد .. و ياللي الورد يوم ما يلاغيك يضحك سنَّك .

ياما القمر ع الباب..

وعودة إلى (قُلِّة ) أحمد رامي وما ترمز إليه من عطش أنثوي جاء في مضمون أغاني عدة مرتبطة بالشبابيك أيضاً ، و يلمسه المستمع على سبيل المثال في صوت حورية حسن و هي تغني : رصَّة القُلَلْ .. القُلَلْ .. على شكمة البحرية .. لاعبت ظفايري نسمة العصرية ، وفي أغنية (يامَّا القمر ع الباب ) التي قدمتها فايزة أحمد في الخمسينيات وتحكي عن فتاة واقفة على شباك تنتظر فارس أحلامها الموعود ، في هذه الأغنية كانت القُلَّة رمزاً للبوح الأنثوي الذي لايتوافق مع طبيعة بعض البلاد العربية اّنذاك، لدرجة وكما جاء بخبر في صحيفة عربية واستعاد أحد المواقع الألكترونية مؤخراً يفيد بصدور فتوى في الاردن تلك الأيام تمنع بث هذه الأغنية كونها لا تتوافق مع القيم والأخلاق، وكان تحديداً في هذا المقطع من الأغنية:

يامَّا القمر سهران مسكين بقاله زمان ..عينه على بيتنا باين عليه عطشان .. وحد م الجيران وصفله قُلِّتنا .. أسقيه ينولنا ثواب و لَّا أرُدْ الباب ؟! يامَّا ..أمَّا .

شبَّاكين ع النيل عنيكي ..

وما أجمل الصور الغنائية التي راحت تشبه العيون بالشبابيك ، تلك العيون التي تعبر عن الإنسانية بأبهى صورها ومنها بصوت محمد منير: دي عينيك شبابيك .. والدنيا كلها شبابيك، وللنيل الذي لازالت ترنو إليه العيون من على شبابيك الحلم يشدو محمد قنديل :

شباكين ع النيل عنيكي

شباكين طليت في عيني شفت سحر الليل

شفت في العين الشمال ألف عم و ألف خال

شفت في العين اليمين الشاكوش و المسطرين

والمراكب و الحبال و العساكر و النضال

و التعب و العرقانين و العرق والمرتاحين

شباكين ع النيل عنيكي ..! ” .