أبواب –خولة أبو قورة

لا يقوى محمد عمرو (10 سنوات )على مغادرة فراشه منذ شهر تقريبا ،إثر حادث سير تسبب له بكسر ساقه أثناء لعبه بشارع في منطقة الهاشمي مع أصدقائه .

حال «عمرو «لا يختلف عن حال أطفال كثيرين لعبوا في شوارع رئيسية وفرعية لقلة عدد الحدائق العامة في مناطقهم فتعرضوا لمخاطر عديدة أبرزها حوادث السير.

وصرح مصدر رفض ذكر اسمه في وزارة الداخلية «لأبواب –الرأي) :»حوادث دهس الأطفال في الشوارع أدت إلى وفاة 39 طفلا من بين 600 حالة وفاة في مختلف مناطق المملكة عام 2016 ،وإصابة 271 أخرين بإصابات بليغة،و 1699 بإصابات بسيطة «.

ويقول عمرو إنه :» لا يوجد حديقة في منطقتنا،وأمي امرأة عاملة،وأبي يعود إلى المنزل من عمله ليلا،وليس هناك مكان للعب سوى الشارع».

وتشكو الموظفة في قطاع التأمين البحري نجاة منير -وهي أم لأربعة أطفال – من :»عدم قدرتها على منع أبنائها من اللعب في الشارع مع أقرانهم ،فقد باتوا يرفضون البقاء في المنزل ،ويتشاجرون مع بعضهم بسبب الملل «.

ولاحظت «أبواب-الرأي « في جولة داخل احياء عديدة بعمّان بأن :»اطفالا كثر يلعبون كرة القدم في أماكن خطرة ،ودراجون صغار يتسابقون في الشوارع الرئيسية ،طلبا للهو والترفيه دون إكتراث لحركة السيارات «.

ولا يتوقف الأمر عند ما ذكر سالفا ،بل قد يتعداه إلى تعرض الأطفال لسلوكيات غير اخلاقية من كبار ،ويروي الطفل سعيد ابراهيم ( 11 عاما) بأن شابا يركب سيارة تحمل لوحة أجنبية طلب منه أن يريه عورته أثناء لعبه في الشارع فولى هاربا.

في المقابل ،فإن أم عبد الله السعيد تمنع أبنائها من اللعب في الشارع :»خوفا عليهم «. وتقول :» أصبح مجتمعا خليطا من الجنسيات والثقافات «. وتضيف :»نسمع بقصص هتك عرض وتحرش يكون الأطفال فريستها من قبل حارس عمارة أو من أحد المعارف الذين يستدرجونهم».

وتبين بأن :»أولادها يضطرون للجلوس لساعات أمام الشاشات يتابعون مسلسلات الكرتون أو يلعبون ألعابا الكترونية(...).

مخاطر الحدائق

وعلى الرغم من وجود حديقة عامة «أحيانا» في بعض الأحياء ،إلا أن بعض الأهالي يرفضون إرسال ابنائهم إليها،منال مضر – وهي أم لثلاثة أطفال –تمنع أولادها من الذهاب إلى حديقة عامة جوار بيتها في ضاحية الرشيد :»لوجود زعران يدخنون ويضربون الأولاد الآخرين ،ويسيطرون على الملعب ،فضلا عن تحول هذه الحديقة ليلا إلى مكان لممارسة الرذيلة وتناول الكحول».

وتؤكد نائب مدير المدينة لشؤون الصحة والزراعة في أمانة عمّان الدكتورة ميرفت المهيرات بأنه :»يوجد رقابة على الحدائق العامة في عمّان ،وهناك حراس يقومون بواجبهم على مدار الساعة « .

وبحسب المهيرات فإن :»عدد أفراد الأمن والحماية في الحدائق العامة بعمّان 318 موظفا في حين يبلغ العدد الاجمالي للحدائق 141 حديقة « ،وهو ما يعني عدم انتظام عدد من هؤلاء بحراسة الحدائق وفق جولة قام بها «أبواب –الرأي» على عدد من الحدائق في عمّان فلاحظ غيابا شبه كلي للحراس .

وتشير المهيرات الى انه :» عدد الحدائق يتناسب مع عدد الأطفال في عمّان حتى سن 18 عاما والبالغ عددعم 422 ألفا «،بمعنى أنه يوجد حديقة لكل 2993 طفلا .

وتشير إلى أنه يبلغ عدد الحدائق المراد إنشاؤها وفقا للخطة التنفيذية لعام 2018 عشرين حديقة ،بكلفة مالية قدرها مليونان و300 ألف دينار ).

وتوضح المهيرات بأنه :»يحدد نصيب الفرد من الحدائق وفقا» لدراسات تتعلق بمساحة المنطقة ومساحة الأراضي الخضراء و عدد السكان «.

ويلاحظ أن عدد الأطفال لا يتناسب مع ما ذكرته المهيرات ، إذا أن بلدنا عديدة تخصص حدائق أكثر من ذلك بكثير ،حيث حددت الهيئة الأميركية الوطنية مناطق لعب الأطفال العامة والحدائق العامة الكبيرة 2023 م2 (ما يقارب دونمان)لكل ألف طفل ،وهو ما يظهر الفارق الكبير في حصة الاطفال من الحدائق في كلا البلدين .

وتترواح المعدلات التخطيطية للمناطق المفتوحة في كثير من دول العالم بين 2100 م2 – 4200 م2 لكل ألف نسمة ،بحيث تكون مساحة الحديقة المجاورة للسكن 3000 م2 لمساكن يقطنها 5000 شخص .

ووفقاً لوزارة الشؤون البلدية يوجد 124 حديقة عامة موزعة على مختلف بلديات المملكة حيث تتواجد في 51 بلدية من اصل 100 بلدية.

ما يقارب 50٪ من البلديات تخلو من الحدائق العامة.

أسعار مرتفعة

ولتعويض الأبناء عن عدم اللعب في الشارع ،تضطر سعاد خميس -وهي موظفة في شركة استيراد الأجهزة الطبية -إلى ارتياد أماكن خاصة بالألعاب للترفيه عنهم ،لكنها تبدي تذمرها من ارتفاع أسعار هذه الأماكن خصوصا في «المولات».

وتقول :»أدفع مقابل لعب الطفل الواحد 15 دينارا ،وهو ما استنزفني ماليا لوجود أربعة اولاد لدي «.

غير أن عدنان حمد يعجز عن إرسال إبنائه للعب في مراكز الترفيه المنتشرة في الأردن ،والتي لا يوجد إحصائية حكومية لعددها .ويقول :»أعمل في مطعم شعبي وراتبي 350 دينارا ،وبالكاد يكفي للاحتياجات الأساسية «.

ويبرر مستثمر في قطاع الألعاب رفض ذكر اسمه التكلفة المرتفعة في مراكز التسوق وغيرها بدفعه لمبالغ كبيرة بسبب :»ارتفاع أسعار الماء والكهرباء وأجور العاملين والصيانة وبدل إيجار لهذه الامكنة ،كما ان الألعاب التي نستوردها والماكينات غالية الثمن».

ويقول إن :» المستثمر وحده هو من يحدد سعر اللعبة ،ولا تتدخل أي جهة رسمية بالتسعير ،فضلا عن أن بعض المستثمرين يستهدفون شرائح اجتماعية ثرية دون غيرها «.

وأكد مصدر مسؤول في وزارة الصناعة والتجارة أن :»الوزارة لا علاقة لها بالتسعيرة ،فكثير من السلع معومة ولا سعر محدداً لها وهي متروكة لمن يبيعها «.

واجب الدولة

وترى دكتورة أصول التربية سعاد ملكاوي إن « كثيرا من الأهالي يتصرفون بطريقة غير مسؤولة حينما يتركون أبناءهم يلعبون في الشوارع دون رقابة ،ما يعرضهم لمخاطر عديدة من بينها الحوادث ،صحبة رفقاء السوء ،الذين قد يشجعونهم على التدخين، وتعاطي المخدرات، أو ممارسة أعمال غير مشروعة «. وتشدد على أنه :»من واجب الدولة توفير أماكن مجانية مناسبة للعب «.

وتقول الخبيرة في حقوق الإنسان المحامية رحاب القدومي إن :»الأردن صادق على اتفاقية حقوق الطفل الدولية في عام 1991 ،إذ تنص المادة (32) منها على حماية الطفل والحفاظ على حياته وسلامته وعدم تعريضه للخطر (...) .

وتلفت إلى أن :»أن المادة 31 من الاتفاقية تدعو الدول الموقعة إلى الاعتراف بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه (...).

وتشدد على مسؤولية :» الدولة في الحفاظ على السلامة العامة للأطفال بعدم تعريضهم للخطر أو الانحراف الأخلاقي بإيجاد أماكن خاصة ومناسبة للعب الأطفال كالحدائق الخاصة للعب أو إيجاد نواد صيفية للأطفال تنمي مواهبهم كالرياضة والغناء (...).

وتقول مديرة إدارة الفئات الأكثر حاجة للحماية في المركز الوطني لحقوق الإنسان المحامية بثينة فريحات :» قضية الحق في اللعب وافتقار معظم المناطق في المملكة للحدائق والملاعب أو عدم صلاحيتها للعب كانت إحدى النقاط المذكورة في التقرير السنوي الذي رفعه المركز للجمعية العامة للأمم المتحدة «.

وتشير الفريحات إلى أنه :» رصدنا خلال زيارتنا 86 موقعا في مختلف مناطق المملكة وعدم توافر حدائق وملاعب خاصة للأطفال في تلك المناطق «. وتؤكد على «ضرورة المساواة بين أطفال المجتمع الأردني في الحضر والريف في حق اللعب بتوفير الحدائق للجميع «.

رهاب اجتماعي

ويحذر المستشار النفسي عبد الرحمن مزهر من»إنتاج جيل يعاني أفراده من التوحد والعزلة و الرهاب الاجتماعي بسبب عزلهم في البيوت واختبائهم خلف شاشات الكمبيوتر والألعاب الالكترونية «.

ويوضح بأن :»اللعب في الحدائق والمناطق المفتوحة يعمل على تنمية التفاعل المجتمعي،ويساعد الأطفال على التخلص من القلق والرهاب الاجتماعي إضافة إلى التواصل مع الآخرين».

ويناشد مزهر البلديات والمجتمع المحلي بالعمل معا على:» توفير حدائق عامة مصممة للعائلات على غرار الدول الأجنبية ،حيث يوجد فيها أجهزة رياضية بسيطة يمكن للمواطنين استخدامها دون إضافة عبء مالي عليهم».

وتقترح المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطاب على وزارة الأوقاف :»تشجيع الوقف الإسلامي لبناء ملاعب وأندية تحل مشاكل الفراغ للأطفال».

وتدعو :»وزارة التربية والتعليم إلى فتح ساحات المدارس ومرافق الأنشطة المهنية والمكتبات للمجتمع المحلي بعد الدوام الرسمي ووقت العطل الرسمية لتكون ملاعباً بإشراف مباشر على الأطفال يتناوبه أعضاء الهيئة التدريسية «.

وتحض الحطاب أولياء الأمور على السماح لأبنائهم:» بالمشاركة في المناسبات الاجتماعية لتعليمهم مهارات التواصل ،والقيام بالتنزه بشكل عائلي ،والمشاركة في إنجاز اعمال البيت (...).

ويجيب أمين عام وزارة الأوقاف محمود بدر الحديد على اقتراح الحطاب:»هناك ثقافة سائدة في المجتمع بأن الوقف مرتبط ببناء المساجد حيث يوجه المتبرعون أموالهم باتجاه المساجد ،رغم حاجة المجتمع إلى حدائق ومتنزهات وبناء مدارس ومستشفيات ومراكز صحية (...).

ويضيف أنه :» تحرص الوزارة على إقامة مراكز صيفية لتحفيظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره إضافة إلى الأنشطة غير المنهجية في معظم مناطق المملكة للذكور والإناث خلال العطلة الصيفية «.

ويشير مدير النشاطات التربوية السابقة في وزارة التربية والتعليم عبد الكريم اليماني إلى أن الوزارة «تفتح جميع مدارس المملكة ملاعب للمواطنين وخصوصا الاطفال والشباب منذ سنوات ليستفيدوا منها باللعب وغيره « .

ويضيف أن :»الوزارة تقوم حاليا بالعمل على عدة مشاريع وبرامج تهدف الى استثمار أوقات الطلبة خلال العطلة الصيفية وإكسابهم مجموعة من المهارات مثل البرنامج الوطني الصيفي «بصمة» الذي تنفذه وزارة التربية والتعليم بدعم من مؤسسة ولي العهد، ويشارك فيه ما يزيد عن 50 ألف طالب وطالبة من الصفين التاسع والعاشر».