د. أمينة منصور حطاب/ مستشارة تربوية

دعت جلالة الملكة رانيا العبدالله خلال مشاركتها في قمة «هي فور شي إمباكت»، إلى الانتباه للتحديات التي تواجه المرأة العربية، مشيدة بالروح الصلبة والارادة التي تمتلكها بالرغم من الظروف الصعبة. وجاء ذلك خلال كلمة لجلالتها في قمة «هي فور شي إمباكت» في نيويورك، حيث قالت جلالتها أن النساء يتأثرن بطريقة غير متكافئة بالأزمات، ولكن خلال الاضطرابات «تتراجع النساء من الاجندات الوطنية، لتزداد الفجوة بين المعاناة والأمل». وأضافت «إلى جانب تلك التحديات العالمية، تواجه النساء في منطقتي مجموعة أخرى محزنة من العقبات، فعبر الحرب الأهلية والنزاع المسلح، والبطالة والنزوح القسري، تعمل النساء العربيات للحفاظ على تماسك أسرهن في أصعب الظروف».

تمثل المرأة العنصر الأساسي في المجتمع كونها نصفه الثاني وقد تتجاوز النصف في بعض الحالات والظروف، ولا يقل دورها أو تأثيرها في الحياة أهمية وخطورة عن الرجل هذا إن لم يزداد في بعض الوظائف والمسؤوليات. ومما لاشك فيه أن الشعوب غير المتطورة تحاول جاهدةً للحيلولة دون تمكين المرأة أو حتى السماح لها بتمثيل نفسها في المحافل والمواقع والأماكن الوطنية والدولية كافة وذلك لكبح طاقاتها ومهاراتها ومواهبها وإمكانياتها التي هي هبة ممنوحة لها بدون مقابل من قبل الخالق عز وجل، فالحرية والمساواة عنصران أساسيان يضمنان للخليقة كافة الحقوق والواجبات بصورة عادلة، فبدون الحرية تصبح الكلمة والتعبير والرأي الأخر مقيدا بسلاسل وأقفال لا يمكن التحرر منها.

ولا بد أن نقف لبرهة ونسأل أنفسنا: «كيف تكونت الخليقة والشعوب؟» والجواب يبدو واضحًا للجميع بتعاون القطبين الموجب والسالب وليس بفردية الرجل أو ذكوريته وبالتالي فإن تحقيق مبدأ التمكين والمساواة غير منوط بالرجل وحده لأنه ببساطة لا يستطيع اكمال مشوار الحياة الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية وغيرها...بدون حنان الأم، وحب الزوجة، ولطف الأبنة، وعطف الأخت، وقد يستخدم أفضل التعابير وأجمل العبارات وأروع المصطلحات عندما يريد كسب ودها، فلماذا يلبس الوجه الأخر عندما يصبح مصير تمكين المرأة بيده؟ ولماذا لا يشركها ولا يمكنها من مواجهة التحديات على كافة الأصعدة كي تتخلص من سياسة التحجيم والتهميش؟ لابد لنا أن نضع حدًا لهذا لأن المرأة هي العمود الفقري للمجتمع وتمثل العامل الداعم والمطور والمحفز لانجاز الأعمال والواجبات والمساعد للرجل في المجتمع.

ولقد ظهرت حديثا مجموعة من المفاهيم كالتمكين، والنوعية، والشمولية، والتداخل، والمشاركة، والإسناد، والأنصاف،... الخ وكلها مصطلحات مشتقة من المفهوم العام للتنمية البشرية المستدامة والعمل على مبدأ التمكين الذي عرفه العلماء على أنه: «توفير الدعم والإسناد اللازمين الى الجنسين دون تميز بينهما». وهو من أكثر المفاهيم اعترافًا بالمرأة كعنصر فاعل في التنمية، ويسعى للقضاء على كل مظاهر التمييز ضدها من خلال الآليات التي تعينها على الاعتماد على الذات.

وتكشف الأدبيات حول هذا المفهوم من أنه رغم التباين في توسيع أو تضييق مجالات تطبيقه إلا أنه يلتقي عند مفهوم القوة من حيث مصادرها وأنماط توزيعها باعتبار أن ذلك أمرٌ ضروري لإدراك طبيعة التحولات الاجتماعية التي أصبحت تعمل لصالح الفئات المحرومة والمهشمة والبعيدة عن مصادر القوة، لذلك تتحقق قوة المرأة بتمكينها من ظروفها وفرصها وممارسة حقها في الاختيار، ولهذا فإن مدخل التمكين يجعل التنمية أكثر تفاهمية وتشاركية بين الرجال والنساء، ومن ثم لا تكون التنمية مجرد رعاية اجتماعية للنساء وإنما ﺗﻬدف إلى تمكين النساء من امتلاك عناصر القوة الاقتصادية والاجتماعية للاعتماد على الذات في تحسين أوضاعهن المعيشية والمادية على نحو متواصل، والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس جميع جوانب حياﺗﻬن، فالتمكين يهدف إلى خلق سياق تنموي للمشاركة والتفاعل يعتمد على تطوير المهارات والقدرات وفرص التطوير، كما أنه يعتمد أيضًا على تطوير العلاقات الاجتماعية في اتجاه مزيد من التوازن والاستقرار، وتعزيز علاقات النوع بعيداً عن التمييز، والاهتمام الأساسي بالتمكين الاقتصادي الذي يعد مقدمة ضرورية للتمكين في اﻟﻤﺠالات الأخرى.

وهناك ثلاثة مستويات لتمكين المرأة نجدها في المستوى الفردي الذي يعبر عن قدرة المرأة على السيطرة على حياتها، وتقديرها لذاتها ولامكانياتها، وقدرتها على تحديد أهدافها وتحقيقها، أما المستوى الجماعي فيعكس قدرتها على تنظيم نفسها والانخراط في العمل الجماعي بكفاءة وفاعلية، وأخيراً مستوى المناخ السياسي والاجتماعي والقواعد الاجتماعية والحوار العام حول ما يمكن للمرأة القيام به.

إن تمكين المرأة ينبغي أن يتحقق في كافة المجالات؛ كالتمكين السياسي الذي نجده في نسبة النساء في المجالس المحلية ومراكز إتخاذ القرار، والتمكين الاجتماعي والثقافي الذي يتمثل في عدد النساء المشاركات في منظمات المجتمع المدني، وفي نسبة مشاركة أفراد الأسرة في أعمال البيت وتربية الأطفال، بينما نجد التمكين الاقتصادي في التغير في معدلات توظيف النساء وفي نسبة صاحبات الأعمال الحرة والمشاريع المستقلة.

ومن المعوقات التي تواجهها المرأة في قضية التمكين معوقات ذاتية (تتعلق بالمرأة نفسها) كخضوع المرأة في معظم الاحيان لسلطة الذكور في القرارات التي تخص تعليمها وعملها, والضغوط النفسية التي قد تواجهها عند الالتحاق بالأعمال غير التقليدية، وكذلك طول ساعات العمل خاصة في القطاع الخاص الأمر الذي يحرم المرأة من الاهتمام بأسرتها، وهنالك معوقات اجتماعية كضعف الوعي الاجتماعي بأهمية دور المرأة في التنمية ناهيك عن العادات والتقاليد التي تحد من التحاق المرأة بالكثير من المهن، وبيئة العمل وما تحويه من معوقات تنظيمية وادارية.

لقد أصبح مفهوم تمكين المرأة الذي عرف بأنه: دعم إمكانية المرأة وقدرتها على التأثير في المؤسسات الإجتماعية التي تؤثر في حياتها من المفاهيم الشائعة في معظم الدول لا سيما في مجال التنمية الإجتماعية، حيث حلَّ مفهوم التمكين جوهريًّا محلَّ مفاهيم النهوض والرفاهية ومكافحة الفقر والمشاركة المجتمعية، وشكَّل أحد المفاهيم الرئيسة في المؤتمرات المحلية والدولية. يقول سقراط: «عبقرية المرأة تكمن في قلبها». وقلب المرأة يكمن في إحساسها بقيمتها وحقها في أسرتها وفي المجتمع ككل.

Ameeneh@live.com