أبواب - فاتن عبيدات

أخذت العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الأردني بالتراجع منذ سنوات خلت، سواء على مستوى العشيرة، الحي، العائلة الممتدة، والعائلة الصغيرة التي تضم الأخوة، فباتت تتسم بالضعف في غالبية المستويات.

ويعزو عدد من الخبراء هذا التراجع في العلاقات إلى ضغوط الحياة الاقتصادية واللهاث خلف نمط استهلاكي مرتفع الكلفة والسعي لتأمين متطلبات الحياة كرسوم المدارس والجامعات وفواتير المياه والكهرباء (...)،وتعلق الناس بوسائل التواصل الاجتماعي التي زادات من الاتصال وقللت من التواصل المادي المباشر بين الناس .

في الماضي كانت العلاقات الاجتماعية بين الاسر والأقارب وحتى الجيران يسودها المحبة والتواصل المستمر في الشدة والرخاء ومع تطور الزمن تغيرت المجتمعات والعادات، وافتقد الدفء والمودة بين الناس ما أدى الى قلة الزيارات بين الاقارب والاهل الا في بعض مناسبات المجاملات كالأعياد والافراح والاتراح والمرض.

وتقول الحاجة أم علي :» قبل ثلاثين سنة، كنت ازور جاراتي في كل صباح لشرب القهوة وتبادل الحديث الودي عن الاولاد ومستقبلهم وامور عديدة ،وكانت الجارات بمثابة أفراد من عائلتي».

وتضيف :»لم نكن نفترق الا عند ابواب بيوتنا، وكنا نتبادل وجبات الغداء، وعند حدوث اي ظرف طارئ لجارتي اقوم بالعناية بمنزلها وأولادها لا فرق بينهم وبين ابنائي».

وتتابع في موسم قطف الزيتون تتعاون العائلة والجيران منذ الصباح الباكر وحتى المساء متجاوزين العناء والمشقة والتعب بنكهة خاصة من الحب والمودة والالفة والسعادة من الترابط الذي كان يجمعنا».

اما ايمان ذات الثلاثين ربيعا -وهي أم لطفلين- فتقول تغيرت الأحوال عما كانت عليه في السابق فساعات عملي طويلة ولا تسمح لي ببناء علاقات اجتماعية ناهيك عن الظروف المالية الصعبة التي نمر بها فتبادل الزيارات والمناسبات الاجتماعية بين الاقارب والاصدقاء يحتاج الى المال، وظروفي المالية لا تسمح بذلك، مما جعلني انا وعائلتي نعاني من فجوة اجتماعية بحيث لا ارى اقاربي ومعارفي الا في حالات الضرورة كالافراح والاتراح» .

وسائل التواصل الاجتماعي

وتختلف العلاقات الاجتماعية بين الاشخاص حسب طبيعة المكان والزمان، فكثيرا منهم يبني علاقات اجتماعية متينة والبعض الاخر يرى العلاقات الاجتماعية أمرا غير ضروري.

ويقول المستشار الأسري التربوي خليل الزيود إن: «وسائل الاتصال الحديثة سهلت العلاقات الاجتماعية بين الناس، وهذا أمر إيجابي، وليس سلبي، فأصبح هناك تواصل بين الأقارب والجيران عن طريق جروبات على مواقع التواصل الاجتماعي».

ويؤكد الزيود على أن: «التواصل عبر وسائل الاتصال لا يغني عن اللقاء المباشر والفعلي والذي يعتبر الافضل بالمقارنة مع التواصل الافتراضي».

من جانب اخر يؤكد دكتور علم الاجتماع فيصل غرايبة ان: «العلاقات الاجتماعية في الزمن المعاصر قد اصابها الوهن واصبحت لا يعول عليها في اقامة مجتمع انتاجي متعاون متكافل ومتضامن بين افراده».

ويرى الغرايبة ان: «المراقبين للوضع العام ينظرون بعين التشاؤم الى مصير العلاقات التي تربط بين الأفراد في أي مجتمع ومنها المجتمع الاردني، وهي علاقات شابها كثير من الفتور والانقطاع في الروابط حتى بين اعضاء الاسرة الواحدة».

ويدعو الغرايبة الى « عدم القلق عند ملاحظة حالة التفكك الاجتماعي او التدهور في العلاقات الاجتماعية « مشيرا الى حالة التبدل في طبيعة العلاقات بين الناس وانحسار هذه العلاقات بالقوة امام ضغوطات الحياة وانشغال الناس بالعمل الانتاجي وتغلب المصلحة الشخصية على العامة و على المصلحة الاسرية».

ويعتبر الغرايبة إن: «وسائل التواصل الاجتماعي التي ينشغل بها الكبار والصغار على حد سواء مع الاقرار بفائدتها وتقويتها وتوسيطها لشبكة العلاقات بين الناس ساهمت بدور كبير في فتور العلاقات الاجتماعية حتى داخل الاسرة الواحدة وحرمتهم من المواجهة الشخصية فيما بينهم حتى داخل البيت».

ويشير الغرايبة الى أن: «وسائل الاعلام كالصحف والمجلات يمكن ان تساهم بالتوعية بأخطار اضطراب العلاقات الاجتماعية والأسرية الناتجة عن الانهماك بوسائل الاتصال الحديثة بشكل لافت».

ويقول المستشار النفسي والتربوي الدكتور عاطف شواشرة ان « العلاقات الاجتماعية في الماضي كانت تقوم على نمط العلاقات الودية الدافئة لأن الاسرة كانت اكثر اجتماعا والتصاقا والاعمال التي تؤديها الاسرة في الغالب نفس الاعمال كالعمل معا بالحقل او التجارة او من خلال حرفة متوارثة عن الآباء والاجداد».

ويشير إلى أن: «القرب المادي بصيغته المذكورة يعمل على تقوية العلاقات الاحتماعية اما الان بفعل تعقد وسائل الانتاج اصبحت العديد من الاسر تمارس اعمالا اكثر تباعدا في ظل انتشار التعليم على نطاق واسع، لأن نمط الحياة اصبح مبنيا على البعد والفردية».

ويشير الشواشرة الى الآثار النفسية للعلاقات الاجتماعية، بقوله: «هناك زيادة في الفجوة بين الأبناء والوالدين بسبب انتشار العولمة واختلاف عموميات الثقافة بينهم، مما قلل من حالة الانسجام والوئام المتعارف عليها في السابق بالاضافة الى شعور الفرد بالسعي للحصول على الرزق وكسب العيش وشعور الفرد بعدم الاستقرار والاضطراب كما في الماضي، وانعكس ذلك على المجتمع بمشكلات اجتماعية كالتوتر والتنافس على العمل مما ساهم بشكل ملحوظ في حدوث خلل في العلاقات الاجتماعية في المجتمع المحلي» .

ويلاحظ أن تغير نمط الحياة من بسيط إلى معقد بسبب النمط الاستهلاكي ادى إلى ضرب العلاقات الاجتماعية لحساب الانشغال في تأمين متطلبات الحياة، وهو ما أدخل الناس في دوامة من الاضطراب والارتباك والشلل في العلاقات دون إدراك منهم .