أبواب - وليد سليمان

عبارة من ثلاث كلمات:(المغنى حياة الروح) اطلقها الدكتور طبيب التخدير والانعاش، وعاشق التراث الغنائي العربي «مازن عميش» على عنوان كتابه الذي صدر في عمان بداية العام الحالي عن دار الان ناشرون وموزعون.

و(المغنى حياة الروح) جملة غنائية وردت في أغنية (غني لي شِويْ شِويْ) للمطربة أم كلثوم وهي من كلمات الشاعر الغنائي الشهير بيرم التونسي، والاغنية هذه غنتها أم كلثوم عام 1945 في الفيلم السينمائي الشهير «سلاَّمة» وهي من ألحان الموسيقار الشعبي زكريا احمد:

غني لي شوي شوي

«غني لي شوي شوي غني لي وخذ عيني

خليني اقول الحان تتمايل لها السامعين

وترفرف لها الاغصان والنرجس مع الياسمين

وتسافر بها الركبان طاويين البوادي طي

***

المغنى حياة الروح يسمعها العليل تشفيه

وتداوي كبد مجروح تحتار الاطبا فيه

وتخلي ظلام الليل في عيون الحبايب ضي

شوي شوي شوي غني لي وخذ عيني

***

لأغني وقول للطير من بدري صباح الخير

والقُمري مع الخُضير وياها يردوا عليّ

شوي شوي شوي غني لي غني وخذ عيني

***

لأغني وأغني وأغني.. وأوري الخلايق فني

والإنسي يقول للجني والرايح يقول للجاي

المغنى حياة الروح يسمعها العليل تشفيه!.

والمؤلف د.عميش يطوف في كتابه على كواليس كثير من الاغاني والالحان والكلمات وكيف وُلدت، وكيف اعتنى بها كبار الفنانين العرب باختيارها وابداعها لتقديمها لجمهور المستمعين.

وكيف تشكل الزمن الجميل من خلال جِد واجتهاد تلك النخبة من الفنانين العظام مثل: ام كلثوم، عبدالحليم حافظ، محمد عبدالوهاب، فريد الاطرش، فيروز، وشعراء الاغاني مثل: احمد شوقي, نزار قباني، كامل الشناوي، حسين السيد، ابراهيم ناجي، احمد رامي، صلاح جاهين، بيرم التونسي، مرسي جميل عزيز.. وغيرهم.

ومن الملحنين مثل: سيد درويش، زكريا احمد، محمد القصبجي، رياض السنباطي، محمد عبدالوهاب، فريد الاطرشن محمد فوزي، محمود الشريف, منير مراد، بليغ حمدي، كمال الطويل، محمد الموجي وغيرهم.

تراث الغناء الاردني

وفي الفصل الاخير من كتابه تحت عنوان (ريبرتوار الغناء الاردني) تلك الذخيرة الفنية من تاريخ الاغنية والموسيقى الاردنية يقول د.مازن عميش:

«من خلال سنديانة الغناء الاردني توفق النمري, وايقونة التلحين الاردني جميل العاص، وعُمدة الاغنية الوطنية روحي شاهين، وشيوخ الطرب الاردني اسماعيل خضر،وعبده موسى،وفهد النجار وسلوى، كانت الاغاني الاردنية في معظمها امتداداً للفلكلور الشعبي، وهي في الغالب مستمدة منه بشكل مباشر, او مع بعض التعديل والتصرف من أهازيج القرى والارياف وهجيني البادية, وكانت تلك الاغاني قصيرة ومباشرة، تعتمد تكرار المذهب.

ويقول : كان للغناء الاردني لهجته الخاصة وشخصيته المميزة، مما كان له باعتقادي الشخصي أبلغ الأثر في الحد من انتشاره في العالم العربي، اذ ان الاغنية الاردنية تأتي من بيئة مختلفة تماما في بنائها الدرامي !! فكلماتها وألحانها تستمد من أمسيات الشمال الحالمة في مواسم الحصاد، وليالي الجنوب العابقة بروائح الشيح والحبق وأحلام الصحراء الممتدة من الأزرق الى الريشة، وأفراح الوسط المكتنزة بالسرو واللزاب والقيقب.

انه إمبيانس - جو ومناخ - سائد وفريد من نوعه، اردني بالدرجة الاولى ذو خصوصية «ستيريوتايبية» - نمطية ان صح التعبير- تسرب الى وجدان المستمع الاردني، وتبوأ حيزاً مرموقاً من التراث الحديث:

(هاتوا القلم والدوا لكتب على ايدي.. وانا طايح البرية.. بين الدوالي.. ويلي محلاها.. محلا الدار والديرة.. مرعية يالبنت مرعية.. يا عنيد يا يابا.. يما موال الهوى.. نزلن على البستان.. بالله تصبوا هالقهوة و زيدوها هيل ) ، وما يصاحبها من سحجة ودبكة ودحية وهجيني، وآلات اردنية صرفة كالربابة وبحتها الشجية، التي تحمل صوت البادية الابدي.

كل هذا جعل الاغنية الاردنية غير قادرة على الوصول الى الاذن خارج حدود الاردن.

ناداني وناديتو

ويقول المؤلف د.عميش: وهنا تحضرني احدى روائع توفيق النمري خفيفة الوزن حلوة الكلام رقيقة المعاني وهي الاغنية الشجية «ناداني وناديته»:

ناداني وناديتو كلمني وحاكيتو

من نظرة هويتو والتفقنا سوى

ما كنت أعرف إيش الحب ولا أحوالو

غير لما عرفت الزين بحسنو وكمالو

رح تصدق احلامي واتهنى بغرامي

وان قِربوا أيامي .. رح تبقى أعياد

ليالي محلاها .. ما عمري بنساها

تسحرنا بصفاها .. وما يملك فؤاد

حبيبي اريدو .. ومن عطفي أزيدو

حياتي في إيدو .. في دنيا الهوى

وعن هذه الاغنية التي غناها وكتب كلماتها ولحنها النمري في منتصف خمسينيات القرن الماضي يتابع د.مازن عميش قائلاً:

لقد اكتملت في هذه الاغنية عناصر الاغنية اللبنانية على سبيل المثال، وكذلك في رائعتيه الجميلتين (ويلي ما أحلاها) و(حُسنك يا زين جنني) التي غناهما ايضا وديع الصافي إعجاباً بتوفيق النمري وفنه العريق.

وبالرغم من اننا كنا نستمع للغناء العربي على اختلافه وتنوعه ... إلاّ اننا كنا نحمل هذه الاغاني الفلكلورية في طيات الوجدان، ونرتبط معها بذكريات طفولتنا, التي كان فيها نصيب وافر من أطياف و أحلام الريف والبادية.

وقد تكون اللهجة الاردنية هي الاقرب للفصحى العربية، هي التي ميّزت المواطن الاردني بقدرات استثنائية على تذوق وفهم باقي اللهجات والغناء في بقية مناطق العالم العربي.

صالون بيت الرواد

ويشير د. عميش بفرح وفخر بقوله : وها نحن اليوم، وبعد عقود اربعة يتأسس صالون بيت الرواد في امانة عمان الكبرى من رواد الفن الاردني مخضرميه ومحدثيه، في رحلة اسبوعية، مساء كل ثلاثاء، على متن تخت شرقي اصيل يبحر بنا الى نسائم الزمن الجميل والفن الاصيل، يستنهض معنا ذلك الماضي حين كان الفن فناً والصوت صوتاً، والاداء اداء والمستمع ذواقة.

ويتحسر د. عميش على حال الفنانين فيقول :

الحظ كان قليلا !! لم يحظ فنانونا بالكثير منه، على الرغم مما حباهم الله من مواهب تقطر بالابداع، وكان ان بقي معظمهم بعيدين عن دائرة الاهتمام والتقدير، منسيين من وسائل الاعلام، التي كانت تولى جُل اهتمامها للفنانين العرب من خارج الاردن.

ابو السباع اسماعيل خضر

ويذكر الباحث عميش ان المطرب الراحل اسماعيل خضر روى له ذات مرة، وأكد روايته اثنان من الفنانين، ان اسماعيل خضر كان يغني في أرقى مربع في شارع الهرم في القاهرة، وكانت تُحجز ليلياً طاولة مباشرة على البيست للموجي والطويل ومكاوي وآخرين من أساطين الفن في مصر ليستمعوا له، وان محمد عبدالوهاب كان يدعو اسماعيل خضر تحببا بلقب (أبو السباع).

ومن المفارقات الملفتة ان اسماعيل خضر انطلق وغنى وأبدع في نفس الحقبة الزمنية التي انطلق فيها فهد بلان، فكان ان ظل اسماعيل خارج دائرة الضوء!! في حين تلقفت مصانع النجوم الممثلة حينها بتيلفزيون لبنان ومجلتي الشبكة والموعد والتلفزيون السوري المطرب (فهد بلان) الذي ملأ الدنيا، وكان بلان اول فنان عربي يمتلك رولز رويز في زمن العندليب الاسمرعبد الحليم حافظ ، وهو القادم من بيئة مدقعة بالفقر من مدينة السويداء.

ويختم الباحث الفني عميش هذا الفصل الاخير من كتابه عن الفن الاردني ناقداً و متأملاً :

وقس على ذلك الكثير الكثير من الاستحقاقات الناقصة والظالمة بحق الكثير من فنانينا الاردنيين .. ولعل صالون الرواد يحيي ريبرتوار الغناء الاردني من جديد، من خلال جمهور النخبة الذين يرتادونه اسبوعيا في عمان برأس العين.