أبواب - خوله ابو قورة

يجلس محمود علي ابن السنوات التسع (اسم مستعار) ،وحيدا ،منزويا ،في ساحة المدرسة ،يراقب زملاءه وهم يلعبون، ويتراكضون متمنيا أن يلعب معهم، لكنه لا يستطيع ،فوزنه الزائد يمنعه من الحركة السريعة ، كباقي أقرانه . وفي المقابل ،فإن مجتمع الأولاد المحيطين به ،يشكلون ضغطا عصبيا عليه ،ما يدفعه إلى الاكتفاء بمراقبتهم أثناء اللعب ،فقد سبق وأن حاول الاشتراك معهم في لعبة كرة قدم إلا أنه تعرض لكيل من إهاناتهم فور اقترابه منهم كقولهم :»شو يا بلدوزر ،ثور وماشي ،دب « وغيرها من الإهانات التي اعتاد سماعها بسبب سمنته .

وتشير احصائيات غير رسمية صدرت في عام 2017 إلى أن 80% من سكان المملكة يعانون من زيادة في الوزن و السمنة والتي تسبب أمراض السكري والضغط وتصلب الشرايين.

وتبدو الفتيات السمينات أكثر إحراجا من الذكور ،لما يواجهنه من عبارات التهكم والنصائح حول عاداتهن الصحية غير المرغوبة من صديقاتهن . وتقول الطالبة رؤى علام – وهي في الصف السابع :» زميلاتي ينتقدن وزني الزائد ويلقين النكات , يقدمن اقتراحات تجعلني أشعر بالغضب ،ويسألن دوما : متى ستبدأين بنظام غذائي ،لما لا تنضمين لنادي رياضي، نعم أتمنى أن أكون نحيلة ،لأرتدي ثيابا جميلة ،كباقي الفتيات ،لكني لا اعرف كيف وأين سأبدأ».

محمود ورؤى حالتين من ملايين الأطفال الذين يعانون آفة السمنة ،حيث أعلنت الصحة العالمية في عام 2016 معاناة أكثر من 41 مليون طفل دون سن الخامسة من السمنة المفرطة حول العالم نصفهم في آسيا وربعهم في أفريقيا .

يعرف استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة الدكتور علاء مشعل سمنة الأطفال بأنها» تجمع كمية زائدة من الدهن في جسم الطفل ما يؤدي إلى زيادة وزنه عن المعدل الطبيعي الذي يناسب عمره وطوله, وتعد واحدة من أخطر مشاكل العصر».

أسباب السمنة

ويعزو مشعل سمنة الأطفال لعدة أسباب أبرزها « تناول الأطعمة الجاهزة,الجلوس أمام التلفاز والشاشات واستعمال الأجهزة و الألعاب الإلكترونية لساعات طويلة إضافة إلى الابتعاد عن تناول الخضار والفاكهة والإكثار من تناول السكريات والأغذية الغنية بالسعرات الحرارية , ومن أسبابها أيضاً الأمراض العضوية التي لها علاقة بالعوامل الجينية والإضطرابات الهرمونية».

وفي السياق ذاته ، تقول أخصائية التغذية والتربية واستشارية المهارات الوالدية سارة محمود الكردي « يعرف المعظم بأن قلة النشاط البدني و الجلوس أمام شاشات التلفاز و الألعاب الالكترونية تسبب السمنة إلا أن المعظم لا يعرف بأن تهاونهم في ذلك لا يسبب البدانة فحسب بل يسبب أيضا ضعفا في النشاط العقلي المتوقع».

وتابعت الكردي» السبب الرئيسي الكامن وراء الإصابة بفرط الوزن والسمنة في مرحلة الطفولة يتمثل في عدم التوازن بين السعرات الحرارية المستهلكة والسعرات الحرارية المستهلكة».

وتوضح الكردي بأن :»الأطفال الذين يجلسون أمام الشاشة يوميا أكثر من ساعتين معرضين للشره الغذائي، حيث يشعرون بالتوتر بسبب ما يشاهدونه أو يلعبون به، وبالتالي يلجأون إلى الطعام للتنفيس عن مشاعرهم (الشره العاطفي).

دور الأهل

وتبين الكردي « أظهرت الدراسات أن أحد أسباب البدانة هي الجينات التي يكتسبها الطفل من أحد الوالدين أو كليهما ، لكن الأخطر هي العادات الغذائية الخاطئة التي يقوم بها الوالدان في المنزل أمام أطفالهم، فالأطفال يقلدون و يتبنون طباع آبائهم خصوصا في العمر الذي يقل عن ٧ سنوات».

وتذكر الكردي مسببا آخر لسمنة الطفل وتدعوه»بالسمنة العفوية « حيث يتشدد الأهل في البرنامج الغذائي لأبنائهم في حال زادت اوزانهم ،فيحرمونهم من بعض الحلويات، الأمر الذي يدفع الطفل إلى الرغبة بتناول المزيد ،وفي حالة أخرى يرغم الأهل الطفل على تناول صحنه بأكمله ،أو تناول وجبات كثيرة ظنا منهم أنه بحاجة إليها في مرحلة النمو «.

مضار نفسية وجسدية

ويعدد الدكتور مشعل مضار سمنة الأطفال « فهم معرضون للإصابة بالسكري من النوع الثاني ,البلوغ المبكر, الاضطرابات السلوكية, الاكتئاب، فقدان الطفل لثقته بنفسه وتعرضه للإساءة والتنمر».

ووفقا للمستشار النفسي والتربوي عاطف الشواشرة فإن» الطفل السمين يعاني من الخمول والحركة البطيئة القليلة فيصبح محط سخرية للأطفال لأنه لا يستطيع مشاركتهم الألعاب الرياضية و لا يتواجد معهم في الاحتفالات والاجتماعات وفي المحافل الاجتماعية فيتدنى لديه مفهوم تقدير الذات ويصبح سلبيا «.

ويضيف أنه :»لا يستطيع مواجهة الآخرين لأن شخصيته تصبح أميل للعزلة الاجتماعية ،فلا يكون لديه الجرأة والقوة للدفاع عن نفسه لأن ما يسمى (بصورة الجسد أو الذات) لديه سلبية» .

وتضيف الكردي «التنمر على الطفل السمين كفيل على أن يحد من قدراته النمائية و يشمل التفكير، النمو و الإنجاز».

أساليب وقاية وحلول

تؤكد الكردي على « أن يكون لدى الأهل ثقافة صحية بما يخص تغذية أطفالهم منذ الولادة ، وتعويدهم على نمط حياة صحي منذ نعومة أظفارهم ليستمروا عليه في مراحل حياتهم المختلفة «.

وتنصح الكردي الآباء في حال كان لديهم طفل سمين « بضرورة مراجعة طبيب الأطفال، أو أخصائي التغذية كفحص دوري لكل العائلة بدلا من إرسال إشارات للطفل بأنه مختلف عن الآخرين خاصة عندما تشك الأم باقتراب بلوغ ابنتها أو ابنها».

ويذكر مشعل عددا من النصائح ليسيطر الآباء على أوزان أبنائهم من بينها»تحديد ساعات مشاهدة التلفاز واللعب على الأجهزة , تناول الأطعمة الجاهزة والسريعة مرة واحدة أسبوعيا,تعويد الطفل على تناول الخضروات والفاكهة إضافة ممارسة نشاطات حركية بشكل يومي ,تجنب استخدام الطعام والأغذية المفضلة للطفل كوسيلة للمكافأة أو العقاب».

وتحذر الكردي «أخصائيي التغذية من تطبيق أي نظام غذائي لأطفال يعانون من السمنة ، دون اللجوء إلى استشاري نفسي أو تربوي لمساعدتهم على خوض تجربة نمط الحياة الصحي بإرادتهم، و قناعتهم بعيدا عن مفهوم تخسيس الوزن الذي يسبب في مرحلة المراهقة أمراضا نفسية تغذوية مثل الشره المرضي أو فقدان الشهية العصبي خصوصا بين الفتيات».

دور المدارس

وتشير رئيسة الجمعية الوطنية لمكافحة سمنة الأطفال منال كشت «يقضي الأطفال الوقت الأكبر من نهارهم في البيئة المدرسية ،والتي من المفترض أن تعزز جميع السلوكيات الإيجابية ،ومنها اتباع نظام غذائي صحي وتشجيعهم على زيادة النشاط البدني، وذلك بالتعاون مع المعلمين كونهم القدوة والمثال الذي يحتذى به».

وتشير كشت إلى أن :»هناك عددا من الإجراءات التي من شأنها المساهمة في مكافحة السمنة لدى طلبة المدارس»كتوفير التثقيف الصحي لاكتساب ما يلزم من معارف وممارسات لاتخاذ قرارات صحية أفضل,توفير بدائل مدرسية صحية بكلفة منخفضة للطلبة مع الاهتمام بنوعية ما يقدم لهم ,عدم توفير ماكينات بيع الوجبات والمشروبات غير الصحية,كما يجب ضمان امتثال المدارس لأدنى معايير التغذية الصحية ضمن استراتيجية وطنية متكاملة, مشاركة الأهالي في تعزيز السلوكيات الصحية في كل من المدرسة والبيت».

وتشدد على أهمية الاهتمام بالأنشطة الرياضية من خلال «حصص النشاط البدني لتشمل أنشطة متنوعة بما يتلاءم مع قدرات الطلبة, إضافة إلى ضرورة توفير أنشطة لا منهجية خلال فترة الاستراحة من خلال البطولات الرياضية المختلفة والتركيز على الرياضة خلال الطابور الصباحي».

وتؤكد كشت على أهمية قيام وزارة التربية والتعليم «باجراء فحوصات دورية لتقييم الطلبة والتي تشمل المسح المستمر والتقييمي لاختبار مؤشر كتلة الجسم وزيادة الوزن للطلبة والمعلمين ومن الممكن الاستعانة بأخصائي التغذية لوضع برنامج تغذوي متكامل، وإشراك أولياء الأمور في حملات التوعية الخاصة بالسمنة وأنماط الحياة الصحية والتغذية السليمة داخل المدرسة وخارجها والتوعية بالأمراض المرتبطة بالسمنة وكيفية مواجهتها، فهذه خطوات مهمة نحو مكافحة سمنة الأطفال يجب العمل بجدية لتكريسها».

وتحث كشت الدولة على «تبني استراتيجية وطنية لمكافحة سمنة الاطفال تعكس حجم الادراك للمخاطر الصحية والأعباء الاقتصادية، استراتيجية وطنية تكفل تنفيذ الاجراءات الوقائية وتضمن سياسة المتابعة والتقييم لضمان نجاح المهمة من خلال لجان رقابية مدرسية مختصة بمتابعة كافة الإجراءات ووضع السياسات قيد التطبيق، ففي الاساس صحتنا هي مستقبلنا».