عرفت الدكتور منيف الرزاز رحمه الله في عيادته بعمان، ولقيته آخر لقاء في مسبح مجمع النقابات المهنية عام 1978 ورجوته ألا يستجيب لنداء الرفاق الذين استدعوه إلى العراق ذلك عندما أعلمني في تلك الجلسة أن الرفاق في العراق طلبوه وأنه سيتوجه للعراق بعد حضوره مؤتمراً في موسكو. كانت لمنيف الرزاز مكانة عالية في صفوفنا نحن الشباب المتحمسين لتطوير الوطن وتحقيق أمانيه.

وتجذرت محبة للدكتور منيف فينا منذ انتخابات عام 1952 حين كانت باصات النقل العام في البلد يهتف راكبوها: «انتخبوا» فيرد عليهم جمع آخر من ركاب نفس الباص : «الرزاز»، ثم صدور كتابه الأول: «معالم الحياة العربية الجديدة». أحببنا إخلاصه للمبادئ القومية التي قوضها انهزام جيوش العرب أمام إسرائيل عام 1967. ثم تعرفنا على أنسبائه الأوفياء يقودهم المرحوم الطبيب الجراح وليد بن صالح بسيسو وصالح هذا من الرجال المؤسسين للأمارة الداعمين للثورة العربية الكبرى.

وبطلب من الطبيب الجراح وليد بسيسو استقبلت الطالب عمر الرزاز عام 1984 وكنت رئيساً لسلطة وادي الأردن. سألني أسئلة لم تكن تخطر ببال أنداده من الطلاب وأيقنت أن لذلك الفتى مستقبلاً ليس كغيره من الخريجين. وطفقت أسأل عن عمر إلى أن لقيته في عزاء والدته رحمها الله وكان يومها قد عاد للبلاد ويعمل مديراً للضمان الاجتماعي، وعوضاً عن الحديث في موضوع العزاء انبرى عمر للحديث عن النسبة الحقيقية للبطالة في البلاد آخذاً بالحسبان عدد الفتيات اللائي حصلن على المؤهلات لكنهن كن قابعات في بيوتهن.

وقابلته أخيراً عندما كان رئيساً لمجلس إدارة البنك الأهلي وكنت حينها ممثلاً للحكومة في مجلس إدارة شركة مناجم الفوسفات الأردنية، ورأيت فيه حينها ما تنبأت له عند أول لقاء معه: رجلاً مكتمل الصفات رائع الهنات وتمنيت لو يكون لدى البلاد عشرة من أمثاله.

هاتفته وهو وزير للتربية والتعليم، وأسعدني خيار جلالة الملك بتكليفه رئاسة الحكومة، ولم أره على سعة مني منذ تعزيتي له بوفاة خاله الطبيب الجراح المرحوم وليد بسيسو. لكني كغيري من معظم الأردنيين سعدنا لتكليفه بتأليف الحكومة الجديدة، وتمنينا أن تسعفه ظروف البلاد والمنطقة كي تظهر مواهبه وتبين قدراته، ولو أنني أسفت لغياب منيف وغياب وليد وشقيقة وليد لمعة ليشاهدوا فرحة الشارع باعتلاء عمر سدة الوزارة.

لا مجال للشك أن عمر رئيس الوزراء ونائبه رجائي المعشر ورفاقهم بذلوا جهدهم عبر أيام عصيبة للخروج بقانون معدل لقانون ضريبة الدخل. وقرأت مسودة القانون كغيري من المواطنين. وأنا من المؤمنين أن ضريبة الدخل عنوان المواطنة. ومن المؤمنين أن هناك واجبا على كل مواطن فقيرا كان أم غنيا أن يدفع ضريبة المواطنة، كل بحسب دخله.

وأن للجميع حق خصم كلف معينة يتحملها المكلف من مثل كافة نفقات توليد ذلك الدخل وديمومته من مثل مصاريف النقل والسكن والدواء ونفقات عنايته بالأسرة. لكنني أعتقد أن هناك مستوى أدنى من الضريبة يتوجب على كل مكلف أن يدفعه ثم تبدأ الخصومات.

لا يجوز أن أكون مواطناً في بلدي دون دفع ضريبة المواطنة ويجب أن تبدأ الضريبة بمقدار لا يجوز شطبه مهما كانت أحوال المكلف. كتحديد مبلغ متواضع شهرياً يدفعه كل مواطن في سن التصويت في الانتخابات. ديناراً واحداً أو ديناران. وللحكومة بالطبع النظر في مجموع العبء الضريبي وتعديل توزيعه لكن دون العبث بضريبة المواطنة. وأضيف أن ضريبة المواطنة واجبة على كل مواطن أردني مكلف مقيم كان أم ظاعناً.

وأعجب من المحتجين الذين شهدتهم يناكفون الوزراء في الطفيلة يوم 15 أيلول. إن نظرة على دخول المحتجين تخبرنا أن معظمهم إن لم يكن جميعهم ليسوا خاضعين للضريبة بموجب القانون المعدل. فعلام الخلف بيننا إذن؟ وما الذي يضير المحتجين من القانون المعدل؟ إلا أن بياناً من شباب الكرك حول القانون المعدل أعجبني جداً. فهم يطالبون أن يكون القانون الجديد محفزاً للنمو والاستثمار كي يخلق النمو فرص عمل جديدة تتسع للداخلين في سوق العمل ويمكن بموجب ذلك علاج البطالة والفقر.

لا أتصور أن هناك أردنياً لا يحرص على حماية البلاد وعلى خدمتها، وأمامنا الشواهد الناصعة في ارتقاء الشهداء من أبناء الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة.

ونحن على يقين أن هناك محددات جدية على ما يمكن القيام به من إجراءات بعد أن بلغ سيل المديونية الزبى. ولا أظن أن الرزاز وحكومته ولا الملقي وحكومته مقصرين في أداء واجب خدمة البلاد وحمايتها. فلنكن للحكومة من الداعمين ففي دعمهم قوة لهم وقوة لنا. ولا ننسى أننا في حاجة للاستثمار الأجنبي كي نحقق النمو، وأن تغيير الإدارة قد يؤدي إلى تغيير الاجتهادات والسياسات وهو ما ينفر الاستثمار الأجنبي الذي يجاهد مليكنا لاجتذابه خلال الرحلات المتخصصة لذلك إلى أقطار العالم. فلنغرد في نفس الواد الذي يغرد فيه مليكنا، ولندعم من يجهد لتحقيق رؤاه وهو من يختاره لرئاسة الحكومة وفريقه. وكأني بالدكتور عمر الرزاز يغرد على موقعه:

ولو أنني أسعى لأدنى معيشةٍ كفاني، ولم أطلب، قليلٌ من المالِ

ولكنني أسعى لمجدٍ مؤثلٍ وقد يدرك المجدَ المؤثّل أمثالي

ويغرد أيضاً:

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي

هذه بلادنا ومأوانا ولا بلاد لنا غيرها ولا مأوى، فرفقاً بها وبأهليها، والله الموفق.

munther.haddadin@gmail.com