دون سبب معين طالعت من جديد كتاب «الرجوع إلى الأرض» للمرحوم سليمان عرار والذي نشرته المؤسسة الصحفية - الرأي ضمن سلسلة كانت الخامسة لعام 1990. وكتاب وجه القمر للمرحوم د. سليمان عربيات والصادر عن دار ورد للنشر والتوزيع في عمان عام 2012 بدعم من وزارة الثقافة.

بين سليمان وسليمان؛ ثمة قواسم مشتركة من النضال والعصامية والجلد والتجربة مع السياسة والهم العام والخاص، وثمة عنوان يلخص المسافة بين القمر والأرض والرجوع إليهما عند تدوين محطات مع الحياة والأمل والرجاء والتحول رأسا على عقب من محطة ومرحلة إلى أخرى.

في كتابه «الرجوع إلى الأرض»، يختصر الراحل سليمان عرار، مشاعره لحظة الاقتراب من الموت، إذ يسرد تفاصيل مرعبة عن «رحلة الموت» على متن طائرة عراقية تحطمت فوق الأراضي السعودية العام 1986، بعد أن كانت مسرحا لمعركة جوية بين حرسها وقراصنة جو اختطفوها خلال رحلة عادية من بغداد إلى عمان. سليمان وشقيقه خالد كانا من بين قلة نجت من تلك المجزرة الجوية ويقول: «هذه الخواطر مرت أمامي بزخم أحداثها كشريط أستطيع أن أقول عنها أنها نوع من المذكرات لكنها ليست مذكرات بقدر ما هي تداعيات جرت إليها الحالة. ولا شك وأنا في الطائرة انتابني خوف شديد جرني لأتذكر المرة الأولى التي خفت بها في حياتي عندما كنت طفلاً لكن ما حصل في السماء لم يكن خوف أطفال بل وقائع حصلت أمامي ذكرتني بكل ما حدث لي لأسرد هذه القصة التي تمنيت لو كانت أطول مما خرجت عليه لكنني في نفس الوقت خشيت أن تفقد عامودها الفقري».

وعلى الصعيد الشخصي، خاض عرار معركة مريرة مع القدر العام 1993، حين توفي ابنه محمد وهو في الثامنة عشرة من عمره، ولم يمض وقت طويل حتى عاد الموت الذي راوغه سليمان عرار في أواسط الثمانينيات ليضع حدا لحياة قصيرة نسبيا، ولكنها صاخبة بكل تأكيد. توفي سليمان عرار في 7/ 11 / 1998.

في كتابه «وجه القمر» أشار المرحوم سليمان عربيات :«بين الثمانين حولا التي دفعت بابن أبي سلمى إلى السأم، وبين الستين حولا التي كنتُ قد قطعتها في بداية التفكير بكتابة رحلة العمر هذه عشرون عاما كافية بما وهبني العلي القدير من إرادة قوية أن أظل متشبثا بالحياة ومفعما بالأمل حتى آخر المشوار، لولا نازلة دهياء وجدتها بانتظار على بوابة الألفية الثالثة جاهدتها ما استطعت، وكابرت كثيرا في تحديها، ولجمت النفس عن أي آه تخرج من صدر مكوي بالنار، ومع ذلك كانت هي المحرك الرئيس الذي دفع بي إلى الاستعجال بكتابة هذه المذكرات».

توفي د. سليمان عربيات في 23/10/2013 بعد رحلة عطاء ونقاء وطنية وأردنية وأكاديمية ونقابية ما تزال حاضرة بيننا ونحن نعد ممن علمهم الاقتصاد الزراعي والهم الوطني في رحاب كلية الزراعة في الجامعة الأردنية قبيل منتصف الثمانينات.

ما دفعني للإشارة إلى الرجوع إلى الأرض ووجه القمر هو ما نمر به من أحداث وتحولات وفواصل بين الإحباط واليأس والحاجة إلى فسحة من الأمل والتفاؤل تلك التي تصدى لها سليمان عرار وسليمان عربيات بعزم وتصميم خلال فترات كانت مؤججة بين الفكر النضالي والحس القومي والبعد الوطني والخيارات المتاحة.

وما دفعني إلى قراءة كتابي السليمانيين هو الحاجة للعودة إلى الأرض والصعود للقمر في آن واحد ؛ الأرض العربية التي ندافع عنها ضمن ما يسمى بصفقة القرن، والقمر الذي نرجو إن يضيء أشهرنا القادمة من العام الهجري الجديد بمعنى دوام العز والسداد للأمة الإسلامية للدفاع عن الإسلام والمقدسات في أرجاء المعمورة كافة.

العودة للكتاب والقراءة هو روح وجوهر التصدي لجميع التحديات التي تواجهنا ومثلما فعل سليمان عرار وسليمان عربيات قبل لقاء المولى جلت قدرته في علاه، البوح بإخلاص وصدق عن المسافة الممتدة بين المحاولة للنجاة واقتناص الفرصة لتوجيه الرسالة لمن يهمه الأمر.الرحمة لروح السليمانيين ولجميع من قدم لنا شهادته قبل أن يغادر الدنيا الزائلة إلى دنيا الحق الباقية.

fawazyan@hotmail.co.uk