حطّت الطائرة في مطار الملكة علياء الدّولي في حوالي الرابعة فجر يوم الجمعة قبل الماضي. رحلة العودة إلى الوطن في الطائرة كانت شاقّة. ساعات طويلة وأنت مقيّد في مقعدك، في التنقل بين مطار وآخر والجري والسّعي وتعتيل الحقائب بين بوابة وأخرى وكاونتر وآخر في مطارات قد تعرفها وقد لا تعرفها ذات لغات غريبة عنك.

كنت أنا وزوجتي قادمين من أوروبا على متن طائرة أجنبية. عائدين من إجازة كانت جميلة: بحار وأنهار وأرض لا تعرف لون ترابها من كثافة العشب والشّجر, أثار مَهيبة وشوارع وطرقات واسعة لا(تزمير فيها لا تفحيط لا تخابط على إشارة ضوئيّة ولا مواقف مثنى وثلاث ورباع)-هي ليست(شوفينيّة)أو للتقليل من قيمة بلدي, ولكن تمنّي بصوت عال, لبثّ الغيرة في نفوسنا على(الوطن)-. كانت إجازة من التمترس في مقعدك(كاللّوح)أمام التّلفاز يقذفون عليك بكلّ خبر سيّء...وما أكثرها, يستعرضون بسذاجة برامج ومسلسلات, هي خير ما يساعدك على النوم. عدنا إلى الوطن الحبيب الأجمل والأعزّ والأكرم...وطننا.

تصل مباني مطارنا. تدخل مبنى القادمين, سكون(عميييق) وهدوووء يعمّان أرجاء المكان. تسير حتى تبلغ مكان تسجيل القادمين. هنا, يقدّر النّشاما أنّك تَعِبٌ مرهقٌ فيسارعون في الإنجاز في تسجيل الدخول وختم جواز سفرك، وفي مواقع استلام الأمتعة, قد تنعطف على...(دكّان)السوق الحرّة, وبعدها الجمارك. كلّ ذلك يتمّ بسهولة ويسر يخفّف من عبء مشاق السّفر. تحيّة لهم.

لا تكاد تخرج من بوابة مبنى القادمين تدفع عربة أمتعتك وأنت...نصف نائم(إمدروَخ، مسطول)حتى تفاجأ بعملاق يبرز من لا مكان, خرج من قمقم...يعترض طريقك, (يهجم) ُيغير على عربتك, يمسكها بكلتا يديه, يبخّ عليك وبحشرجة تخضّك وتزعزع مفاصلك المرخوّة أصلًا:»بدّك سيارة أجرة؟!». تندهش تستغرب تتساءل:»هل تطوّرت الخدمات إلى حد استقبال المسافر على باب المغادرين وربّما غدا( من على سلّم الطائرة) بمن يعرض عليك خدمة(سيّارة تاكسي)!؟».

من هول المفاجأة التي شلّت تفكيرنا وسط التعب الشديد والشوق الى المنزل, أشكل عليّ الدّرب الصحيح,و إستسلمت لهذا العملاق(غير المريح)الذي جرّنا خلفه بعد أن زمّ عربتي أمامه وانطلق بها. فوجئنا بأنه دخل بِنَا المصعد المؤدي للطابق العلوي. أنا أعلم أن الطابق العلوي مخصص للمغادرين ولكنّ كنّا...(مشدوهين مُسيّرين منوّمين مقروء عليّنا).خرجنا من المصعد فوجئنا بآخر من نفس الزّمرة... يتخاطف عربتنا والرّفيق الأوّل :(أنا ما استفتحت لهلّأ!)،(مش على خاطرك تلطش الزّبون!),(مش على كيفك!) عربدة وصراخ والإثنان متشبّثان بالعربة المنكودة بين شدّ ودفع كأنّ ليس لها صاحب!و(دون احترام لوجود سيّدة محترمة). تمكّن الثاني من نزع العربة والسيطرة على الغنيمة. هنا استيقظت. رفضت الركوب إلّا بسيارة(أجرة بنمرة خضراء) خاصّة بالمطار وشددت عربتي, لكن:.

إستمرّ(القبضاي)المنتصر في جرّ العربة, أنا أسحبها وهو يشدّها حتّى توقّف أمام سيّارة مكتب تأجير سيارات سياحيةّ. أشار الى(النّتفة)الخضراء على لوحتها»بدّك سيارة بنمرة خضرا...(شوف) الخضار عليها!». رفضت رفضًا باتًا وشددت العربة من يده بقوّة واصرار وعدنا إلى( طابق القادمين)عبر المصعد كلّ منّا متشبّث بعربته. رأينا مكتب سيارات أجرة المطار. عدنا بالسلامة والإحترام في واحدة منها مع سائق دمث خلوق...(لم يفتح فمه) طوال الطريق.

أتساءل!!أنا(المواطن)...وقد أُشكل عليّ الذهاب إلى هدفي بعد الوصول, رأيت العنترية و(قلّة الحياء):»ماذا عن السائح !, ماذا عن الزائرالغريب!, ماذا عن سيّدة منفردة وصلت في عتمة الليل!!». معابرنا خاصة مطار الملكة علياء الدّولي هي العنوان, الإنطباع الأول الذي يرى الزّائر من خلاله بلدنا. كنت أتمنى أن يكون ختام رحلتنا مسك, كان من الممكن أن يكون ختامها !!!-من يدري؟- لكن الله سلّم. تذكّرت ما يحدث على معبر الجسر للقادمين من هناك من ضفّتنا الأخرى بعد خروجهم من قاعة القادمين, يبيعون ويشترون فيهم... كركّاب, أدهى وأمرّ.عيب كبير. من المسؤول!؟

في الطّريق الى منزلنا سَرَحت. كان صوت مؤذّن الفجر رخيمًا مهيبًا يبعث الطّمأنينة في النّفس. فجأة...أفقت(نطزت) على صوت(زامور)بوق مركبة يصرخ ينعق في عظامي. عندها فقط تأكّدت أنني قد وصلت...عمّان...ما أحلى الرّجوع إليها.

mbyaish@gmail.com