كتب- د.صلاح العبّادي

78 عاماً.. شكلت تاريخاً لحكايات شهبندر التجار الحاج حيدرمراد رحمه الله.. الذي غيبه الموت أمس.

بنى نفسه معتمداً على نفسه، وشق طريقه وسط احداث عصفت بعائلته، التي تنتمي إلى عالم التجارة، فأدت بها إلى الإفلاس، إلا أنه تمكن من النهوض بالتجارة.

مراد الذي ولد في قطاع غزة عام 1940 اختزل في ذاكرته - رحمه الله- الكثير من الاحداث. وقصصاً متنوعة اظهرت تاريخة العصامي، رغم أنه نشأ في أسرة ثريه، عصفت بها رياح الافلاس عام 1958 لكنها استعادت ثراءها من جديد بفضل الله، وبحنكة والده عيسى مراد رحمه الله.

قضى سنواته الأخيرة في مكتبه الكائن في شارع الملك عبد الله الثاني في الإشراف على تفاصيل مهمة في حياته اليومية، بعيداً عن مزاولة الأعمال التجارية. فهو يؤمن بأهمية العمل الخيري الذي تولاه بنفسه، في اطار مساعدة مكروب، أو تمكين شاب من استكمال مسيرته الدراسية، أو تزويج أحدهم.

احتفظ الحاج مراد بعلاقته الاجتماعية الواسعة؛ فهو قامة اقتصادية ووطنية ، حظي باحترام كافة الأطياف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على حد سواء.

من كان يجلس معه للمرة الأولى يتولد لديه الشعور بأن معرفته لم تكن وليدة دقائق، بل تعود لعقود من الزمن. لأنه يأسر الآخرين بعفويته وبساطته وحكمته التي اكتسبها من خلال تجارب الحياة ومعاركها التي خاضها عبر عقود من الزمن. جراء عواصف الحياة التي تجاوزها من غزة؛ حيث كانت الحكاية؛ عندما كان والده رحمه الله يحترف التجارة؛ ويستورد القمح والزيت والتمر والصابون وغير ذلك من سلع رئيسية، من بيروت عبر البحر الذي تطل غزة عليه؛ قُبيل أن تلحقه الخسائر الفادحة في نهاية خمسينيات العقد الماضي، بعد غرق الباخرة التي كانت تقل بضاعته في البحر، وخسارة كل ما لديه من مال.

تلك السنوات كانت راسخة في عقلية الحاج ابو عيسى ولا يمكن نسيانها خصوصاً وأن والده تحول من شخص ثري إلى فقير للمال، لكنه غني بعفة نفسه.. حتى أنه كان يذهب إلى السوق سيراً على الأقدام لمسافات طويلة، ومتذرعاً بأنه يحب مزاولة رياضة المشي؛ حتى لا يكشف للآخرين واقع حاله، وأنه لا يملك النقود التي تمكنه من أن يستقل وسيلة للنقل.

في العام 1956 كانت غزة تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، وتحتاج لمن يستورد لها البضائع والسلع التي يحتاجها أهلها، الأمر الذي دفع الحاكم العام في ذلك الوقت لاستدعاء والده رحمه الله والطلب منه أن يقوم باستيراد ما تحتاجه بلدته من سلع مختلفة خصوصاً القمح والطحين. عندها غادر إلى بيروت برفقة (4) من التجار الذين اختارهم الحاكم، وكانت الحكاية من جديد.. خلال السنوات التي سبقت انتكاسته الاقتصادية كان والده قد بنى علاقات وطيدة مع كبار التجار في بيروت، بفضل صدقه في تعاملاته التجارية، وهو ما دفعهم للالحاح عليه بتزويده بالبضائع وارجاء استرداد أثمانها إلى حين..وبذلك عاد للتجارة من جديد، وأخذ يوفي بالتزاماته المالية المترتبة عليه لتجار لبنان، ويحقق الأرباح وأعاد ثروته إلى ما كانت عليه.

في مطلع الستينات توجه الحاج حيدر مراد لاكمال دراسته في جامعة القاهرة، وتخصص بالاقتصاد في كلية التجارة التي تخرج منها في العام 1964.

وخلال فترة دراسته كان يتصف بالرصانة والثراء، ويعرف ببعده عن السياسة في تلك المرحلة الحبلى بالأحداث السياسية.

دخل التجارة مع والده بشكل تدريجي مستفيدا من خبرته التراكمية، وعمل في مجال بيع الأدوات الصحية بشكل منفرد، قبل أن يسافر والده إلى بيروت من جديد، وفي ذلك الوقت دخلت قوات الاحتلال الاسرائيلي إلى قطاع غزة، فأخذ يدير تجارة والده، قبيل أن يتجه والده من بيروت إلى الأردن ويفتح محله في عمّان لمزاولة تجارة الحبوب.

جاء الحاج حيدر مراد رحمه الله إلى عمّان في منتصف الستينيات بناء على رغبة والده -الذي كان يحب جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله، وكان يشعر بأن الأردن أقرب البلاد العربية اليه - وأخذ يدير تجارته بحنكة.

كُرمت عائلة عيسى مراد وأبناؤه من خلال منحهم الجنسية الأردنية، تقديراً لدورهم الاقتصادي، وعاد والده وأفراد أسرته الآخرين إلى غزة. واخذ الحاج حيدر رحمه الله يدير تجارته التي طورها في العام 1968 لتجارة الأجهزة الكهربائية التي بدأها بمحل متواضع كان في طلوع المصدار وسط العاصمة ليؤسس لاحقاً إمبراطورية لبيع الأجهزة الكهربائية.

توفي الحاج عيسى مراد في غزة وجاء الحاج ابو عيسى – رحمه الله- بأشقائه إلى عمّان للعمل.

حصل مراد رحمه الله على ثقة التجار منذ أن ترشح للانتخابات للمرة الأولى في العام 1986، ونال أعلى الأصوات.

عندها استمر بخوض انتخابات غرفة التجارة من أجل الدفاع عن حقوق القطاع التجاري ومساعدتهم وايصال صوتهم للحكومة.

حقق رغبة والده الذي كان قد خاض الانتخابات في العام 1970 ولم يكتب له النجاح، لكنه «فاز بالتعريف عن نفسه» كما كان يقول.

رغم أن والده لم يجد القراءة والكتابة، لكنه تجاوز اميته، على يد شيخ من الكتاب كان يزوره في بيته، لتدريسه مقابل «البيضة والرغيف «.وكان يقول الحاج مراد رحمه الله إن أكبر الدروس التي تعلمها من والده بأنه كان يقوم بملء اكياس من الملح وبيعها بنفس السعر التي اشتراها فيه، حتى يكون انطباعا عند الآخرين بانه مازال قادراً على الوقوف والصمود في وجه الخسارة المالية التي مني بها في نهاية الخمسينيات، ومن ثم أصبح يشتري ويبيع الحبوب بنفس السعر.

كانت الحياة بالنسبة لشهبندر التجار أكبر مدرسة تعلم فيها على يد والده رحمه الله الكثير من الدروس التي لا تنسى، عندما كان يتقن فن التجارة ويتجاوز الأزمات التي كانت تعصف به.

في عام 1963 تزوج المرحوم «ابو عيسى» من سيدة غزية من عائلة اللولو وانجب منها ثلاثة أبناء أكبرهم عيسى ويوسف وعلي، وثلاث بنات؛ جميعهم يعملون بشركته.

قمة الوفاء للحاج عيسى مراد بأنه كان يكن بالفضل لزوجته، التي كان يرى فيها الاخلاص والوفاء، ويصفها بـ» شراع السفينة» التي يبحر من خلالها إلى شط الأمان. فهو الذي كان يردد على الدوام عبارة» «وراء كل رجل عظيم امرأة وأم عيسى كذلك».

طور الحاج حيدر مراد رحمه الله شركته بشكل تدريجي حتى غدت من أكبر الشركات التي تستورد الأجهزة الكهربائية، ووفرت مئات فرص العمل للشباب، وتخرج منها الكثير من الموظفين الذين امتهنوا التجارة فيها، وقاموا بـ»فتح محلاتهم الخاصة».

كانت قصة ترشحه للانتخابات بدأت عندما قرأ اعلانا في الصحف حول فتح باب الترشيح لعضوية غرفة تجارة عمان للانتخابات عام 1986، عندها قرر ترشيح نفسه كمنافس لكبار التجار في الاردن، حتى أنه ذهب إلى منزله دون انتظار نتائج الفرز، لتكون المفاجأة بأن زوجته توقظه من نومه لأن محافظ العاصمة يطلبه على الهاتف؛ ليبلغه بخبر فوزه.

أكثر من ربع قرن امضاه في خدمة القطاع التجاري في الأردن وكان يقف وراء استحداث غرفة للتحكيم داخل غرفة التجارة، كان لها انعكاساتها الايجابية، في التوصل إلى حلول مرضية حول القضايا التي تعترض التجار.

الحاج حيدر مراد رحمه الله رافق جلالة الملك عبد الله الثاني في زيارات خارجية باعتباره نموذجا مشرقا للاقتصاد الأردني.

كان رحمه الله يفتخر بسمعته الطيبة في الوسط التجاري، وبأنه «لم يرجع له شيك طوال تلك العقود الماضية»، وهو ما رآه يعود إلى فطنته وحنكته التجارية، وعدم استعجال الأمور قبل أوانها، لأنه أدرك في وقت مبكرا أن التجارة تكبر بالتدرج.

علم التجارة إلى أبنائه من الذكور والاناث على حد سواء، والأحفاد يسيرون على الطريق ذاتها، وكذلك دفع الحماسة في ابنه عيسى الذي خاض انتخابات غرفة التجارة ويتربع على كرسي رئاسة غرفة تجارة الأردن وحصوله على أعلى الأصوات، ليمد يده لكل من يطالب منه النصح والتوجيه أو المساعدة دون أن يبخل على أحد بالرأي السديد.

كانت سعادته تكمن بأنه كان عضوا في مجلس الأعيان منذ أن تولى عضويته للمرة الأولى في العام 2001، وأسهم في ايصال صوت التجار لقبة البرلمان، وكذلك شغل عضوية مجالس إدارة شركات مختلفة.

كان رحمه الله يرى أن العمل الخيري والتطوعي هو ركيزة أساسية في حياته؛ إذ اعتاد على ممارسة هذا الجانب منذ شبابه، فهو يشعر أنه في قمة السعادة عندما يتحسس أوجاع الآخرين ويقدم المساعدة لمن يحتاجها.

كُرم رحمه الله من قبل جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه الذي منحه وسام الكوكب الأردني من الدرجة الثالثة تقديراً لدوره في مجال الأعمال الخيرية والتطوعية وخدمة المجتمع، وفي عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بمنحه وسام الاستقلال الاقتصادي..

مسيرة الحاج حيدر مراد كانت حكاية لتاريخ اختزل فيه قصصا يُفتخر بها، لأن في كل واحدة منها عبراً ودروساً تحكى لمن يريد أن يسير على طريق النجاح؛ فهي تظهر بأن العصامي والمثابر لا بد أن يحقق طموحه وأن بالارادة يمكن تجاوز عثرات الزمان.