إربد-أحمد الخطيب

ربما تُذعِن المدينة لخضرتها، وهي تتأمّل شاعراً ما، أو مبدعاً طَرَق أسرار قشرتها الأرضية، وانتحى جانباً ليلتقط معادنها النفيسة في الباطن المتحرك، وفق أبسط القواعد الهندسية، أو أصعبها تعقيداً، غير أنها لا ترى في مكوكية الحركة التي يُنشئها المسؤولون على أرضية الميدان، إلا ذلك الصّيد الذي يرصده مصوّر جاء منتشياً بعين كاميرا هنا، وكاميرا هناك، ليلتقط مساحات رمادية لفضاء أبيض، يَعْبر مَرْجل الزمن، ليخلّد اللحظة البائسة.

المفارقة العجيبة في ديمومة هذه الحركة، وما يرافقها من زخرف القول، تكمن في ذلك التضاد الهائل في حركة المسبار الذي ينطلق من قاعدته، ليعود محملاً بكمّ هائل من المعلومات بعد أن يخترق جملة من الحجب التي رصفَ أقمشتها القائمون على الفعل الميداني، ليجد المسبار أوعية «خائرة القُوى»، لضيق اليد، و «ذوات» استفحل فيها الصوت، لعدم اكتمال الرؤية، واندثار الفعل في بنيتها لأسباب كثيرة، أهمها، غياب الفعل المؤسسي في كثير من مؤسساتنا، وارتهانه لحسابات «القادم» أو»الراحل» مع كلّ هبّة ريح تطال هذه المؤسسة أو تلك.

منذ أن أصبح المعنى الصامت يترجّل مع كلّ تشكيل وزاري عن برجه العاجي، وصار مادةً يستنسخها كلّ من أراد أن يستزيد امتلاءً، ومنذ أن أصبحت العلاقة بين الهيئات الثقافية في المملكة ووزارة الثقافة مفتوحة على « أريد» من قبل الهيئات، و» وفق الإمكانات» الإجابة المثلى للوزارة، ومنذ أن غاب الوجه الحقيقي للعلاقة السويّة بينهما، بدأنا نرى زحف العناكب على بنية الفعل الثقافي، الزحف المترهّل الذي أصاب جوهر الإبداع بمقتل.

يلفت عدد من المبدعين إلى أنه مع كلّ زيارة ميدانية، تتجدّد المماحكات والمشاحنات، تتجدّد بؤرة اتساع الهوة بين حقيقة المثقف ووهْم المثقف، حقيقة المثقف المشغولة بأهداب العين، ومرارة الانتباه لأدق تفاصيل الحياة، الحقيقة التي تراهن عليها الأمم الحضارية، ووهم المثقف المستند على رماح الوساطات، وملء الفراغات، وانتظار الأعطيات، بعد الغياب القسري والقهري الذي مورس على فضاء المبدع وأجندته.

وينوّه آخرون ممن عايشوا الحراك الثقافي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بنبض التشكيل الثقافي الذي كان حاضراً آنذاك في فسيفساء العمل الجمعي، رغم قلة عدد الهيئات الثقافية، حاضراً في تشكيل حركات ثقافية وإبداعية متجددة، إذ كنا نتحسس ذلك التكامل العضوي الذي تحدثه الهيئة الثقافية في طريقها للوقوف على المنتج الإبداعي وصاحبه، وكنا نتلمس الاهتمام الجماهيري الكبير الذي كان يسعى لحضور الأمسيات والمؤتمرات الإبداعية، غير أن ذلك كله أخذ بالانحسار، بعد جملة القوانين الناظمة لتأسيس منتديات وجمعيات بالجملة، أدّت إلى تشظي الفعل الثقافي بأنواعه، وجماهيره، وبعد أن تآكلت الموارد، فبدأنا نرى الزيارات المكوكية التي يقوم بها الوزراء للوقوف على متطلبات العمل الميداني، لمعالجة الخلل الذي أصاب بنية العمل الثقافي، فتأمّلنا خيراً، غير أن هذا التأمّل سريعاً ما ذهب في قمصان الروتين، بعد الزيارة الثانية، والتي أعادت طرح ما كان في سلّة الزيارة الأولى، دون أدنى نظر إلى أجندة الزيارة الأولى، وهكذا، أصبح معلوماً لدى العامة من الناس، وربما النّخب الثقافية، أهداف الزيارات المتكررة، والأسئلة التي تطرح، والإجابات المعدّة مسبقاً.

ويتعجّب عدد من المشتغلين بالشأن الثقافي، من الأسئلة التي ترافق طلبات الهيئات الثقافية، التي تتمحور غالبيتها حول المحور نفسه، عند كلّ لقاء مع وزير ثقافة مع الهيئات الثقافية في المحافظات، والإجابات التي يدلي بها الوزراء، لافتين النظر إلى عجز البنية التشكيلية التي تربط الوزارة بقاعدتها الميدانية، إذ ليس من المعقول كما يقولون، أن تبقى الأسئلة والطلبات الخاصة بالشأن الثقافي ذاتها منذ أعوام مضت، هي نفسها التي يطرحها القائمون على الفعل الثقافي الميداني في عامنا هذا، وليس من المقبول أيضاً أن تأتي الإجابات في عامنا هذا، مطابقة للإجابات التي أفرحتنا قبل أعوام مضت، والتي توسّمنا فيها خيراً ورافداً للفعل الثقافي، غير أن الكرّاس الذي كتبت عليه الأسئلة والطلبات والإجابات رَحَل مع رحيل الوزير، أو رُحِّل إلى حين عودته مع تشكيلة أخرى لوزارة أخرى.

بين طاقة الوزارة ومواردها، الرسالة التي يحملها كلُّ وزير في جولاته، وبين حقّ الهيئات الثقافية، لسان حال الكثيرين من رؤساء وأعضاء الهيئات الثقافية، استنسختْ الزيارات، كما يرى عدد من الذين وقفوا على أكثر من زيارة، حتى صار للمتبصِّر الوقوف على الأسئلة وأجوبتها، مع تغيّر الوجوه، والأمكنة، فكيف يُعقل أن يفي وزير بما تقترحه الهيئات التي ناهزت 700 هيئة في ربوع الأردن، التي غالباً ما تتركز على أجرة المقرات، كيف له أن يفي بذلك، وما تحت تصرفه لا يكاد يغطي شؤون وزارته وأعمالها، بالمقابل، ألا تستطيع الهيئات الثقافية ممارسة الضغط على القطاع العام، لكي يتحمل مسؤوليته بدعم الحصن الأخير لهذه الأمة، أو الذهاب إلى برامج ربحية تغطي جانباً من الجوانب الضاغطة على هذه الهيئات، أو الذهاب إلى دمج الهيئات ذات التخصص الواحد، كأن تدمج الهيئات التي تقوم على الأدب وفنونه في جمعية واحدة، والتي تقوم على الفن التشكيلي في ملتقى واحد، وتلك التي تُعنى بالإيقاع المجتمعي، كالتراث والمأكولات الشعبية وغيره، في منتدى واحد، لنصل إلى جمعية واحدة متخصصة بالأدب، وأخرى بالفن، وثالثة بالتراث، لنذهب بعيداً في تقليص عدد الهيئات، ليصار إلى تأطيرها في مائة هيئة متخصصة مثلاً على مستوى المملكة بدل سبعمائة هيئة.

ويتساءل آخرون: ما الداعي لزيارة الوزير إلى قاعدته وروافع وزارته؟، هل للوقوف على معوقات هذه الروافع، أم لغاية في نفس يعقوب، أم أنّ البرامج المعدّة وزارياً تتطلب ذلك، وما الداعي لأنّ تبقى العلاقة بينهما، مشوبةً بطرح الأسئلة وتلقّي الإجابات؟!، الأسئلة التي أصبحت مثار تندُّر، والأجوبة التي أصبحت واقعاً بيّناً نراهن على أنّه لا يتعدّى كونه « هكذا تُورد الإبل»، وما الداعي لأنْ يُخرِج رؤساء الهيئات الثقافية قصاصة الورق التي كُتبت منذ التأسيس، نريد دعمكم، وعليكم تلبية ما نريد، ألم يفكر هؤلاء بنجاعة الدّمج التي سوف تجعل الهيئات الثقافية تعيش في بحبوحة المورد المالي أولاً، وتكاتف المبدعين ثانياً، وتجانس الأعضاء إبداعياً ثالثاً، وخلق جمهور عريض ينتشي به المبدع رابعاً، بعد أن تآكل هذا الجمهور وأصبح لكل هيئة جمهورها الذي لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.

الحجّج التي تسوقها الهيئات الثقافية عند سؤالها عن تردّي الحالة الثقافية للأنشطة التي تقام على مدار اليوم، هي « المورد المالي»، وعند سؤالها عن غياب الجمهور، تتوقف الألسن عن مدار الإجابة، لا لشيء، كما يؤكد عدد من الذين خلدوا إلى بيوتهم من المبدعين، إلا لأنّ تأسيس الهيئات جاء إمّا عشوائياً، أو لمصالح ضيّقة لعدد من الأشخاص اختلفوا مع آخرين على المناصب أو على نشاط ما، وإذا ما دقّقنا النظر في الهيئات العامة التي تتكون منها، سنجد أنّ الواحد يحمل في جعبته أكثر من عضوية، فهو عضو في هيئة أدبية، وأخرى تشكيلية، وثالثة فنية، وربما عضوية أخرى في جمعية لحفظ التراث، ولا نجانب الصواب إذا ما قلنا عضوية نادي رياضي، فما الداعي لهذا التشتّت الذي أحدثه قانون الجمعيات الذي يجيز لسبعة أشخاص، وربما يكونوا من « عائلة واحدة»، تأسيس هيئة تضاف إلى هذا السيل الجارف الذي يجتاح مدارج الهوية الثقافية، وهو لا يملك مقوّمات الجريان في الينابيع الصافية.

يرى كثير من المبدعين على مساحة الوطن أنّ الزمن يسير بسرعة الصناعات الذكية، فإذا توقفنا عن تتبع مساربه، وموازاة شرارته التكوينية، ولم نشتغل على تحصين الثقافة « الحصن الأخير للأمة» من التجاذبات الشخصية، والتشظي، فإن قطار الحياة المشمولة بتأملات المبدعين خاصة، والمجتمع عامة، سيتوقف عند محطة التفريخ التي أنشأها قانون الجمعيات الذي وضعنا أمام يافطات عريضة عند كل شارع، تؤشر على هيئة هنا، وهيئة هناك، القانون الذي وضع مخرجاته في سلّة العائلة الواحدة، والشخصنة، والرؤية الفاقدة لمشروعها الحقيقي، بعيداً عن الصورة الأبهى للوطن الأجمل الذي يحتاج منا في وقتنا هذا إلى أن نكون يداً واحدة، أو أعواداً مجتمعة في حزمة واحدة، يصعب كسرها.