وليد سليمان

الكاتب والباحث المعروف «عبدالله توفيق كنعان» أخذنا في جولة هامة مع سيد فن الطعام في عمان والاردن عموماً،ألا وهو «صبحي جبري» الراحل عام 2002 والمولود عام 1919.

وذلك من خلال كتابه الصادر في عمان العام الماضي هو أشبه برواية أدبية عن قصة حياة وكفاح الشخصية الاقتصادية الاردنية «صبحي جبري»والتي استمد وقائعها من حوارات سابقة على مدى سنوات مع صبحي جبري نفسه, وذلك بحضور صديقه ايضا «فايز ناظم القدسي» الذي اشترك في الحوارات واللقاءات مع جبري ومع آخرين تحدثوا عن جبري لما لهم من علاقة وتجارب معه في حياته المليئة بالصعاب والنجاحات والابتكارات الاقتصادية الاردنية .قالوا عن صبحي جبري:

العديد ممن عرفوا صبحي جبري تحدثوا عنه بإعجاب في كتاب "المعلم صبحي جبري – الطريق الى القمة" ومنهم مثلاً:

- لقد بدأ صبحي جبري ابو محمد من الصفر، ووصل الى قمة الابداع والتطور، كان ديدنه أولا وقبل اي شيء العمل بما يرضي الله فعلا وليس قولاً فحسب، وكان فعله يُلخص بكلمة واحدة هي "الاتقان" (عوني توغج).

- كان صبحي جبري سيد فن الطعام بلا منازع، فهو فن من اصعب الفنون واكثرها اتعاباً ومشقة، فليس الطعام قميصاً او قطعة من معدن او مركبا ًمعروف المعالم والسمات.

- نستذكر هذا الرجل العصامي الكبير وكيف بدأ بثلاث طناجر وبضع صوانٍ، لينتهي مع مشواره بسيارات للطبخ مجهزة للترحال الى اي مكان في الاردن ، حتى انه اصبح قادرا على تقديم الطعام في حفل غداء او عشاء لعدد يتجاوز ثلاثة آلاف انسان دفعة واحدة (عبدالله كنعان).

- لم يكن جبري يتبرع للمساجد فقط بل كان يتبرع ايضا لكل من يلجأ اليه بغض النظر عن اية اعتبارات، ولم يكن يفرق بين مسلم وغيره، بدليل انه كان يتبرع الى بعض الجمعيات المسيحية التي كانت تطلب مساعدته (علي منها).

- ابو محمد جبري أحد رواد الاردن، فهو الاول الذي انشأ مزرعة نموذجية للابقار، ومصنعا للالبان، ليكون في الطليعة وليحذو الاخرون حذوه، فمثلما كان الاردن يفاخر بما يملكه من آثار في جرش والبتراء والمدرج الروماني، فقد كان لا بد للزائرمن خارج الاردن المهتم بشؤون الاقتصاد , ان لا يخلو برنامجه من زيارة مزرعة صبحي جبري ومؤسسته العريقة (صلاح ابو زيد).

- استدان الراحل صبحي جبري (130) دينارا من الحاج عمر البعلبكي ليدفع ثمن المطعم البسيط لوالده – الذي عاد الى دمشق – وقد سددها على اثني عشر شهراً, وفي العام 1947 انشأ مطعمه الجديد في شارع الملك حسين، ولغرض التطوير والتوسعة فيما بعد استدان جبري من الطباع مبلغ ستمائة دينار.

وفي هذا المطعم بدأت شهرته, واصبح اسماً معروفا لدى النخبة في العاصمة الاردنية عمان، حيث كان يتردد عليه كبار الموظفين والمهنيين، وكان يحرص ان يقدم ويخدم الزبائن بنفسه. وكان مطعمه في المساء يعج بالمثقفين والسياسيين وميسوري الحال في ذلك الزمان (محمود الكايد).

- كانت حياة والدي هي عمله، وعمله كان هوايته.. وعندما كان يصطحبني في السفر فلا أبالغ ان قلت انني كنت اشعر بأنني لا اسافر مع اب.. بل مع صديق، فهو امتع في السفر ولا احلى ولا اجمل من هذا الرفيق، كانت الرحلة فيها المرح والفرح والضحك، ولم احاول يوما ان اغير من طبيعته او مزاجه، كنت أهيئ نفسي لتكون معه وليس العكس، هكذا كنت احبه، يصطحبني الى البلدان الاوروبية من اجل العمل، فمن ألمانيا نستورد النشا، ومن فرنسا نستورد السمن، ومن بريطانيا المعدات (يوسف صبحي جبري).

- كان صبحي جبري يشرف اشرافا مباشرا طوال الوقت على كل كبيرة وصغيرة في مطعمه، منذ بدء العمل حتى قبل وفاته ببضعة اشهر, عندما اقعده المرض عن العمل فقط، فليس له في حياته اليومية الا مطعمه، واسعد لحظات حياته هي اتقانه لعمله، ، وكان اذا ما شعر بان الطبخة سواء كانت طعاما او حلويات على غير ما كان يرجوه، فانه كان يقوم فورا بالغائها، ويطلب من العمال اعادة الطبخ من جديد، لذلك هذا هو سر نجاح هذا الرجل العملاق (عبدالله كنعان).

مين بدو يصل لعندكم؟!

مصطفى شركس ابو درويش كان صديقا وفيا لصبحي جبري، ومن المعروف ان ابا درويش كان قد تبرع ببناء المسجد المسمى باسمه " مسجد ابو درويش " الشهير والمميز بحجارته البيضاء والسوداء, في اعلى منطقة في عمان آنذاك وهو جبل الاشرفية، وذلك عام 1964.

وفي فترة الاربعينيات من القرن الماضي اتفق الشقيقان تيسير وصبحي جبري ان يشتركا معا في انطلاقة جديدة في امر الطعام والمطاعم، انهما يريدان الخروج من المحل الصغير في شارع الهاشمي – قرب سبيل الحوريات – فهل يتركانه ام يبقى المحل القديم والصغير!.

فانعقد رأي الشقيقين على فتح مطعم جديد في شارع السلط في عمان، وان يبقى مشغل الطعام في دخلة من دخلات شارع الهاشمي، لان صبحي كان يشعر بان المشغل كان (وجه الخير)عليه, فقد رزقه الله وربح ربحا حلالاً, منذ ان عمل فيه وعرفه الناس بواسطته، فلا بد من الاحتفاظ به والابقاء عليه.

اذن سيكون موقع المحل الجديد في شارع السلط، وهكذا قرر الشقيقان بعد بحث طويل، فالمحلات القريبة وسط البلد في عمان مرتفعة الاجرة، اما هذا المحل في شارع السلط فهو بعيد عن وسط البلد واجرته رخيصة.

وللدلالة على بُعد المحل الجديد قال لهما مصطفى شركس "ابو درويش" عندما ذهبا يستشيرانه في امر فتح مطعم في اول شارع السلط ,حيث استهجن الأمر وقال لهما: (انتم مجانين.. مين بدو يصل لعندكم اذا اراد الغداء او العشاء او اكل الحلوى)، هذا المحل بعيد، والشارع اليه غير مُعبد حتى الان وكان ذلك عام 1947.

لكن رؤية الشقيقين ربما كانت أبعد، ولعل رخص- قلة - اجرة المحل لعب دورا في ذلك ايضا فعقدا العزم على استئجاره، وهم يعرفان ان اهل عمان اعتادوا ان يلتقوا في معظمهم عند ساحة الجامع الحسيني، وجانب السيل، وشارع طلال والمهاجرين، هذه كانت اسواق عمان الرئيسية، اما المحلات في بداية شارع السلط فكان من بناها يريد تأجيرها كمستودعات او ما شابه ذلك، وليس كمطعم او محل للبيع!.

طعام للملوك والامراء

اول الملوك والامراء الذين قدم لهم صبحي جبري الطعام في احتفائهم بضيوف الاردن، كان المغفور له الامير عبدالله الاول – الملك المؤسس، وذلك في العام 1945، إثر انتصار الحلفاء وانتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد اراد سمو الامير عبدالله الاول ابن الحسين ان يقيم حفلة يدعو لها عددا من رجالات البلاد واعيانها، ويقول هنا صبحي جبري: عملت خروفين تم وضعهما على مائدة سمو الامير، اما باقي الموائد فقد وُضع عليها حسب طلب رضا توفيق – سكرتير الامير عبدالله الاول – صُرر اوزي وهي اكلة معروفة لدى معظم سكان اهل الشام، اذ يوضع الارز واللحم والصنوبر وبعض البازيلاء او الجزر احيانا داخل عجينة رقيقة تُصنع لهذه الغاية، ثم تُطبخ في الفرن بحيث تكون على شكل كرات صغيرة وهي لذيذة الطعم عند تناولها مع اللبن والسلطة.

وفي حفلات طعام اخرى فيما بعد من السنين قدم صبحي جبري خمسة خرفان دفعة واحدة على مائدة الوجيه المعروف صبري الطباع، الذي دعا على مائدته السياسي العراقي الشهير (نوري السعيد) رئيس وزراء العراق، ففي الاربعينيات من القرن الماضي حيث كان يتردد على الاردن بكثرة هو والموالون للهاشميين، وهكذا انتشر الخبر ان صبحي جبري سوف يطبخ خمسة خرفان دفعة واحدة، وجبري يجهز الطعام لنوري السعيد، لقد اصبح جبري مشهورا جدا، انه يجهز الطعام للوزراء والامراء، وتلك شهادة ما بعدها شهادة.

ومن خلال كتاب الباحث عبدالله توفيق كنعان فقد كانت هناك تفاصيل اخرى حول الموائد الملكية التي قام على اعدادها صبحي جبري بطلب من جلالة الملك الراحل المغفور له الحسين بن طلال.

ويقول المؤلف عبدالله كنعان: لقد كان صبحي جبري يحب الملك الحسين والامير الحسن وكل افراد العائلة الهاشمية، وكان جلالة الملك الحسين رحمه الله يحترمه ويقدره، وكان صبحي يقول لنا:

انني ارى في ابتسامة الملك علامات الرضا والمحبة، عندما كان يراني ويسلم عليّ بعد انتهاء حفل عشاء او غداء، كان يقام بأمر جلالته بمناسبة من المناسبات المختلفة، ففي احدى المناسبات كان الملك حسين يقيم مأدبة غداء او عشاء – لم أعد اذكر – تكريما للرئيس التركي، فما كان من "ابو محمد" إلا ان وضع بعض اصناف الطعام التركي ضمن الوجبات، مما لفت نظر الرئيس التركي الذي حدّث جلالة الملك عن ذلك بقوله: "انه اطيب من طعامنا الذي نطبخه، فأمر جلالة الملك باستدعاء "ابو محمد – صبحي جبري) حيث اخبره جلالته عن اعجاب الضيف بالطعام التركي، وتكريما له تم اخذ صورة تذكارية، فقد وقف جبري في الوسط بين جلالة الملك وضيفه التركي.

ومما قاله قديما اللواء حكمت مهيار: ان المرحوم وصفي التل كان من زبائن صبحي جبري وهو الذي شجعه على فتح مطعم بشارع السلط في عمان، وقد حصل على وسام من جلالة الملك عبدالله الاول تقديرا لحسن تنظيمه وتقديمه للطعام الساخن واللذيذ في موعده.

كما قدم موائد طعام في احتفالات اخرى ملكية اثناء زيارة الشيخ زايد آل نهيان امير دولة الامارات العربية المتحدة للاردن، وكذلك في حفل زفاف سمو الامير حمزة بن الحسين، حيث كان دائما يشرف على كل كبيرة وصغيرة اثناء ذلك.

صبحي بطل الاردن في رفع الاثقال

ويقول المؤلف عبدالله كنعان في كتابه هذا لقد روى لي شقيقه قديما بقوله: لقد كان صبحي معروفا بين الشباب في عمان بقوة بنيته الجسدية، فقد كانت عضلاته موضع المفاخرة، وربما كان ذلك سببا في ثقته بنفسه، وقد منحته تلك الثقة المثابرة على العمل بجد ونشاط، وكانت عضلاته تشكل لنا حماية من محاولات اي شاب يريد ان يعتدي علينا.

وهكذا درب صبحي جبري نفسه جيدا على رفع الاثقال حتى انه اصبح البطل الذي لا ينازعه احد في الفوز ببطولة رفع الاثقال والتغلب على الخصوم، وفي احدى المنافسات استطاع ان يرفع ما يزيد عن مائة وخمسين كيلوغراماً من الاثقال ويهزم كل منافسيه، وهكذا فقد تغلب صبحي على بطل فلسطين احمد الهباب، واعتبر بطل الاردن في رفع الاثقال، وذلك في اربعينيات القرن الماضي.

انا مش تبع مكاتب!

واثناء تنفيذ مشروع مطعم جبري المركزي في شارع وصفي التل – الجاردنز، كان صبحي جبري يتابع عملية البناء خطوة بخطوة، وكان يسأل عن كل شيء ولا يقبل اية اجابات مختصرة، كذلك اشار احد الموظفين عنده "علي منها" مدير العلاقات العامة بقوله : ان السيد يوسف صبحي جبري – وهو اصغر ابناء جبري – واثناء عملية تشطيب البناء، اراد ان يكون بلاط مكتب والده صبحي من الرخام الخالص ومن اغلى الانواع، وكعادة صبحي جبري فقد حضر فجأة لتفقد العمل في المشروع، وعندما وقعت عيناه على مكتبه وشاهد الرخام، عبّر فورا عن عدم رضاه وعن غضبه الشديد، وعندما حاولنا تهدئته قال بالحرف الواحد: "انا رجل عادي وبسيط، وهمي الاول والاخير هوعملي وجودته.. انا مش تبع مكاتب وزخارف وديكورات فخمة.. انا تبع شغل والاشراف عليه.. والمطبخ هو مكتبي!.

ويتابع علي المنها قوله: لقد غضب صبحي جبري وغادر المشروع ولم يقم بزيارته الا بعد مضي شهر، وبعد وساطات من اولاده والعاملين حتى قبل العودة لزيارة المشروع ,وعاد يضخ الاموال لتغطية النفقات، بعد ان حبسها علينا طوال شهر كامل.