إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أغلقت بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن بما يمهد لنزع الاعتراف الدولي بها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، فهي المتحكم الأساس في مسارات عملية السلام، ويصعب تجاوزها أو مواجهة قراراتها دوليا وخاصة تجاه قضية فلسطين لأسباب لسنا بصدد الخوض فيها الآن، وهنا نؤشر على نقاط مهمة. منظمة التحرير الفلسطينية وحسب اتفاقات أوسلو فاوضت إسرائيل على سلطة.. Palestinian authority.. وهي تعني سلطة فلسطينية، وبعدها فاوضت على استصدار جواز سفر باسم السلطة الوطنية الفلسطينية، فرفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ثم عاودت وقبلت ووضعت لاحقا ما يلي Palestinian national authority.. أي السلطة الوطنية الفلسطينية وهي تماثل water authority of Jordan وتعني باللغة العربية سلطة وادي الأردن وهذا بالقانون الدولي لا يعتبرها سلطة بسيادة على الأرض فسلطتها مرتبطة اساسا بالجهة التي أنشأتها وتمارسها من خلالها (اي الدولة التي تتبعها). فالأصل أن تكون اتفاقات أوسلو مبنية وموقعة على أساس Palestinian authority with it›s sovereignty وتعني سلطة فلسطينية ذات سيادة (اي أنها تتمتع بالسيادة على الأرض ويمكنها من تشكيل حكومة وممارسة صلاحياتها على الأرض).

إسرائيل تدرك هشاشة اتفاقات أوسلو من ناحية القانون الدولي فهي تبقي السلطة رهينة لسياساتها ومتى أرادت خلطت الأوراق بالقوة لمصلحتها وحين أتت فرصة وجود الرئيس ترمب في البيت الأبيض عادت إلى مشروعها القديم روابط القرى الذي اسقطته المنظمة حينها لتطبقه عليها دون أن تتيح لها أي خيارات أخرى. واسرائيل كانت تتغاضى عن ممارسات السلطة في القرارات الداخلية لمصالحها.

الخطأ الكارثي الذي وقعت فيه منظمة التحرير في 13/ 9/ 1993 باتفاقات أوسلو وضعها في مسار قانوني دولي يصعب عليها تجاوزه رغم أنها تضمنت قراري(242) و(338) الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، فهذه تخص انسحاب إسرائيل من أراضي احتلتها عام 1967 لصالح دول قاتلتها بجيوشها في ذلك الوقت. هذا المدخل السياسي القانوني الخطير وراء قرارات إدارة ترمب بتصفية ليس القضية الفلسطينية بل منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها ومشروعها الوطني القائم على المفاوضات وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ولهذا كما تبدو الصورة أكثر وضوحا هذه الأيام في الخطوات الأميركية الإسرائيلية بتعاطيها مع إغلاق بعثة المنظمة وتجفيف موارد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وازاحة القدس عن طاولة المفاوضات وغير ذلك، بما يعني أنها (اي واشنطن) تريد تحويل السلطة الفلسطينية طوعا إلى إدارة محلية على غرار مشروع روابط القرى في الضفة الغربية الذي ظهر في بدايات ثمانينات القرن الماضي واسقطته المنظمة بالتعاون مع الدول العربية.

ملامح خطة ترمب للسلام أو ما يسمى صفقة القرن هي ذاتها مشروع روابط القرى بوجه جديد واختلاف بسيط ويتمثل في أن إسرائيل، كانت هي الراعي الرسمي للمشروع الأول فيما واشنطن هي الراعي الرسمي للثاني دون تسميته روابط قرى، فقدرة السلطة الفلسطينية في هذه الظروف الإقليمية والدولية على عرقلة هذا المشروع تبدو محدودة إن لم تكن معدومة سياسيا وأمنيا، وخيارها الوحيد هو حل نفسها وهذا يعني إتاحة الفرصة لتشكيل سلطة بقيادة موالية لإسرائيل وبرئاسة جديدة قد يكون تيار الإصلاح الذي يتزعمه محمد دحلان هو القادم، كما أن دعم بعض الأطراف العربية غير المعلن وبالذات الخليجية للمشروع الترامبي الجديد وتحت يافطة التصدي للخطر الإيراني هو الأكثر خطورة هذه الأيام مع غياب أي دور لمصر فيما يجري.

بداية اللعبة ونهايتها متطابقة تماما، فالجيش الإسرائيلي سيبقى على طول الحدود مع الأردن والسلطة ستتحول إلى إدارات محلية (مخاتير ورؤساء مدن وقرى في الضفة الغربية) يحكمون تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي وباوامرها ومهمتهم محددة بضبط الأمن في مناطقهم وادامة التنسيق معها، وما بعد ذلك اجبارها على الالتحاق بدولة مجاورة لها، وبعبارة أدق إسقاط مشروع الدولة الفلسطينية نهائيا،.

ويبقى السؤال.. هل تواجه إدارة ترمب رفضا دوليا يجبرها على التراجع ام هل تسقط في مشاكلها الداخلية ويستقيل الرئيس وبالتالي يجمد مشروعها السياسي في المنطقة.؟.

المفاجآت في مسارات الأحداث الدولية والإقليمية صعبة ومعقدة لجهة اي طرف فالرؤية التي طرحها الجنرال أنور عشقي وهو مطلع على سياسات الحكومة السعودية وعلى السياسات الأميركية الإسرائيلية تتضمن إقامة سلام عربي مع إسرائيل وإسقاط النظام في إيران و..؟ وما يمكن قوله إن ما يسمى بصفقة القرن تتبلور في قرارات سريعة من واشنطن وتجد بعض الأطراف الإقليمية مصلحة لها لتمريرها، وما يخلط الأوراق هو الشعب الفلسطيني ذاته حال رفضه وتمرده على سلطته وعلى الاحتلال، وما بعد قد نشهد انتفاضات شعبية متتالية ودوامات جديدة من العنف تتحول إلى كابوس للاحتلال وتجبر حكوماته على قبول الآخر والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.