عمان - ناجح حسن

عرض مهرجان الأردن الدولي للأفلام الذي يختتم فعالياته الليلة في المركز الثقافي الملكي، جملة من الأفلام القصيرة، المتباينة الأساليب الجمالية والرؤى الدرامية، نافست على أرفع الجوائز في التظاهرات السينمائية الدولية.

وجود مثل هذه النماذج من الأفلام ضمن برامج المهرجان يشكّل فرصة ثمينة للمتلقي المحلي للاطلاع على نماذج مغايرة لصناعة الأفلام السائدة، وهو ما يكرس المهرجان لأن يصبح منصّة لمعاينة أحدث الإتجاهات في السينما المستقلة عربيا وعالميا.

البنفسج

يطل الفيلم العراقي « البنفسج» للمخرج بكر الربيع، على الواقع الصعب الذي يعيش فيه المواطن العراقي، خاصة وأنه يسرد حكايته عن التحولات العصيبة الآتية بفعل الحرب التي شنت عليه وما جرته من ويلات على الإنسان البسيط العادي في حياته اليومية.

يركز الفيلم على الألم الداخلي للطفل ضحية الحرب، عندما يكتشف أن والدته التي ترافقه مع أفراد أسرته في رحلة بالسيارة قد أصابتها قذيفة، ثم يأخذ في محاولة إنقاذ والدته عبر البحث في محيط مجاور عن كرسي متحرك ليصار إلى نقلها إلى إحدى المستشفيات، وفي رحلة بحثه يلتقي مع فتاة من عمره لينطلقا في «ديالوج» مفعم بمشهدية المكان، والتأمل في العديد من أسئلة الحرب والموت والبراءة في اتكاء على محطات وجوانب إنسانية، تستعيد إلى الواجهة معالجات سينمائية مطعّمة بالحلم والخيال في مسعى لإيجاد رؤية فنية وفكرية تنبض بتداعيات الحرب، بيد أن أدوات المخرج التعبيرية لم تسعفه تماماً في الوصول إلى طموحه المشروع ، حيث ظل الإبهار هو هاجس الربيع الأساس على حساب الغوص في قضيته الإنسانية التي تحفر بمآلات الحرب ودوافعها خصوصاً وأن الكاميرا ظلت تقتفي آثار الحرب عبر عين الإنسان العادي الذي يجد نفسه فجأة منخرطاً في عوالم الحرب التي لم يكن مستعداً لها، فتصبح بمثابة نقطة تحول في حياته ومستقبل الكثير من أفراد بيئته الإنسانية.

آخر أيام الصيف

وتكمن أهمية الفيلم البريطاني القصير «آخر أيام الصيف» لمخرجته وكاتبته أليكساندرا تشيزنزيك ، في أنه يصور أحداثه في مناخات متعددة لأمكنة على هامش المدينة الكبيرة يتحرك فيها شخوص أكثر من جيل، ظهروا أمام الكاميرا بأداء بديع لافت، لعبت الدور الرئيسي فيه ممثلة راسخة هي باتريسيا لوفلاندوهي التي عملت مع عدد من بين أفضل المخرجين العالميين في أدوار مميزة مثل داستن هوفمان (رباعي) ونيل جوردان (بيزنطة) وكاتي ميتشل (الطفل الذي أحببته)، كما ظهرت في العديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية.

تسري أحداث فيلم «آخر أيام الصيف» في أحد الأيام عن امرأة مسنة تهرب من إحدى دور الرعاية بعد أن ضاقت بالوحدة والعزلة في مركز رعاية كبار السن، وتأخذ في التجوال طيلة اليوم على ساحل البحر بحثا عن مكان يخفف عنها عناء التعب والإرهاق بعد يأسها في التواصل مع آخرين، لتصدف أن طفلاً صغيراً لأسرة كانت تتنزه على الساحل ينجح في التواصل معها ثم يعمل على إقناع والديه بإصرار على استضافة المرأة المسنة داخل بيتهم وعندما يشعر بأن والديه يرفضان الفكرة يغلق أبواب السيارة عليه وعلى العجوز في محاولة لإقناع والديه بعودة العجوز معهما إلى بيت الأسرة المليء بالذكريات والتداعيات التي تحمل عناوين الأمومة والطفولة والرعاية والعائلة.

لكن وصول ممرضة يعيد المرأة العجوز إلى دار الرعاية، هو ما يدفع والدي الطفل إلى التفكير في سلوكهما ونظرتهما إلى الآخرين بعين التسامح والفهم الناضج لاحتياجات فئة كبار السن في المجتمع، وبالتالي في نشر رسالة إيجابية حول الشيخوخة والخرف والصداقات بين الصغار والكبار، وكيفية التعامل مع الضعفاء في الحياة اليومية.

كاتبة ومخرجة الفيلم الكسندرا تشيزنزيك، صاحبة باع طويل في الأعمال التطوعية خاصة في رعاية الكبار في السن، فهي حائزة على جوائز لمجموعة من الأفلام القصيرة بالعديد من المهرجانات السينمائية العالمية، وتم اختيار فيلمها «آخر ايام الصيف» لبرامج تطوير النصوص والقدرات من المعهد البولندي للسينما.

الكاميرا والقوس

يقرأ الفيلم الهندي القصير «AUN» للمخرج الشاب تي اس براسلنا، موضوعاته الإنسانية والجمالية على نحو لافت ومميز، وهو يراقب بافتتان بليغ صامت لغة الحوار بين مصور فوتوغرافي وشخص يقطن في البراري غارقة بالماضي البعيد الذي تعايش فيها الجنس البشري، حين يأخذ هذا الانسان البدائي في تهديد المصور الذي صوب عدسته لالتقاط صورة لهذا الكائن البشري الذي نسيه الزمن!، عندما لا يجد وسيلة للرد على المصور سوى محاولة رميه بالسهم والقوس، ومن ثم استدعاء باقي أفراد قبيلته، قبل أن يسارع المصور بروية وحكمة إلى توجيهه نحو الصورة التي التقطها له، من هنا تبدأ محاولة التفاعل في التواصل بين الشخصيتين.

باختصار الفيلم نظرة إيجابية لاظهار دور الكاميرا / السينما في محاولة التغيير بالمجتمع وإعادة النظر في مسلّمات واقتناعات ومواقف الناس، فالعالم الذي يعيش اليوم ثمرة اختراع الكاميرا باستطاعته تقديم خطاب سياسي وإجتماعي واقتصادي وبيئي وثقافي ينجح الفيلم التعبير عنه بسلاسة وشفافية ممتعة لعين المشاهد من خلال تلك التكوينات البصرية للمكان الذي تدور به الاحداث، تتفاوت فيه عناصر الطبيعة من جبال وصحراء ووديان وينابيع مياه ونباتات، وظفها المخرج الشاب بفطنة وبلاغة عن الصورة والإنسان ومكانتهما في العالم المعاصر.