عمان - الرأي

ثمة أمكنة تفرض نفسها في رواية بنسمايا للروائي مصطفى القرنة، فالشارع الطويل الذي يخترق مدينة بابل وتنبعث منه أصوات الحدادين والنجارين والنساجين وسوق الرقيق وباعة الخضار وباعة التوابل والأغنيات ويسمى «لا» وطئته أقدام العدو، وهو شارع مرصوف بالآجر ومغطى بالأسفلت، كما أنّه محور الحكاية وأساسها، ففيه تقام الاحتفالات بالنصر على الأعداء، بل إن في اسمه ما يشي بحالة الحرب المستمرة والمستعرة بين تلك الحضارات أو الدول إن جاز أن تسمى كذلك.

وغير بعيد نجد بيت الألواح، وهو التسمية البابلية للمدرسة، حيث يدرس التلاميذ اللغة الأشورية ويتعلمون الكتابة المسمارية وربما كانت غابات النخيل أوسع انتشاراً، حيث بعض البساتين فيها برك الزيت الذي يستخرجونه لإضاءة المشاعل وشي الطوب ليصبح قاسياً.

ينتقل الكاتب إلى بيت الألواح، وهي المكتبة بتسميتنا المعاصرة حيث يقرأ عدة ألواح عن تاريخ بابل، ويفرد أيضا مساحة للقبر عند البابليين ويشير إلى القوالين الذين يتبعون الميت بالناي الحزين ويتذكر تلك الأطعمة التي كانوا يضعونها في القبور.

ولا بد في هذا الإطار أن يتم الحديث عن بئر قديمة خرج منها عفريت يدعى بنسمايا ليروي الحكاية وهي دلالة على تعاظم السحر وتغلغله في ذلك المجتمع. الأهوار والمياة في المنطقة الجنوبية من بلاد ما بين النهرين أخذت مساحة أيضا في حين أن المعابد أخذت الحيز الأكبر لما فيها من أسرار، فالجن الصالحون مع العبيد يشعلون البخور في مواجهة الشياطين السبعة الذين يملؤون الدنيا شروراً. والعفريتة لاماشتو تجلب الويلات من الصحراء وتشكل ممرات المعبد وغرفه مثل غرفة الخزين حيزاً لكثير من الأحداث، فهذه الغرفة تحتوي على الكثير، فعلى سبيل المثال، هناك البخور والدجاج وذيل الحصان النبات الذي يستخدم كثيراً والقاعة المقدسة والنار حيث تلقى المحرقات. ويبرز النهر خصوصاً نهر دجلة وقربه من السجن المركزي أيضا ليفك بعض ألغاز الحياة البابلية عموما، وقد اهتم الكاتب بالمكان بشكل يبعث على الدهشة وتجلى ذلك في أكثر من مناسبة وفصل بين ثنايا هذه الرواية التي يمتزج فيها الخيال بالسحر البابلي .