1- الثقة

تلعب مسألة الثقة بين الإدارة الحكومية وإدارة الشركات والمؤسسات العامة من جهة، وبين المجتمع من جهة ثانية دوراً أساسياً في مسيرة الإنجاز والتقدم لأي دولة من الدول. وكلما كان مقياس هذه الثقة مرتفعاً، كلما تمكنت الحكومة والمؤسسات والشركات من تنفيذ برامجها بكفاءة أعلى، وبكلفة أقل وبزمن أقصر، وبإضافات وإبداعات متميزة. والعكس صحيح فإن زعزعة الثقة واختلالها بين الحكومة والمؤسسات والمجتمع يجعل الدولة بكاملها تتعثر في مسيرتها وتسير بخطى بطيئة ،ويصبح كل برنامج وكل قرار موضع شك لدى المواطنين ،يأخذون منه مواقف سلبية أو حيادية غير فاعلة وغير مبالية، بما فيه الجهازالإداري نفسه. فيترتب على ذلك ارتفاع الكلفة وضعف الاقتصاد وعدم الرضا وغياب الالتزام بالقانون وتعثر الإصلاح.

ونجد في العالم مستويات متفاوتة من الثقة في الحكومات. ففي حين ترتفع الثقة في الدول المتقدمة الديمقراطية، نراها متوسطة في الدول الناهضة، وضعيفة في الدول النامية أو المتعثرة. إن دليل الثقة في سويسرا مثلاً يصل إلى 80% ،وأقل من ذلك في الدول الإسكندنافية، حيث يصل في النرويج إلى 68% أما روسيا وتركيا فينخفض دليل الثقة إلى 58% لكليهما في حين أن الأزمة المالية الاقتصادية في اليونان وعدم رضا الكثيرين من اليونانيين عن السياسات الحكومية خفضت من دليل الثقة إلى 13%.أما دول الاتحاد الأوروبي فإن معدل الثقة لديها في حدود 40% نتيجة للازمات السياسية والاقتصادية المتكررة. وفي المنطقة العربية لا توجد بيانات كافية حول مقدار الثقة في الحكومات. ولكن السمة العامة أنه ليس هناك من حكومات منتخبة، ولا أحزاب تلعب أدوارها السياسية و الإجتماعية، ولا ديمقراطية ولا مشاركة مع منظمات المجتمع المدني. بل أن المنطقة في حالة تفكك وانهيار، واقتتال وتراجع في الاقتصاد والتعليم والثقافة في معظمها،وإمعان في الانفراد بالسلطة والفساد وتهميش دور الأحزاب. كل ذلك يعطي مؤشرات منخفضة جداً للثقة. بل إن بعض الحكومات دليل الثقة فيها»سالباً»لعدم الاطمئنان إلى وطنيتها واعتمادها على القوى الخارجية.

2- المؤثرات

تتأثر ثقة المواطن بالحكومة بعوامل عديدة لعل من أهمها:أولاً:فاعلية السياسات المعلنة، والى أي مدى تحقق أهدافها المعلنة التي يشعر بها المواطن. وحين يتكرر إخفاق السياسات في الإنجاز و الوصول إلى ا لأهداف، فإن ثقة المواطن ومدى تصديقه لما تقوله الحكومة يتراجع بشكل كبير. والأخطر من ذلك أن الجهاز الإداري يفقد الثقة بنفسه،وبالإدارة العليا وبالتعليمات التي تصدرها، ويأخذ أداؤه بالهبوط والابتعاد عن الجدية والفاعلية، لأن الموظف كالمواطن يدرك أن السياسة التي تتبانها الحكومة لن تصل إلى أي نتيجة. إنها مجرد وعود ومشاغلة وانشغال. وهذا يدفع الجهاز الوظيفي إلى مزيد من اللامبالاة، وعدم الاستعداد لخدمة المواطن. وهذا ما نعانيه في أجهزتنا الإدارية وتعانيه الدول العربية. ثانياً:مدى الشفافية وصدقية المعلومات التي تقدمها الحكومة وصحتها. فلم تعد التصريحات الغائمة أو غير الدقيقة أو التمويهية تمر على المواطن لأسباب كثيرة، أهمها الوعي المتصاعد للمواطنين، والتجارب المتكررة مع الكلام المعسول، واستحالة إخفاء المعلومة في عصر المعلومات. فمهما كانت المعلومة من السرية والتعقيد ،فإن شبكات المعلومات قادرة على كشفها، ومواقع التواصل الاجتماعي قادرة على نشرها وتعميمها. وما إن يلامس المواطن غياب الشفافية أو عدم أهلية المعلومات على الإقناع حتى تتراجع ثقته في الحكومة.

ومن هنا فإن مفهوم الإعلام الرسمي والتصريح بإسم الحكومة قد تغير تماماً. فلم يعد مقبولاً أن يكون الإعلام الرسمي مجرد ترديد لعبارات شكلية ضعيفة المحتوى، أو أن يكون المتحدث الرسمي ليس مقنعاً ولا متمكناً من عمق المسألة التي يتحدث فيها. إذ لم تعد العموميات، في عصر المعلومات والرقمية، تقنع أحدا. بل إنها تزعزع الثقة بالحكومات، وتدفع المواطن إلى الانسحاب من أي تعامل جاد فيما تصدره الحكومة أو تقوم به، حتى لو كان في الاتجاه الصحيح. من يتحدث باسم الحكومة أو الوزارة أو المؤسسة ينبغي أن يكون محل علم وخبرة وتعمق وقادر على خلق التجاوب مع المواطن.ثالثاً:نوعية الأشخاص الذين يتولون المسؤولية. فإذا كانت الثورة الصناعية الرابعة، ثورة المعلومات والرقمية، قد جعلت العالم بأكمله قرية صغيرة، فما بالنا بالدولة الواحدة والمجتمع الواحد؟؟. إن كل شيء مكشوف، وكل شخص فيها معروف لدى المواطنين،وبإمكان شبكات المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي أن تلقي الضوء على كل شخص يتولى المسؤولية، ما هي إنجازاته، وما هي علاقاته، بل وكل تفاصيل حياته. فحين تتجه الدولة إلى إسناد المسؤولية إلى أشخاص ليس في المستوى المطلوب، أو نتيجة لعلاقات خاصة ،أو مكاسب و منافع ،فإن الثقة بالحكومة تتراجع، والإحترام لقراراتها وسياساتها يهتز بقوة. وفي الدول الديمقراطية المتقدمة نجد المسؤول يقدم استقالته من موقعه إذا تبين أنه ليس جديراً بذلك ،سواء لأسباب أدائية أو مهنية أو سلوكية أو أخلاقية أو قانونية أو نزاهية أو قرباوية أو صداقية. وذلك حتى يستمر احترام المواطن لإداراته وتستمر ثقته في الحكومة عالية. و عكس ذلك تماما نجده في المنطقة العربية والدول غير الديمقراطية. رابعاً:الفساد وهي مشكلة عالمية بكل معنى الكلمة، تؤدي في الدول الديمقراطية إلى استقالة المسؤول أو عزله، حتى لو كان بمنصب رئيس الدولة، كما كان الأمر مع رئيسة كوريا، التي تم عزلها ومحاكمتها بسبب استغلال نفوذها من قبل صديقة لها لتمرير صفقات مشبوهة. وتحرص الأحزاب والبرلمانات عادة على التخلّص من الشخصيات التي تحوم حولها شبهات الفساد وذلك ضماناً لمستقبل الحزب أو البرلمان أو القضاء، ومنعاً لتأثير الفساد سلباً على أداء الجهاز الإداري ومعنويات المواطن، وعلى الاستثمار والاقتصاد بكاملة. وفي الحالات التي تغمض الإدارة أعينها عن الفساد فإنها توقع البلاد في مآزق ثلاثة الأول فقدان ثقة المواطن بالإدارةالحكومية كاملة. الثاني انتشار الفساد من الأعلى إلى الأدنى والثالث تراجع الإقتصاد الوطني بسبب الخسائر التي يتكبدها ،وهروب المستثمرين وعزوفهم عن الاستثمار في بيئة فاسدة. خامساً:الغموض والشائعات. وهذه تخلق فجوة ثقة كبيرة بين الجمهور وبين الحكومة ،خاصة حين لا تتحرك الإدارة المعنية في الحكومة لدحض الشائعات وتبيان الحقيقة بعقلانية ووطنية وإقناع. في حين تتعزز الثقة عندما تكون قرارات الحكومة وسياساتها واضحة، بعيدة عن الغموض الذي يخلق الشكوك لدى الجمهور، من أمثال الاتفاقيات غير المعلنة والترتيبات السرية التي لا تتوافق مع التوجه الوطني، أو يشوبها شبهات فساد مباشر أو غير مباشر. وفي زمن المعلومات فقد أصبح الجمهور يرفض إبقاءه خارج الأحداث أو خارج المعلومات. ولأن شبكة الاتصالات العالمية أعطت فرصاً هائلاً للمحطات الإعلامية سواء كانت مقروءة أو مكتوبة أو عبر الإنترنت فإن إخفاء الحقيقة عن المواطنين لتصل إليهم من خارج أوطانهم عبر الإذاعات ووكالات الأنباء من شأنه أن يزعزع الثقة بالحكومة وببرامجها وتوجهاتها، خاصة وإن الشائعات تعمل على تضخيم الأخطاء وتعظيم الأرقام والبيانات السلبية.

3- المنافع

لعل مسالة الرواتب والمكافآت والبدلات والتعويضات والمنافع العينية التي يتقاضاها المسؤول أو الموظف أو ممثل الحكومة تشكل مرتكزاً بالغ الأهمية لترسيخ الثقة بالإدارة أو زعزعة هذه الثقة. وكلما كانت الأرقام مبالغ فيها مقاسة إلى دخل المواطن العادي كلما ازدادت الشكوك، وتراجعت الثقة في الإدارات، وزادت قناعة الكثيرين بالانخراط في الفساد الصغير والمتوسط والكبير. وفي إحدى الدول الإسكندنافية اضطرت الوزيرة للاستقالة لأنها زودت سيارتها الخاصة بالبنزين باستخدام كوبون حكومي أي أنها أخذت من الحكومة ما يعادل 40 دينارا كانت كافية لاستقالتها. من جانب آخر نجد أن راتب الرئيس الأميركي 35 ألف دولار شهرياً والفرنسي 22 ألف دولار والألماني 20 ألف دولار والياباني 17 ألف دولار، ، بينما الراتب الشهري للرئيس الهندي 5000 دولار والصيني 2000 دولار والباكستاني 2800 دولار، في حين نجد أن موظفين حكوميين في الدول النامية، و نحن منها، يتقاضون مثل هذه الرواتب أو أعلى منها. ويصل راتب رئيس جمهورية العراق إلى ما يقرب من ضعف راتب الرئيس الأميركي و6 أضعاف راتب رئيس الوزراء الألماني أو الفرنسي و30 ضعفاً من راتب الرئيس الصيني.

ويلاحظ المواطن في المنطقة العربية أن هناك أناسا أو وظائف يتناول أصحابها رواتب أو مكافآت ضخمة لا تتناسب مع ضآلة أو هشاشة اقتصاد تلك البلاد، ولا مع التقشف الذي تتحدث عنه الحكومات ،ولا العجز الذي تعانيه ميزانياتها. هذه الفوارق من شأنها زعزعة ثقة المواطن بالإدارة الحكومية ، ومن شأنها أن تشجع بطريقة غير مباشرة على انتشار الفساد في صفوف موظفي الدولة لتصبح بعد ذلك نمطاً سائداً في البلاد.

أن معظم رواتب كبار المسؤولين في العالم تتراوح بين 10 أضعاف متوسط دخل الفرد إلى 15 ضعفاً هذا المتوسط. صحيح أن رواتب مدراء الشركات والبنوك هي أعلى من ذلك بدرجات متفاوتة، ولكنها غالباً ما تكون مرتبطة بالإنجاز وحجم الأرباح. ولكن من يمثل الحكومة عليه أن يلتزم بما تفرضه الحكومة على نفسها وموظفيها. ولذلك لا يأخذ موظفو الحكومات في الدول المتقدمة بدلات وعلاوات ومكافآت ومعلوليات تجعل دخولهم الشهرية آلافاً مؤلفة. ولأننا في عصر المعلومات فإن الموظف الحكومي البسيط الذي يبلغ موسط راتبه الشهري في المنطقة العربية (750) دولار شهرياً باستثناء الدول النفطية لا يستطيع أن يتقبل فكرة أن شخصاً آخر يمثل الحكومة ويتقاضى راتبه وتقاعده منها وفي نفس الوقت يتحصل على (20) أو (30) ضعفا. هذه الفوارق تعتبر في البلدان الديمقراطية والمتقدمة نوعاً من الفساد. وقد لاحظ الاتحاد الأوروبي أن بعض المسؤولين لديه يذهبون بعد تقاعدهم إلى شركات تعطيهم رواتب أو مكافآت ضخمة لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو دورهم الفعلي. وتبين أن أولئك المسؤولين كانوا يمررون صفقات لتلك الشركات أثناء وجودهم في الوظيفة دون أي مقابل فوري حتى يظهر الموظف بريء الذمة أثناء عمله. وما أن يترك الموظف عمله بالتقاعد أو الاستقالة حتى توظفه تلك الشركة براتب خيالي يتبين بعد البحث أن هذه المبالغة ما هي إلا رشوة مؤجلة. ولذا أصبح كبار الموظفين ملزمين بالإفصاح عن توجهاتهم بعد التقاعد والرواتب التي يتوقعون الحصول عليها. وهكذا فالموقف في كثير من الدول العربية يتلخص في عبارة: «فساد عاجل وقبض آجل». وحين يلاحظ المواطن العربي أن العديد من المسؤولين ما إن يتركوا المقعد الحكومي أو النيابي حتى يذهبوا إلى شركات لا علاقة لخبرتهم في مجال أعمالها ،تتزعزع ثقة المواطن بالحكومة وبالقانون، ويستقر في عقله أن الضرائب التي يدفعها تذهب إلى جيوب كبار المسؤولين. وتلقائياً يحاول الموظف البسيط أن يكون شريكاً بطرق مختلفة. وهذا يستوجب من المؤسسات والشركات وضع ضوابط ومدوّنات سلوك لتنظيم الأمر بدرجة كافية من النزاهة، وبالتالي يطمئن المواطن و الموظف الصغير أن الإدارة لا تستغفله، ولا تبدد أمواله حين تذهب شركاتها ومؤسساتها إلى منح الأعطيات الضخمة والرشوة المؤجلة ثم تعود الحكومة على المواطن بالضرائب.

4- القانون

تتوازن حركة الدولة من خلال المؤسسية والقانون والاقتصاد. واختلال أي من هذه الأعمدة يبعث الشك في عقل المواطن ووجدانه، وتصبح ثقته في الدولة متداعية. ولأن القانون هو الضابط لجميع الإجراءات والنشاطات على تنوعها، فإن التزام الحكومة ومؤسساتها بتطبيق أمين وحاسم للقانون شرط أساسي لضمان ثقة المواطنين. وهذا يفترض أن تنظر الحكومة والموظف الحكومي إلى القانون على أنه المرجع للعمل والمرجع للثقة. ومن هنا تصبح سيادة القانون جزءا من ثقافة الموظف والمسؤول لتنتقل إلى المواطن. وحين تعمد الإدارات الرسمية إلى تجاوز القانون أو الالتفاف عليه أو تعطيله أو التراخي عن تطبيقه وعلى المستويات المختلفة ، فإن قيمة القانون تسقط في نظر المواطن وتسقط هيبة الدولة ومكانتها.

وما تشهده الدول النامية خاصة في المنطقة العربية من فوضى واعتداءات وفساد وصراعات وتكتلات منافعية ، تعود في بعض أسبابها إلى تقصير الإدارات في تنفيذ القانون، وتجاوزها للقضاء، وسيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية بوسائل ومداخل مكشوفة ومستترة. إن الدول الأعلى ثقة بإدارتها الحكومية هي الأكثر التزماً بتطبيق القانون واستقلال القضاء.

5- الثروات الوطنية

لعل واحداً من أكثر الأسباب تدميراً لثقة المجتمع بالحكومات يتمثل في التفريط بالثروات الوطنية أو تبديدها.و سواء كانت الثروات الوطنية خامات طبيعية أو منشآت أو مرافق عامة أو صناديق وطنية وسيادية فالمواطن يشعر أن هذه الثروات له فيها نصيب، ويريد أن يحافظ عليها للأجيال القادمة، بما فيها أبناؤه وأحفاده. وحين يكون هناك سوء إدارة لهذه الأموال، كما في صناديق الاستثمار والادخار أو تفريط بها أو اعتداء عليها، كما وقع في ماليزيا في حكومتها السابقة، فإن ثقة المواطن في الحكومة تتراجع إلى أدنى المستويات. كذلك فإن بيع الثروات الطبيعية كالمناجم والغابات والموانئ والمطارات وشركات التعدين كلها تخلق خندقا من الريبة والشك بين المواطن وبين الإدارة الحكومية. وغالباً ما تكون هواجس المواطن بهذا الشأن صحيحة. و قد عانت من هذه المسألة العديد من الدول منها اليونان و مصر و ماليزيا و غيرها. وحتى اليوم لا زال الكثيرون من الأردنيين مثلاً لا يعلمون لماذا بيعت أسهم الحكومة في الكثير من الشركات بطرق غير دستورية ،و أين ذهبت أثمانها. وعلينا أن نتذكر أن الشك حين يتسرب إلى أعماق المواطن فإنه يكون على استعداد للانفجار لأي سبب.كما أن الموظف العام ،في الصفوف المتوسطة والدنيا من الهرم الإداري، تنتقل إليه عدوى الشك وعدم الثقة ويبدأ بتبرير الفساد لسلوكه الوظيفي وينزلق في عدم الإخلاص واللامبالاة.

إن الخسائر على الاقتصاد الوطني تتزايد وترتفع قيمتها إلى آلاف الملايين من الدولارات نتيجة للفساد، و الذي هو بطبيعته جرثومة معدية سريعة الانتشار ،تنتقل من الأعلى إلى الأسفل. وهذا ما يجعل مكافحة الفساد والالتزام بالنزاهة المالية والإدارية والأدبية شرط من شروط استعادة ثقة المواطن بالحكومة وثقة الموظف برؤسائه وزملائه مما يخلق البيئة الصحيحة لزيادة الإنتاج والإنتاجية والتحرك على سلم التقدم.

6- التعيينات

لعل غياب المعايير المعلنة والمتوافق عليها لاختيار الأشخاص في الإدارات والمؤسسات والشركات يمثل أحد المداخل الرئيسية لفقدان الثقة بالدولة والنظر إلى قراراتها وتعييناتها دائماً بنظرة الشك والريبة. وفي تجارب الاقطار العربية الكثير من الأمثلة الصارخة التي زعزعت ثقة المواطن بنزاهة المؤسسات، ودفعته إلى الإيمان بأن أي موقع يمكن الوصول إليه من خلال الواسطة والمحسوبية والتدخلات الشخصية، بدلاً من الكفاءة. ولم يعد الشباب يهتم بتحسين أدائه وتحصيله وتأهيله، بقدر اهتمامه بمن سيساعده في الوصول إلى وظيفة ، متقدمة كانت، أو متواضعة.

من جانب آخر فإن اختيار الأشخاص للمواقع المطلوبة على أساس»المنافعة»و»المكاسبة»و»المساكتة»و»المراضاة» وغير ذلك من شأنه أن يكبّد الاقتصاد الوطني خسائر ضخمة نتيجة لسوء الأداء و لعدم القدرة على دفع العمل إلى الأمام. وكلما عظمت الخسائر كلما شعر المواطن بأن هناك إصرارا من الإدارة على السير في الطريق الخاطئ لتتلاشى ثقته حتى تنعدم. و يصبح جاهزاً لقبول الإشاعات والتفسيرات والأقاويل والتي قد تكون بعيدة عن الحقيقة. لأن غياب الثقة يجعل كل شيء ممكن.

7- الشباب

إن الشريحة الأكثر تضرراً من حالة عدم الثقة هي الشباب. لأنها تكون في بدايات وعيها على الوطن والقانون والالتزام والانضباط والنزاهة والوطنية، بل والدولة بكاملها. وحين تعم حالة عدم الثقة في الحكومة وإداراتها ،فإن ثقة الشباب بالقيم والمثل التي يتلقاها يصيبها الدمار، وتثير عنده مزيداً من عدم الثقة حين يرى الفرق بين الأقوال والأعمال ،وبين ما يصل إليه في المدرسة أو الجامعة أو الكتاب، وبين ما يتناقله الناس من سوء الإدارة والفساد والتشكيك في الإدارة. وهنا تتسع مساحة السواد والظلمة في عقول ونفوس الشباب ويصبحون عرضة أكثر للتغرير بهم في الجريمة والمخدرات والتطرف والإرهاب.

إن الشباب بالدرجة الأولى بحاجة إلى وطن يطمئن إليه ويثق بإدارته ونزاهتها ،وهو بحاجة إلى القدوة والنموذج. ما نراه في بعض الأقطار العربية (ليبيا وسوريا واليمن والسودان والعراق) جزء كبير منه يعود إلى فقدان الشباب ثقتهم بإدارة أوطانهم فأصبحوا مستعدين للخروج والتدمير.

8- التقدم

كيف يمكن لدولة أن تتقدم؟ وتحقق نجاحات اقتصادية واجتماعية وفكرية وعلمية إذا كانت الثقة لدى المواطن غائبة؟ كيف يمكن أن يتحسن الأداء وتزيد الإنتاجية؟ إذا كانت الخلفية الذهنية والنفسية تقوم على أساس التشكك في توجهات الحكومات ونواياها حتى في أبسط الأشياء؟ كيف يمكن للمؤهلين للإبداع أن يبدعوا ويبتكروا إذا سيطر على نفوسهم عدم الثقة والتشكك في نزاهة الإدارة ؟ كيف يمكن أن يشعر المواطنون بالسعادة والرضا والاستعداد للعمل والتضحية إذا كانت الثقة غائبة؟ إن الدول الأكثر تقدماً هي الأكثر تمتعاً بثقة المواطن والثقة بالحكومة والثقة بالإدارة والثقة بالقضاء والثقة في المجتمع بكامله، فذلك طريق التقدم والازدهار.