اذا بدأنا مناقشة اي موضوع بتفكير منطقي محايد ومتحرر من المؤثرات الخارجية او تلك المسبقَة المقحَمة فسنكتشف اننا – بسهولة اكثر – نصل لقناعات افضل مما تعودنا، ونقبل على الاقل باحترام الرأي الآخر حتى لو اختلفنا معه، فمثلاً الذين استمعوا الى الدكتور زيدان الكفافي رئيس جامعة اليرموك يتحدث بمؤسسة شومان في الاسبوع الماضي في اطلاق كتابه عن تاريخ شبه الجزيرة العربية وآثارها قبل الاسلام وعن الحضارات التي قامت هناك هل كانوا يدركون ذاك المغزى وقد جاءت جلُّ التعليقات التي اختلف حولها المتداخلون والمعقبون منصبّةً على معنى ((الجاهلية)) وكيف يجوز اجترار هذا الوصف الذي يظلم حقبةً من تاريخ منطقة مهمة حفلتْ بحضارات سابقة وكانت المهد الأول للغة العربية ذاتها خاصةً وانها – كما قرر المؤلف–لم تكن حقبة مظلمة كما وُصمت ولا فاسدةً أو منحلة كما لُطخت سمعتها..؟! تُرى أهو اختلاف في استخدام اللغة تعبيراً عن مواقف سياسية واقتصادية تدثرت بالعقيدة الجديدة آنذاك أم هو اختلاف يمكن حلُّه وإلغاؤه أو تبريره بأن الفترة التي سميت بالجاهلية قبل الاسلام محدودة لم تزد عن مئة وأربعين عاماً كما قال احد المعلقين؟ وقبل أن يفتح الحاضرون افواههم مبهوتين بالرقم ومن أين أتى كان هناك متداخل آخر يدافع بغضب عن نعت الجاهلية ويؤكد بان فترتها الزمنية هي ألف واربعمئة عام ! وكأنما الدكتور الكفافي كان عاجزاً عن الوصول لهذه المعلومة الغريبة بين مئات المراجع التي ثبتها في كتابه ذي الستمئة وخمسين صفحة !؟

لقد تبدّى مثل هذا الاختلاف مرة اخرى في الاسبوع الماضي في منتدى الفكر العربي اثناء مشاركتي في اطلاق كتاب الدكتور عميش يوسف عميش بعنوان ((نشأة العلوم الطبية في عصر الحضارة العربية الاسلامية وتطورها)) حين قلت: احيانا تحلق بنا نشوة الماضي ((المجيد)) عاليا فوق واقعنا فنسيء – دون قصد – لتواضع علمائنا التاريخيين الذين حققوا تلك الانجازات الطبية كما ضخّمها مؤلفنا عندما وصفها ((بأنها الركائز الكبرى (!) التي جعلت امتنا خير أمة أخرجت للناس)) وتساءلتُ لماذا هذا التمييز ضد الأمم الاخرى وكأنها أمم فاشلة ونحن الذين نعيب على اليهود ادعاءهم بأنهم شعب الله المختار ؟!

فهنا ايضاً غضب ذوو المواقف المسبقة وتجاهلوا المنطق والعقل اذ رفضوا التساؤل من اساسه، واضاف احدهم بضعَ كلمات اشتراطية على العرب هي: اذا حَسُن دينهم وصلحت دنياهم ! فبالله عليكم كم من مليارات البشر الذين يسوؤهم ذاك التعبير التمييزي سمعوا بهذه الكلمات التبريرية ؟ ولو سمعوا بها هل تقنعهم بأن العرب خير امة أخرجت للناس؟

وظهر الاختلاف كذلك حين رضيتُ بحماس المؤلف وهو يعبر عن قناعته بأن ((العرب حملوا لواء الحضارة والمعرفة تراثا خالداً في مختلف مجالات العلوم)) لكني أسفت حين أضاف ((لقد امتدتْ الفتوحات ووصلتْ فيالق جيوش العرب والمسلمين الى معظم بقاع الارض لكنها لم تكن حملات عسكرية وفتوحات استعمارية)) وتساءلتُ: ماذا يمكن ان نسمي اذن تلك الجيوش التي اجتاحت بلادنا العربية سواء العثمانية لتحكمنا باسم الدين والخلافة او البريطانية والفرنسية بعدها لتستعمرنا تحت شعار تمديننا وتحضيرنا ورفع مستوانا، واخيراً الاميركية لتدمرنا بمزاعم نشر الفوضى الخلاقة ؟

وبعد.. ارجو ممن ما زال غاضباً ان يعيد النظر بتفكير منطقي محايد او ان يقبل بالاختلاف!