إربد- أحمد الخطيب

امتداداً لمساحات شعرية خضعت في عالمها المتخيل لحفريات نصية، ابتدأها الشاعر أيسر رضوان من سرود تكوينية قارّة في التشكيل المكاني والأسطوري عبر روايته « مثلث العشق والتيه»، مروراً بديوانه « ظلي لا يطاوعني» الذي ذهب فيه إلى تفكيك الفعل السردي، وإنشاء سلسلة من الإيقاعات الشعرية، ووقوفاً عند ديوانه الجديد « المعمدان.. تراتيل الرقص الأخيرة»، يدخل الشاعر رضوان في أبنية نصية قابلة للانزياح إلى المُسمّى الذي يحتاجه المتلقي وهو يعاين تظافر المحفورات التي يسعى إلى إعادة تقديمه كمظلة للتجانس الإشكالي بين ما هو ماضٍ وما هو معاصر.

الديوان الجديد الذي يقع في 122 صفحة من القطع الوسط، وصدر في إربد مؤخراً، يقوم بناؤه على دفقة شعرية واحدة، تتعدد أصواتها، ومدلولاتها، وأفق توقعاتها، إذ تنتظم في حلقة نصية واحدة، لا تحتاج معها توافر العنوانات، لأنها قائمة على نسيج واحد، فكرته الإشارة النصية، وليس الابتعاث من فكرة الحكاية.

الديوان الذي رسم لوحة غلافه الفنان نصر الزعبي، وأهداه الشاعر إلى « كل المظلومين في الأرض، وكل من وصل هذا الكتاب إلى يديه، وكان كارهاً للظلم»، اعتمد في مساحاته الشعرية على التكثيف، والقص، والإعادة، مجريات العملية النصية التي استغلها، لرسم لوحة الرقص الأخيرة التي عاشها « المعمدان»، يقول الشاعر في توطئته على لسان « المعمدان: « حَسَنٌ، ليكن الأمر كذلك يا هيرودوس، رأسي ستسقط كحبة التفاح وهذا أمر لا يشغلني، ما يشغلني رقصة سالومي فإنها لا تعجبني، لا تليق بي رقصة الموت هذه، أنا أجلّ من أن أموت على رقصة مائعة، وهذا المذبح القديم، لا أريد لشيء من دمي أن يراق سدى، أريد أن يكون جميعه، حين يراق على جسد سالومي، ستضحك سالومي بملء دمي، وأنت ستضحك لرأسي تحت قدميك، حَسَنٌ، لا وقت لديّ كي أطيل الكلام، دعها تغير رقصتها لتليق بموتي ودحرجة رأسي، وكأس نبيذك في يدك، لتليق بعرشك الذي سيبلى بعد هبوط السماء، السماء ستهبط مثل صوف الخراف على جسدي، أما رأسك فستسقط عليه لعنات الأنبياءـ وكل الرقصات الخائنة».

يشكل الديوان لحظة فنية قارّة في العملية البصرية، فهو يستفيد من الحركة الجسدية التي توفرها إيقاعات الفن المسرحي، حيث تتلوّى الكلمات، وتقفز أمام النص، وعلى منصة المفردات، لحظة فنيّة قارّة، تتشابك مع التوتر البنائي للذات، وتتعامد مع فكرة البقاء، والخلود، ولا تصغي إلا لحراكها هي، رغم ما يحيط بها من ضجيج.

تستفيد لغة الديوان من الحفر التاريخي والأنثروبولوجي، فتستصلح منه ما يتوافق مع الزمن الذي يعيشه الشاعر، فهو، أي الشاعر، يسعى مع هذه الحفريات إلى الوقوع على نص ماضوي يخدم فكرته، ويقدّم لها الحلول، وهو، أي الشاعر، في معظم كتاباته الإبداعية، يقف هذا الموقف من الأبعاد المؤثرة في عملية التناص الذي يريد من خلاله الذهاب بعيداً في استدراج اللغة الخاصة.

أما حكاية الديوان « تاريخياً»، فهي تلك الإشارة إلى رقصة سالومي ابنة هيرودوس وهيروديا، وقطع رأس « المعمدان»، أما، الفكرة التي يراودها الشاعر رضوان، ويسعى إلى تأثيثها، عبر هذه المقاربات، فهي حكاية الأمّة التي تذبح يومياً ويزجّ بها في متون الغياب، مقاربات استطاع الشاعر من خلالها أن يستنبط من الحكاية التاريخية الرواية المعاصرة، ويقدمها كتراتيل أخيرة أمام رقصة مخادعة.

يقول الشاعر على لسان « سالومي»:

« في هذا اليوم

سيعود مجد هيرود

سيكون لي

سأكون له

سأنشد لحبيبي

نشيد السهول

على فراش العشق

في هذا اليوم

يذوق نبيذ كرومي

ثم يصير عشقاً

في التجلّي».