الزرقاء- ريم العفيف

ليس كل طبيب يستطيع أن يكون أديباً، وقد أظهر الدكتور ثمين شقور صاحب رواية ظلال التيه أن لموهبته في الكتابة بداية جميلة وحزينة في آن واحد عندما كان يدرس الطب في دولة اليمن وقت اندلاع الحرب الأهلية في اليمن التي جعلت من قصصه متشردة كحالهم هناك.

يقول الدكتور شقور، أحد مثقفي الزرقاء ومبدعيها، في لقاء مع «الرأي» مستذكراً بداياته، إنّ أحد أساتذة الجامعة اكتشف لديه أسلوباً في الكتابة والتعبير فطلب منه أن يكتب قصصاً في مجلة الجامعة، فكانت أول قصة قصيرة له لا تتجاوز الثلاثين سطراً تحكي عن طالب جامعي مشرّد، إلا أنه عصامي ويسعى إلى تحقيق ذاته، آنذاك اكتُشفت موهبته، فكتب في مجلة الجامعة القصة القصيرة ذاتها محطّ الإعجاب، ولذلك فإنّ عام 1980هو عام مميّز لدى الدكتور شقّور، الذي كتب بعد ذلك مجموعة من القصص القصيرة، لكنّها ضاعت مع اندلاع الحرب التي كان لها أبلغ التأثير على الحالة النفسيّة والمعنوية للطلبة.

هذه الحالة الصعبة، وبالرغم من توالي كلّ هذه السنين، ظلّت محطّةً حزينةً للدكتور شقّور، الذي بدت بين عينيه سحابة من الهمّ، وهو يتحدث إلى «الرأي» عن حرب جرت في بلد عربي شقيق مُني بعد ذلك بحرب صعبة وظروف قاسية، ولذلك فإنّ ضياع قصصه شكَّل حالة انتكاس أدبية له، لكنّ هذه النهاية كانت بداية لدخوله عالم الأدب من جديد، وإن كان ذلك متأخراً، كما يقول.

الطبيب ثمين شقور، استرسل في حديثه وذكرياته، التي حضرتها زوجته حنان البيروتي المعلمة الأديبة، مؤكّداً أنّه صمم على ألا يضيع فرصةً لإنجاز أيّ عمل أدبي، فكان خلال عمله في العيادة يستغل أوقات فراغه القليلة ليكتب، فكان أنّه وجد نفسه بمواجهة قصة لم يكن يعرف لها طريقا إلى النهاية.

يقول شقّور إنّه، وفي جلسة مسائية صارح زوجته بما صنع من فنون الكتابة، فكان أن اقترحت عليه أن ينهي قصته برواية، فلم يتردد في أن يكمل كتابته وفكرته التي لطالما أخذت من جهده ووقته الكثير، فقرر أن يتابع الكتابة خلال فترات الاستراحة بين المرضى أو يستغل وقت الظهيرة أو أي وقت يسمح له بالكتابة، إلا أنه كان يجد صعوبة في ذلك فحينما يكون مسترسلاً في تلخيص أفكاره يضطر فجأةً إلى أن يتوقف عن الكتابة بسبب دخول مريض يحتاج لعلاج، فيتوقف وتنقطع أفكاره من جديد. عامان ونيّف بعد مرّا عليه لينجز مخطوط روايته الذي أفرح شريكته ورفيقة عمره حنان بيروتي، فشجّعته أن يقدّمه لـ»مختبر السرديات»، وبالفعل لم يتوان ثمين عن تقديمها للمختبر الذي قيّمها بأنها متوسطة، وقدّم لها المتخصصون والممارسون في المختبر ملاحظاتهم، فكان أن نالت الاستحسان، لتكون بين فكّي المطبعة وهو يراقب هذا المولود الأدبي الإبداعي كأول رواية.

وفي الوقت الذي لا يبدي فيه ثمين وحنان أي اهتمام بالعمل الأدبي داخل البيت نرى كلاً منهما يكتب خارج أسوار المنزل ويمارس حبه وشغفه بالكتابة بعيداً، وفي ذلك يقول شقور إنّ حنان لديها 11 كتاباً من ضمنها 9 مجموعات قصصية، إلا أنه لم يرها تكتب داخل المنزل عى الإطلاق ويتوقع هنا أنها كانت تكتب في أوقات الفراغ داخل المدرسة أو أثناء خروجه من المنزل، ويتابع: حنان دائما مراعية لدورها كزوجة وربة منزل رائعة، ولكنها في كل مرة تنجز مجموعة من القصص تفاجئني بها، كما أنها حريصة أن أقرأ ما تكتبه قبل النشر، ودائماً ما أقرأ بعنفوان الرجل الشرقي وأعطيها رأيي غير المنصف، ولكنّ قناعتي الداخلية بها عظيمة.

شقور زوج خفيف الظل، يروي أنّه قبل خمسة عشرة عاماً كان لحنان موقف رائع،..«فحين توفيت والدتي وكانت تربطها بحنان علاقة متميزة وكانت الأخرى مُحبة لها ومعينة في أمور كثيرة، فتفاجأت بكتابة حنان لرثائية من ثلاثة مقاطع!.. حقاً لقد كانت مُبكية» ويمازح قائلاً «..وإن كانت تريد (تزبيطي) من خلالها »، لتعلّق حنان بقولها :«تأثر ثمين بما كتبت بشدة حيث أنّ عفوية الرثاء وعدم التصنع، وعدم قصدية الكتابة والتأثر الشديد والقدرة على التعبير بالكلمات هي ما جعلت من مرثية أم زوجي وهي بمقام والدتي مؤثرة. يقول شقور « حنان تستحق مني الكثير؛ قارئة جيدة لها تأثير على الأبناء جعلتهم مشروعها الثقافي فهم شغوفون بالقراءة محبون للكتابة ويظهر ذلك من خلال ابننا يوسف الذي أبدع في كتابة القصة وابنتنا ميرنا التي تدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة أيضاً، أما ابننا الأكبر زيد فيدرس طب الأسنان في الجامعة..».

ويضيف شقور مستدعياً تفاصيل من واقع يومياته «طلبت مني ذات يوم تحويل شرفة البيت الواسعة إلى مكتبة وهي بالفعل عندها ما لا يقل عن 3000 كتاب وكان ذلك أبسط شيء يمكنني تقديمه لحنان، وقد فرحت به كثيراً، حيث أنهيت تصميم الشرفة، كما أنّ المكتبة مجهزة كاملة بالإضاءة وطاولة المكتب و(اللابتوب) الشخصي الخاص بها!..».

شرقية ثمين تأبى أن تفارقه بالرغم من كلّ ذلك، فهو رجل شرقي ألبته، لا يتنازل عن دوره في قيادة شؤون البيت وتسيير أعماله، كما يرفض إلا أن يكون صانعاً للقرارات ومصدراً لها، وهنا نرى ذكاء حنان التي تجسد صورة المرأة المبدعة التي تحمل مشروعها بإصرار وعن حب ورغبة، فتؤكّد أن المرأة يجب أن لا تستسلم للفشل عند أول محطة وأن يكون لديها قدرة تحمُّل، وتوضّح قائلة: ثمين ساندني في مراحل عديدة وكان يتحمل مزاجيتي وتقلب شخصيتي بين الحين والآخر ولكنْ، هناك مراحل لا بد فيها من أن يصطدم الرجل الشرقي بشرقيته، وتعزو ذلك إلى عدم قدرة الرجل الشرقي أن ينسلخ وينعزل عن محيطه وتتفهم هذا الموضوع وتعالجه بطريقتها، وتحقق مكتسبات ولو على مراحل، فليس عند حنان أدنى مشكلة في التأجيل أو التنازل المرحلي لأن البيروتي تجد أن الهدف من الكتابة هو ترسيخ المفاهيم الاجتماعية وتقوية روابط الأسرة والعائلة لا القفز عليها وهنا هي محصلة الإبداع.

وعن شخصية طبيب الإنسان، تقول « ذات يوم، وأنا في عيادته الخاصة في منطقة السخنة جاء للدكتور ثمين شخص يريد العلاج وبعد أن انهى تشخيصه قال له (بسلم عليك أبو فلان) فقال له ثمين (على الرحب والسعة أنت والأهل جميعا وأبلغه سلامي!)، دون أن يأخذ منه كشفية لا بل رافقه بدواء مجاني، وهنا قمت بسؤاله، فقال لي (إن أحدهم أرسل لي ضمة فجل الأسبوع الماضي، وهذه تكفيني!!) فكم هو جميل مراعاة حالات الناس في ظل الغلاء الذي نعيشه والكشفيات باهظة الثمن و التي أصبح الطب من خلالها تجارة لا حكمة ودواء، ومن ثم سألته ما الذي يدفعه إلى ذلك، فنظر إلي مبتسماً وقال: عندما فتحت العيادة كانت والدتي مسنة كبيرة في العمر وأوصتني أن أترك في كل يوم عمل لي في العيادة شيئا لله « وما زال شقور يحفظ وصية والدته ، لتمرّ 27 سنة وشقور يمارس مهنة الطب في هذه المنطقة ويحفظ سكانها وحالتهم حتى أن «دينارين» كشفية ترضيه ويحمد الله فيما بعد، فليت قناعة شقور تكون في كل الأطباء.

حنان الأديبة المتميزة، معلمة لغة عربية دخلت التخصص عن رغبة وحب فتشرب منها طلابها الثقافة والأدب وأنتجت عائلة متأدبة مثقفة وواعية وخلاقة في آن واحد ولم تقتصر في أدوارها كافة، فكانت خير أم وخير معلمة وأديبة رائعة، فلديها 12 كتاباً من ضمنها 9 مجموعات قصصية كان آخرها مجموعة قصصية بعنوان «ليت للبحر لساناً يحكي» عام 2017 وهي مجموعة قصص تتناول كل قصة حالة معينة سواء كانت اجتماعية أم إنسانية، إضافة إلى قضايا الفرد المعاصر.

عن رواية ظلال التيه تقول إنها كعمل أولي منجز ثقافي مهم جداً، لأن العمل الروائي يحتاج إلى تركيز وخلفية ثقافية وفكرية، وتتمنى أن تكون الروايات القادمة أكثر غنى وثراء، فثمين كان ذكياً جداً حين استخدم مهارته كطبيب في تشخيص الأمراض في الواقع العربي بطريقة سلسة من ناحية أدبية.

لربما كان لحنان دور غير مباشر وغير مقصود في التأثير على ثمين حتى تحفز الأديب الذي يسكن داخله وذلك من خلال مشاركتها له في كل جديد تكتب لتحصل أيضاً على رأيه وتحصل على تقييم أولي للقصة التي تكتب.

رواية ظلال التيه تتناول الفرد في المجتمع العربي وما يتعرض له من ضغوط اجتماعية واقتصادية وهي تسير في شخصيتين متوازيتين: الشخصية الرئيسية سعيد والشخصية الثانية سعاد حيث أن سعيد يخضع لضغوطات فكرية واقتصادية ويستسلم للواقع فتتلقفه الجماعات الإرهابية التي تحاول تجنيده والسيطرة عليه وسعاد تعيش في وضع عائلي مزرٍ مع زوج لا يدعمها ولا يكترث لها ولا يراعي شؤونها بل ويتزوج عليها، وفيما بعد تقع في أيدي مستغلين يوصلوها إلى طريق الضياع ، وجمالية الرواية هي أن القارئ يتتبع نمو الشخصية ويعيش ويتعايش معها، وفي نهايتها تتعقد وتتأزم القصة بطريقة أقرب إلى الواقعية وتبقى الأسئلة تدور في ذهن القارئ خصوصاً وأنها تناقش قضايا معاصرة غاية في الخطورة كالجماعات المتطرفة والفكر الإرهابي بأسلوب بسيط دون أن يقدم حلولاً مباشرة أو وجهة نظرة بطريقة جاهزة للقراء.