كثيرون هم الذين لم يستوعبوا الدروس التي افضت باليمن الى هذا المآل.

كثيرون هم الذين لم يتعظوا من عِبر التاريخ التي أورثت الخلاف والتناحر والاختصام وليس الوئام.

وكثيرون هم الذين يجترون مآسي الماضي ويسعون لتطبيقه على واقع الحاضر اليوم.

فليست الصومال والعراق وليبيا وسوريا الا حلقات من مسلسل امتد شريانه الى اليمن لتبقى حاضرة في عيون العالم، في ظل تغييب قضية فلسطين عن العيان والبيان.

فلم تعد الديمقراطية التي تدعو الى التوحد والتناغم والاختلاف في اطار التنوع والتعدد قيمة مثلى في نظر العالم اليوم تجاه شعوب المنطقة.

صار جيل جديد يتخلق بلا رؤى موجبة لصنع الحاضر واستشراف آفاق المستقبل.

عاش مآسي الحروب والندوب، ولم يجد بصيص أمل في القادم الموعود..

استشرت ثقافة الكراهية والخصومة وغابت ثقافة المودة والرحمة والتسامح والوئام.. وصار التمنطق بالسلاح الظاهرة السائدة عن تأبط الكتاب.. واصبح القتل مشاعاً وإراقة الدم مباحة بلا وازع من ضمير او رادع انساني واخلاقي وديني ايضا.

وافضت هذه الثقافة الى حروب خلّفت آلاف الضحايا والجرحى والثكالى، ودمرت كل مقومات الحياة للبلاد والعباد.

وفي خضم هذا الصراع الدموي الذي طال امده، لم تشفع كل القرارات الدولية في لجمه وتوقيف نزيفه الدامي.

واستعاضت الأمم المتحدة عن تطبيق قراراتها الملزمة بجنيف واحد وجنيف اثنين وجنيف ثلاثة وربما الى ما لا نهاية.

من ليبيا الى سوريا والى اليمن ارقام جنيف وعنوانها يستأثر على المشهد الدولي ويكاد يطغى على مضمون القرارات التي تمخضت عن الاجماع الدولي في اروقة الامم المتحدة في نيويورك ذاتها.

وعلى الرغم من خصوصية الوضع السياسي في اليمن عن سواها والناجم عن انقلاب ميليشيات مسلحة على الشرعية المعترف بها دولياً، فان مباحثات جنيف الذي دعا اليها المبعوث الجديد للامم المتحدة مارتن غريفيش بحضور وفد الحكومة الشرعية وتغيب وفد الحوثيين، لم يحرك ساكناً امام الجهود الدولية.

فالثابت وفي ضوء هذه المعطيات كان يتوجب على المبعوث الدولي لليمن في سعيه لتحقيق السلام المستدام في اليمن، ان لا يتكئ على مشاورات جانبية سبقتها مشاورات عدة من الكويت الى جنيف، وبيده حزمة من قرارات الامم المتحدة التي يتعين عليه تنفيذها لا ان يداري ويهادن كأنه يسعى الى عقد زواج بين طرفين نقيضين في الرؤى والأهداف والمبتغاه.

ولعله آن الأوان، قبل فوات الأوان، ليستشعر الجميع بالمسؤوليات الوطنية، ويقف صفا واحدا وعلى قلب رجل واحد خلف الشرعية التي اجمع عليها الشعب كل الشعب.

وهو الخيار الوحيد الذي لا خيار سواه لاستعادة الوطن، وتحقيق حلم الشعب من مغتصبي السلطة والثروة والحلم المعقود.

* المستشار السابق للرئيس اليمني