بعد فشل قمة طهران الثلاثية بين زعماء روسيا وتركيا وإيران التي تركزت حول مصير إدلب في السابع من سبتمبر الماضي، بات في حكم المؤكد قرب موعد معركة إدلب، وكانت قوات النظام السوري قد بدأت منذ عدة أسابيع إرسال تعزيزات عسكرية إلى محيط المحافظة بالتزامن مع تصعيد روسيا القصف على مناطق عديدة في الريف الجنوبي الشرقي، وثمة قناعة باتت راسخة لدى الولايات المتحدة والدول الأوروبية فضلا عن الأمم المتحدة عن قرب وقوع المعركة في ظل التحذير من استخدام السلاح الكيماوي من طرف النظام السوري والتهديد برد مياشر وفوري، وتصاعد القلق من وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف المدنيين وحدوث عمليات نزوح واسعة النظاق وحلول كارثة إنسانية.

في سياق انتظار حلول موعد المعركة الأخيرة الكبرى في سوريا تتكاثر التحليلات والتوقعات حول سيناريوهات المعركة بين التهويل باستخدام تكتيكات الأرض المحروقة باعتباره النهج التقليدي المفضل للنظام وروسيا، وبين التهوين من حجم المعركة وتكتيكاتها وتداعياتها ومآلاتها، من خلال المزج بين التسوية والتصعيد كما حدث في الجبهة الجنوبية والغوطة وجنوب دمشق وغيرها من مناطق خفض التصعيد، وثمة رهانات على حدوث انشقاقات وانهيارات في صفوف «هيئة تحرير الشام» التي تسيطر على مساحات واسعة من محافظة إدلب، التي تشكل الذريعة الأساسية للهجوم في ظل الإجماع الدولي على «حرب الإرهاب»، ويتنامى الحديث عن تعاون تركي روسي واستخدام قوات خاصة بمشاركة المعارضة المعتدلة، لإجبار جبهة النصرة على حل نفسها والانسحاب من مدينة إدلب.

تعتبر مسألة «حرب الإرهاب» وطرد «الإرهابيين» من إدلب نقطة إجماع لا جدال فيها بين كافة الأطراف الدولية والإقليمية، وقد حسم الجميع موقفه من هيئة تحرير الشام ــ النصرة سابقا باعتبارها منظمة إرهابية، حيث أعلنت تركيا رسمياً عن تصنيف «هيئة تحرير الشام» منظمة «إرهابية» في 31 أغسطس 2018، وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد أدرجتها على قائمة الإرهاب في 31 مايو 2018، الأمر الذي شكل نقطة اتفاق في قمة طهران الثلاثية حيث شددت طهران وموسكو على ضرورة محاربة «الإرهاب» وحق دمشق في استعادة السيطرة على كامل أراضيها، لكن تركيا مع تأكيده على حرب الإرهاب دعت إلى وقف لإطلاق النار، وحذر أردوغان من «حمام دم»، وه ما رفضه بوتين وأيده روحاني الذي على أن «محاربة الإرهاب في إدلب جزء لا بد منه في المهمة المتمثلة بإعادة السلام والاستقرار إلى سوريا»، مضيفا «إلا أن هذا يجب ألا يكون مؤلما للمدنيين وألا يؤدي إلى سياسة الأرض المحروقة».

لا جدال أن مفتاح المعركة المرتقبة في إدلب تدور رحاها في ريف اللاذقية، حيث بدأت قوات النظام مبكرا منذ يوليو الماضي الحشد لبدء عملية عسكرية ضد مواقع المعارضة المسلحة في الريف الشمالي الشرقي لمدينة اللاذقية، وما تبقى من مرتفعات جبلية مطلة على جسر الشغور في ريف إدلب الشمالي، وحسب وكالة «سبوتنيك» الروسية فإن قوات الجيش أنهت استعداداتها العسكرية واللوجستية لبدء هجوم بري واسع من عدة محاور، لتأمين كامل ريف اللاذقية الشمالي الشرقي المتاخم لريف جسر الشغور غربي إدلب، ونقلت وسائل إعلام روسية عن رئيس «مركز المصالحة» الروسي، اللواء ألكسي تسيغانوف، في 21 يوليو الماضي، قوله «ما يشكل مصدر قلق خاص، الوضع في ريف محافظة إدلب، حيث يلاحظ تفعيل جماعات مسلحة غير شرعية انضمت إلى جبهة النصرة حاولت اختراق الجزء الشمالي من ريف محافظة حمص باستخدام الإرهابيين الانتحاريين»، وأضاف أن مجموعات منتمية لـ»جبهة النصرة» حاولت الهجوم على مواقع لقوات الجيش السوري في ريف اللاذقية، بالإضافة إلى ذلك تطلق طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات، والتي استهدفت مرات عديدة قاعدة حميميم الروسية.

منذ ربيع عام 2012، تسيطر المعارضة المسلّحة على جبل الأكراد والمنطقة الواقعة على طول الحدود التركية وصولاً إلى قرية كساب الأرمنية. وفي مارس 2014، اقتحمت جماعات جهادية قرية الكساب ودمّرت الرادار الروسي على قمة جبل الأقرع، ولكن بعد أن فشلت في التقدّم جنوباً، غادرت كساب في يونيو من ذلك العام. وإلى غرب إدلب في جسر الشغور وأريحا، هناك استمرارية جغرافية بين جبل الأكراد ومنطقة المعارضة الشمالية الغربية، مما يشكّل خطراً حقيقياً على سيطرة النظام في اللاذقية، وفي شهري يوليو وأغسطس 2015، هدّد هجوم المعارضة في سهل الغاب مدينة اللاذقية والقرى العلوية قليلة السكان في شمال جبل الأنصارية، فبعد سقوط جسر الشغور في أبريل 2015، استولى الخوف على السكان العلويّين، وفرّت بعض العائلات إلى جبل الأنصارية، الذي يُعتبر أكثر أماناً من اللاذقية.

في المقابل تسيطر قوات النظام السوري على مساحات واسعة من ريف اللاذقية الشمالي، وتقدمت منذ مطلع 2016 في جبلي التركمان والأكراد، وسيطرت على عدد من البلدات الاستراتيجية أهمها سلمى وكنسبا وربيعة، وتشكل عملية استعادة السيطرة على ريف اللاذقية وريف حماة الشمالي الغربي، وفتح طريق حلب- اللاذقية وتأمين ريفي حماة الشمالي الغربي واللاذقية الشمالي الشرقي مفتاحا سيفرض على قوات النظام متابعة تقدمه والسيطرة على كامل منطقة جسر الشغور وصولًا إلى مدينة أريحا، حيث تعتبر مدينة جسر الشغور صلة الوصل بين الشمال السوري والساحل.

منذ منتصف شهر يوليو الماضي كثفت فوات النظام السوري والمليشيات المساندة لها استهداف مواقع جبهة «النصرة» والمقاتلين «الصينيين» من «الحزب الإسلامي التركستاني» والأذريين والطاجيك، والفصائل القريبة من القاعدة من تنظيم «حراس الدين»، وتدرك المعارضة السورية المسلحة خطورة جبهة ريف اللاذقية والساحل، وكانت «هيئة تحرير الشام» قد نشرت صورًا لزعيم الهيئة «أبو محمد الجولاني» في ريف اللاذقية الشمالي خلال جولة تفقدية للجبهات الفاصلة مع قوات الأسد، حيث ظهر الجولاني في الصور التي نشرت في 21 أغسطس الماضي، برفقة مجموعة من القياديين في قمة كباني بريف اللاذقية، وقالت «الهيئة» إنه تفقد غرفة العمليات العسكرية، وذلك بالتزامن مع وصول حشود لقوات النظام والميليشيات المساندة لها، وبدء العد العكسي لعملية عسكرية واسعة خلال الأيام المقبلة.

خلاضة القول أن مفتاح معركة إدلب تكمن في الأرياف الصعبة حيث توجد الجماعات الجهادية الأشد صلابة من المقاتلين الأجانب، وبانتظار تفاهمات تركية روسية مع وجود ثلاث نقاط مراقبة تركية هناك، ومنذ التدخل الروسي في سبتمبر 2015 كانت قوات النظام تشن أعنف حملة عسكرية برية وجوية مع روسيا لاستعادة مناطق الساحل السوري، وتدرك روسيا أن نهاية المعرضة المسلحة وتأمين يقاء النظام السوري لا يمكن أن يتحقق بالكامل إلا بإبعاد المعارضة عن المناطق التي سيطرت عليها المعارضة على اختلاف توجهاتها في ريف اللاذقية، خصوصا بعد سيطرة «جيش الفتح» على مساحات واسعة في الشمال السوري خلف جبلي التركمان والأكراد.

hasanabuhanya@hotmail.com