عمان - ناجح حسن

جملة من عروض الأفلام الأردنية والعربية والعالمية من النوع الروائي القصير، أضاءت أول من أمس فضاءات المركز الثقافي الملكي، بألوان من الإبداعات الجمالية والدرامية، وذلك ضمن فعاليات الدورة السادسة لمهرجان الأردن الدولي للأفلام.

حضرت الأفلام من: الأردن والبحرين وتركيا واوكرانيا وروسيا وتشيلي، حيث برع صناعها في تصوير موضوعاتهم بتعابير سينمائية خالصة أقرب إلى الشاعرية في تجريديتها رغم ما واجهه البعض منها من تحديات الامكانات التمويلية الصعبة.

ظمأ

استهلت عروض المهرجان بالفيلم الأردني القصير «ظمأ» للمخرج المعتصم أبو عليم، صاحب فيلم «ترانزيت»، وفيه يقدم موضوعاً على دفتي الحلم والواقع، عن العطش والارتواء والراحة والشقاء، يحتشد بكادرات مشهدية واسعة آتية من زوايا وتكوينات بصرية ممتعة تعاين حراك أفراد وتفاصيل العيش في بيئة إنسانية صعبة.

كما طرح العمل العديد من الرؤى المتعلقة بالآمال والآلام التي يعيشها الشباب في تأمل عوالم الذات والواقع بحيوية جمالية مفرطة إلا أنها بسيطة التشكيل سهلة الوصول إلى القلوب وهذا هو موضع جاذبيتها.

الأشقر

ويكشف فيلم «الأشقر» للمخرج البحريني سلمان يوسف، عوالم وخفايا منافسة «الديوك» في بيئة إنسانية فقيرة، من خلال حكاية شاب يخوض مع ديك يمتلكه يسمى «الأشقر» منافسات صراع الديكة، يحقق فيها دائما الفوز، وهو ما ينعكس على علاقته مع زوجته على نحو عنيف ومأساوي.

لا شك أن مثل هذا العمل البسيط، يشكل إضافة نوعية لنتاجات السينما في بلد مثل البحرين، قدّم للسينما بعض المحاولات السينمائية الطيبة، ففي هذا الفيلم، نص مبتكر وتجربة مخرجة الشاب لافتة بتلك اللمسات الاحترافية سواء في كتابة السيناريو من خلال الأداء البارع للممثلين الرئيسين الثلاثة.

الإرث

بين فيلم وآخر، يثبت تيار السينما التركية الجديدة، فهو قادر بفطنة مواهبهم ومخيلتهم الرحبة المدعمة بإمكاناتهم المادية والتمويلية البسيطة، من إمتاع عشاق السينما برؤى مغايرة عن تلك السينما السائدة، وأكثر ما يتبدى ذلك في فيلم «الإرث» للمخرج عمر بلدريم، الذي يذكّر في أسلوبيته ما درجت عليه أفلام الأولى على نحو يوازي ما وصلت إليه أعمال: نوري بيج سيلان، ريها إرديم، سمير أصلان يوريك وسواهم.

يتحدث «الإرث» بلقطة واحدة مشبعة بمناخ بصري آسر يجري فيه تحييد الحوار، إلا أنه يفيض بالهموم والآمال الإنسانية المشرعة على نوافذ الأمل في التصميم على العيش ضمن إمكاناتهم المتاحة، فهو يصور سعياً دؤوباً من رب أسرة وزوجته وأطفاله في التشبث بالأمل رغم قسوة الحياة والواقع المؤلم المثقل بالفقر والمعاناة.

يتكيء الفيلم على مفردات سينمائية تعبيرية، تسلك طريق البساطة المفعم بجماليات الفيلم الفقير، مكنت مخرجه من وضع بصمته على المشهد السينمائي في بلده، فهو اشتغال ينهج تيار السينما المستقلة،الذي تتنامى فيه البهجة والافتتان بالإنسان في كدّه اليومي داخل بيئته السياسية والاجتماعية والثقافية الصعبة، مثلما يخوض بجرأة وشاعرية في غمار القضايا الشائكة، والتي لا تنفك عن التحليل الجمالي والدرامي المتمر النابض بفهم السينما وتفاصيل العيش اليومي.

فيشتري

يؤشر فيلم «فيشتري» للمخرج باتريسيو غوينترتيروس الليندي، على صناعة الفيلم التشيلي القصير، وما وصلت إليه من مستويات بليغة التأثير في امتلاك فرادة الأساليب الجمالية والمعالجاته الدرامية تجاه الواقع الإنساني، وتحديداً في بلد مثل تشيلي صاحب التاريخ الثري بموروثه الحضاري، والذي شهد خلال فترة القرن الماضي العديد من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية اللافتة.

يعالج الفيلم موضوعه داخل أطياف جمالية متعددة الأدوات والمفاهيم، عبر تصوير متين وجذاب لقصة قدوم غرباء لزيارة فتاة تنحدر من إحدى قبائل الهنود الحمر، ثم يأخذ في توخي تلك الإشارات والدلالات القادمة من ذاكرة يقظة عن الماضي التي عاشه السكان الأصليون، وما يتخلله من لحظات تفكير في مفهوم بيئة مليئة بتفاصيل العلاقات الإنسانية لكنها بالقطع لا تخلو من وقع المفاجاءات والمواقف بحيث تتحكم في مصائر أفراد وجماعات وكل ذلك يقدمه الفيلم في إطار من الواقعية السينمائية التي تتوهج بأبعاد روحية وشاعرية آسرة تفيض بالحنين للناس والأمكنة من خلال شخصية فتاة في التاسعة من العمر تنشد التواصل مع الحياة وهي تستدعي تاريخاً قريباً لأفراد أسرتها التي انفصلت عنهم، تألقت في تجسيده بآداء حرفي تعبيري فتّان.

محاولة لجريمة قتل

في الفيلم الروسي «محاولة لجريمة قتل» للمخرجه ايفيغنيا كازانيكا،عودة جديدة إلى تلك القامات الرفيعة في السينما الروسية، المتسلحة بأفكار وتقنيات سينمائية نضرة، ففيه يجري تصوير أحدهم يجلس في أمسية هادئة على مقعده الوثير داخل بيته قرب نافذة يطل منها على مشاهد طبيعية خلابة قبل أن تداهمه طلقة تبدو طائشة لكنها لا تصيبه، بيد أنها تغير كل شيء بحياته.

لا شك أن اشتغالات المخرجة على الفيلم جاءت مشدودة إلى الفن الأكثر تعبيراً عن العصر، بانت فيها قدرتها على تجسيد لوعة العزلة والفقد والتعبير عن أحوال معيشية بالغضب والقسوة تارة والحب والرقة تارة أخرى في بناء جمالي قوي يصل إلى حد الشفافية الشعرية، تتوخى تحولات صعبة أصابت واقع محيطها الاجتماعي، تجمع فيها بين البراعة في الاستخدام الذكي لمفردات اللغة السينمائية من الأداء التمثيلي والتصوير والموسيقى والألوان في عناق مع حرارة المواضيع المستمدة من تجارب ورؤى تنشد اثر موروثها السينمائي الخصب.

الطفولة

مع أن السينما في أوكرانيا ذات تاريخ عريق، إلاّ أن تلك النتاجات المحدودة في هذا البلد، تنهض على إبداعات متفاوتة، تنجز من قبل العديد من المخرجين المخضرمين الذين عرفتهم السينما السوفيتية إبان القرن الفائت، أو بفعل جهود صناع أفلام شباب من الجيل الحالي، عاينوا فيها بفرادة وحذق ومهارة، الكثير من الموضوعات الآتية من قصص وحكايات إنسانية مشبعة بمناخات التاريخ واستشراف المستقبل عبر وقائع ناشئة عن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية من داخل البيئة الأوكرانية.

فالفيلم الروائي القصير «الطفولة» للمخرج ديمتري كونونوف، هو واحد من تلك الإشراقات التي تجذب صورته وترضي أذواقا شتى بهذا الزخم والتنوع، وعلى الأخص تلك الذائقة الباحثة عن كسر الرتابه التلفزيونية التي تقزم إبداع الصورة، فضلاً عن لغته الفكرية الجريئة والطموحة في مناقشة واقع بيئته على نحو جمالي فطن.

تفتح الكاميرا على طفلين خارجين للتو من مدرستهما ليفتكون المفاجأة برجل مخمور سقط على الأرض بلا حراك، وعوضاً عن محاولة إسعافه فإن أحدهما لا يتوانى عن قتله بشكل عنيف وقاس مفرط بالقوة، وقد كان مخرجه يحاكي بهذه اللقطات اشتغالات قامات التشويق السينمائي مدعماً بلغه سينمائية دلت على شخصية مخرج موهوب يرنو إلى التجديد في نوع السينما الذي اختار من بين التي تجهد في تركيب قصتها وسلوك الشخصيات تحت وطأة الدوافع النفسية، وفر لها كونونوف عنصري الإثارة والانفعال الضروريين لإنجاح فيلم تشويقي بليغ الإحالات والرؤى والمعاني والدلالات البليغة.