رسمي الجراح

وصلت الفنانه هيلدا حياري اإلى منطقة أعمق في التعبير والتوصيف عن حال المدن العربية التي مثلتها في جسد المراة المشظى في معرضها الفني الأخير في جاليري المشرق والذي حمل عنوان «قطعة قطعة» منوعة بين الورق والكانفس فالمرأة والمدينة وجهان لمعاناة واحدة.

بعد تجربتيها « وجوه ضد الحرب» و»أخبار» أفصحت الحياري في تجربتها هذه عن توق المرأة أو المدينة العربية للانعتاق من حالة القهر والظلم وهي تنشد الخلاص من ظلام طويل جاثم عليها فيما تنوء هنا وهناك وفي أصقاع أخرى وتنهض مثل طائر الفينيق , فها هي تتجمل وتطل من نافذة الشمس تتفتح وتقبل خد الأيام الآتية التي لم تتلوث بغبار الحروب ورائحة البارود.

تختلف البناءات الفنية عند حياري من لوحة لأخرى ومن سطح لآخر والمرأة لا سواها هي التي تستوطن اللوحة والرجل مستبعد ليس لشي محدد لكنه بعرف التفكير العام هو من يبتكر الحروب والخراب والدمار فهو المتصدي للسياسة وهو من يدير دفة الشر فهو مستثنى والمرأة حاضرة في نهاية الأمر ضحية لما يجري.

تنوع حياري في التعبير عن فكرتها فالمرأة تحضر بكامل أناقتها وكعوبها الطويلة تبتغي الفرح والهجرة نحو السعادة وتحضر في بعض الحالات: بورتريهاً فقط أو قطعة منها اليد مثلا أو القدم وتصحب المرأة الطيور أو الأسماك أو الفراشات كمفردات لها سمة الظرافة وكرموز لها دلالاتها وهي التي رافقت المرأة في التصاوير في الميثولوجيا فيما الأشجار غير المورقة أو المورقة بأوراق محترقة هي دلالة ما تركته آلة الحرب خلفها.

وما الحروف العربية التي تصمنتها بعض الرسوم والرقش على الوجوة والأجساد إلا تأكيد من الفنانة بأنها تقصد المرأة والمدينة العربية والأجساد والوجوه عند الفنانة زينت وعبثت ورقشت عليها من الأشكال والخطوط والنقط وكأنها جدار جرافيتي لتؤشر على أن ما يجري هو أمامنا تفضحه الوجوه.

بدت بعض أشكال وهيئات وملامح النساء في بعض الأعمال مثل « مانيكان « بيوت الأزياء وهو تعبير قصدته الفنانة الحياري معلنة أن المرأة في بعض الأصقاع تسلعت وباتت تباع وتشترى بالمال في حين تؤكد ذلك من خلال الوجوه الضامئة والعيون الجاحظة والبؤس وحالة الاندهاش والاستغراب والاستهجان والأسئلة التي تملأ الوجوه وأبرزها هل المراة ستظل المسحوقة الهامشية.

تلوينياً اختارت الفنانة التلوين بثيمتين مختلفتين الأولى بألوان القهوة وخامات أخرى على الورق وهو ما منح التجربة تعتيقا فبدت كأنها وثائق قديمة قد مضى عليها زمن مما منحها قيمة إضافية وفي تلوينات الكانفس ترواحت التدرجات اللونية بين البراق والألوان النقية الحارة والباردة في التعبيرات التي تظهر فيها المرأة بحالة من التفاؤل في حين أن الجانب المعتم والقاسي في حياة المرأة بدا بألوان قاتمة وفي كلتا الحالتين تتقاطع التدرجات وتتشابك الخطوط وتتداخل المساحات لتؤثث اللوحة جماليا.

تصف الفنانة تجربتها بقولها «وما الفن إلا محاولة لتجميع بقايا ما تبعثر في الروح والجسد.. سألتقط أنفاسي ثم أجزائي وأنثرها كلها على سطح لوحة».. رسالة أرادت الفنانة التشكيلية هيلدا حياري إيصالها في لوحات معرض «قطعة.. قطعة» الذي افتتح مؤخراً في جاليري دار المشرق.

الفنانة هيلدا حياري الحاصلة على بكالوريوس علوم سياسية وبكالوريوس آخر في فنون الغرافيك، شاركت بالعديد من المعارض في الأردن، ودول عديدة مختلفة، وحققت مكانة مهمة في الفن العربي من خلال أسلوبها المميز، وحصولها على العديد من الجوائز الدولية سواء عن أعمالها المفاهيمية أو الفيديو آرت أو الرسم وآخرها حصولها على جائزة بينالي طهران في إيران.