مسؤول غربي رفيع «آخر» يدفع بمذكراته الى الأسواق.كان الأول في الآونة الأخيرة رئيس الدبلوماسية الأميركية السابق جون كيري،الذي وضع مذكراته الموسومة «كل يوم هو يوم اضافي»،بين أيدي القرّاء،وهو معنِي بالجمهور الأميركي على وجه الخصوص،مع يقينه انها ستجد لها أصداء واسعة في أربع رياح المعمورة,أو اقلّه لدى كل من جاء على ذكرهم في كتابه والقضايا والملفات التي تحدث عنها،وبخاصة علاقات واشنطن بموسكو والأزمة السورية,وتحديداً فشله الموصوف في ممارسة اي نوع من الضغوط على قادة اسرائيل،أو حتى التمسّك بما دأب الامبرياليون الأميركيون على التشدّق به(كذباً بالطبع)حول حقوق الإنسان وحق تقرير المصير ومحاربة الإرهاب,بِشقَّيه إرهاب الدولة أو إرهاب الأفراد والمنظمات.حيث تبرز إسرائيل كدولة اولى في الإرهاب والعنصرية؟ وبالتالي كانت صفعة إسرائيلية/يهودية للوزير الأميركي وخصوصاً لرئيسه أوباما،عندما ازدراه نتانياهو وذهب إلى الكونغرس خطيباً متبجحاً,دون أن يُعير أدنى اهتمام بالبيت الأبيض وسيده ووزير خارجيته بل وحزبه «الديمقراطي»,ما اعتبره كيري(في مذكراتِه)صفعة وطعنة إسرائيلية في ظهر الإدارة الديمقراطِية.

أمّا الثاني»الأحدث»الذي يعود إلى الأضواء بعد خمس سنوات قضاها في قصر الإليزيه،وسجّل لنفسه وعليها انه «أوَل»مَن»حظِي»بلقب الرئيس الأدنى شعبية في تاريخ الرؤساء الفرنسيين،ونقصد هنا الرئيس السابق»الاشتراكي» فرانسوا هولاند،الذي خرج على الجمهور الفرنسي و»العالمي»بمذكرات تتحدّث عن سنوات حكمه الممتدة بين الأعوام (2012-2017) وحملت عنوان»أُمثولات السلطة»،واضعاً تجربته»القصيرة»والفاشِلة كما يتّفِق كثيرون,على تقييم الفترة التي قضاها في الحكم.واضِعا تجربته أمام القُرّاء،تارِكاً الحُكم على تلك التجربة,لِقارئ تلك المذكرات.. مُعقِباً أو مؤيِداً أو ناقِداً أو مُفنّداً،لكنه امتلك الشجاعة (كما كيري)وقبله كثيرون....ساسة وعسكريون وحزبيون وجواسيس، ارادوا ان يَجِدوا لأنفسهم»مكانة»في الفضاءين.. الوطني أو الدولي. وبالطبع لم تتأخّر القراءات النقدية والتحليلية لتلك المذكرات,وخصوصاً إذا ما انطوت على كشف اسرار او فك ألغاز حِقّب ما او أضاءت على قضية او ملف استحوَذ على اهتمام كبير في مرحلة ما،وكاد أن يُشكّل نقطة تحول في العلاقات الدولية،او يفضي الى حرب بين القوى العظمى قد تتدحرَج إلى حرب عالمية ثالثة،اذا لم يُسارِع المعنيون لاستدراك الأمور والبحث عن حلول وسط او خلاّقة في بعض الأحيان،كما حدث في ملف الأسلحة الكيماوية السورية،الذي ارادت عواصم الغرب الاستعماري التركيز عليه من اجل استكمال مشروعها لإسقاط الدولة السورية،عبر اختلاق كذبة استخدام الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013،وما قيل عن»الخط الأحمر»الذي رسمه أوباما,الى ان انتهت الأمور باقتراح تخلّي دمشق عما قيل ترسانتها الكيماوية،مقابل امتناع واشنطن واتباعها في باريس ولندن عن توجيه ضربات جوية وبحرية للجيش ومنشآت الدولة السورية الحيوية.

في الشأن السورِي،يلتقي كيري وهولاند،في قراءتهما الاستعمارية والعنصرية للمسألة,إذ يقول الرئيس الفرنسي السابق في كتابه:»لو ضربنا النظام في 2013 لتغَيّر مسار الحرب في سوريا» ناهيك عما يحمله هولاند من ضغينة وكراهية لروسيا وخصوصا لرئيسها بوتين,الذي في نظره»لا يحترم سوى القوة».فيما ينتقد كيري رئيسه,مُعْتَرِفاً بأن «الولايات المتحدة دفَعت ثمناً غالياً لعدم تنفيذ تهديدات الخط الأحمر الذي رسمه أوباما», داعماً تصريحات سابقة له بأنه (كيري) لم يتمَكّن من إقناع رئيسه,بأن الرئيس السوري في حاجة الى ان يتعلّم درساً,بعد قيامه بانتهاك وقف اطلاق النار واستخدام الاسلحة الكيماوية...ضد شعبه. (كذا).

وبصرف النظر عن هذه الغطرسة وعرض القوة الذي لا يتوقف المستعمِرون الغربيون عن التلويح بها،فان ما تتوفر عليه»مذكراتِهم»تتيح للمُهتمين أياً كانت مشاربهم واهتماماتهم,التوقّف عند كيفية اتّخاذ القرار في الدول ذات الوزن والأهمية,وماهِيّة السلطة والمسؤوليات التي يتمتع بها هذا المسؤول او ذاك,وكيف ان لكل واحد منهم صلاحياته وادواره,التي تنظمها الدساتير والقوانين وخصوصا السلطة القضائية المُستقِلة وذات الوزن والتأثير.

فيما في بلاد العرب الأمور سائبة وعائمة وغير محدّدة،ولهذا يندر أن تجد مسؤولاً عربياً يكشف شيئاً في مذكّراتِه (إن كان ثمة من فكّر أو يفكّر في كتابتها أو نشرها)لأن لا أدوار ولا سلطات ولا مسؤوليات أو صلاحيات لهم،يملأ قلوبهم وعقولهم الرعب,ويَشخَصون دائماً نحو الأعلى سلطة ونفوذاً،كي لا يرتكبوا أي زلّة لسان أو تصرّف ما,قد يذهب برؤوسهم،أو يقضون ما تبقّى من أعمارِهم خلف القضبان وخصوصاً في فقدان المنصب والجاه والامتيازات.

فأنَّى لـِ»الأجيال» أن تعرِف وتتعلّم وتَستنتِج,كيف وصلت بلادهم وشعوبهم,ومَن أوصلها إلى هذه الحال.. سلباً أم إيجاباً؟.

kharroub@jpf.com.jo