أبواب - الدكتور محمد اللوزي مستشار الأمراض الباطنية والكلى



يحقّ للمريض أن يكون سيّد نفسه في اتّخاذ القرارات الخاصّة بمرضه وأساليب علاجه، إذ تحميه هذه الحريّة من الأبويّة الموروثة بالعرف والعادة والتي ليس من الضرورة أن تصبّ دائمًا في مصلحة المريض، فبعد أن كان شائعًا أن يضع المريض كامل ثقته بالطبيب جاء الطّبّ الحديث ليعكس الأدوار ويضع الكرة في ملعب المريض، فيمنحه الحقّ في تبنّي القرارات الخاصّة بمرضه، غير أنّ هذه الحريّة قد لا تكون دائمًا سليمة في نهايتها، وخصوصا إذا اقترنت بإلحاق الإيذاء والضرر بالمريض أو بحقوقه بصورة عامّة، فالحريّة تعني إذن، حماية المريض من نفسه ومن المرض ومن الآخرين فيما يخصّ صحته.

من جانب آخر فإنّ التفويض الذي يمنحه المريض لطبيبه لا يعني بحال من الأحوال أن يكون مشروطًا، فقد يفوّض المريض طبيبه بالتصرّف الكامل، واتّخاذ القرارات التي يراها مناسبة في ما يخصّ حالته الصحيّة؛ انطلاقًا من ثقته به واعتماده عليه، وللمريض الحقّ في قبولها أو رفضها. كما يحقّ للمريض إخبار أهله أو وريثه بحالته الصحيّة، والتوقيع على التقرير الطبيّ الذي يصف الحالة المرضيّة ضمن بروتوكول خاصّ يعتمده المستشفى بخصوص ذلك، وفي حال تطلّبت الحالة المرضيّة التوقيع على نماذج تخصّ البحث العلميّ فإنّه يتعيّن على الطبيب والمريض الاسترشاد بإعلان هلنسكي Declaration of Helsinki 2003 والذي يضيء الطريق أمامهما لتسهيل إجراءات البحث والوصل إلى نتائجه.

ومن غير المقبول أن يعمل أحد في الحقل الطّبيّ بعيدًا عن مفهوم خدمة المرضى وتقديم كلّ ما هو جيّد لهم تحت شعار إن لم تستطع فعل أيّ شيء جيّد لهم فلا تفعل شيئًا ضارًّا، على الأقلّ هذا ما يرجوه الناس من الفائدة المتوقّعة من الأخلاق الطبيّة والتي من أهمّ ركائزها أن يوازي الطبيب بين الفائدة الممكنة والضرر المتوقّع في مراحل علاج المريض، حيث إنّ شفاء المريض، أو تخفيف ألمه، أو حتّى وثوقه بأهليّة الطبيب والكادر الطّبيّ هي بمثابة خلاصة العمل الأخلاقيّ وفق منظور المريض وذويه.

كيف تنشأ العلاقة في التطبيب ؟

تبدأ علاقة الطبيب بالمريض عادةً بطريقة مشروعة وواضحة لكنّها طوعيّة في معظم حالاتها حيث يختار المريض طبيبه للمعالجة بوساطته مباشرة، أو بوساطة طرف ثالث كالمستشفى أو شركة التأمين، أو بتزكية من مريض آخر أو شخص له معرفة بالطبيب، لكنّها علاقة تختلف عن العلاقة القانونيّة البحتة التي تنشاً بين مستفيد ومقدّم خدمة كما هي الحال في الأعمال والمشاريع المبنية على اتّفاق مدوّن يتضمّن بنودًا تحدّد العلاقة ونوعها وكلفتها الماليّة وشروط تنفيذها وإنجازها وخلاف ذلك .

إنّها علاقة تحمل اعتبارات إنسانيّة حميمة ذات منشأ بشريّ بحت، حيث يقترن حضور المريض إلى الطبيب بقبول واضح وصريح من الطبيب لإنشاء علاقة التطبيب بموافقة الطرفين كليهما، وتبدأ عمليًّا عند التخاطب بينهما بشأن الحالة المرضيّة التي يعانيها المريض، وما يدور بينهما من حوار يصف تلك المعاناة، يليه إجراء المعاينة السريريّة وطلب بعض الفحوصات المخبريّة و غيرها، انتهاءً بتشخيص الحالة وصرف العلاج ، أو إخبار المريض وذويه بوجوب إجراء الصور الشعاعيّة متبوعة بتدخّل جراحيّ أو علاجيّ وفق ما تستلزمه الحالة.

هنا يكون الطبيب قد التزم مع مريضه التزامًا أدبيًّا بمتابعة حالته في عيادته الخاصّة أو حتى حين إدخاله إلى المستشفى، حيث يقدّر الطبيب الكلفة التقريبيّة التي تترتّب على المريض جرّاء ذلك، وحين يحوز على موافقته أو موافقة ذويه تبدأ مسؤوليّة الطبيب قانونيًّا تجاه المريض وفق ما هو متّفق عليه.

وفي حالة تحويل المريض من قبل طرف ثالث كشركة التأمين الصحيّة مثلاً، أو الجهة المسؤولة عن الكلفة العلاجيّة فإنّه يتعيّن على الطبيب تفهّم ذلك، ومناقشة الحالة فيما يخصّ الأمور المترتّبة والاختصاص المطلوب لمعالجتها مصحوبًا بذكر التفاصيل الخاصّة بالفحصين المخبريّ والشعاعيّ، والالتزام الماليّ المترتّب على الطرف الثالث (شركة التأمين) وضمان موافقته مسبقًا.

توصف الحريّة المتاحة للمريض بمهاتفة الطبيب مباشرة لوصف شكواه أو ترتيب موعد معه بأنّها من أسهل طرق التواصل بين الطبيب ومريضه. إلاّ أنّ الأمر الملّح في هذه العلاقة يتمثّل في التوقعّات المتباينة التي تتولّد عند كلّ منهما، فالطبيب قد يفهم الشكوى هاتفيًّا بطريقة غير مطابقة للحالة المرضيّة الحقيقيّة؛ كون المريض يصف حالته بلغته الدارجة والتي تخلو من التعابير والمصطلحات الطبيّة، وقد لا يستطيع وصف عوارض المرض كما لو كان الطبيب يشخّصه بعينه، وقد يطلب النصح والإرشاد أو العلاج، فمن واجب الطبيب وحقّه إذن، أن يعاين المريض بنفسه سواء أكان ذلك في عيادته الخاصّة أو في غرفة الطوارئ في المستشفى حيث يتسنّى للطبيب معاينة المريض وفحصه مباشرة وتصنيف حالته المرضيّة وتحديد نوع الاختصاص الذي يخدم تلك الحالة.