اذا كان رسم السياسات والخطط التنموية ووضع مشروع الموازنة من صلاحيات المجلس التنفيذي، الذي ترأسه الداخلية التي أصبح لها نسخة اضافية في كل محافظة، فماذا بقي لأعضاء مجالس المحافظات المحكومين بسقف مالي لا يمكن تجاوزه، ويتم تخفيضه بجرة قلم من الحكومة كما حدث في فبراير الماضي، ناهيك عن غياب أية صلاحيات تذكر لمدراء المالية أو رؤساء لجان العطاءات في الأطراف التي ما زالت محكومة للمركز الذي يتم الرجوع إليه مراراً وتكراراً.

يناط وفق القانون بمجلس المحافظة صلاحيات اقرار المشاريع التنموية واقرار الموازنة التي يرسلها المجلس التنفيذي، والتي لا يملكون من أمر مقدارها أو صلاحية الصرف منها شيئا، أما صلاحيات مجالس المحافظات في الاشراف أو اقتراح الخطط التنموية والخدمية فمحكوم عليه بالفشل لأن الخطط مرتبطة بالقرار المركزي وبالوفرة المالية التي بقيت مرتبطة بالمركز.

أما اشراف مجلس المحافظة على الخطط التنموية فهو لا يعدو كونه في سياق المراقبة بحسرة لتأخر التنفيذ للمشاريع، وفي سياق الانتظار المؤلم لطول المكاتبات مع المركز. والنتيجة ضعف في الانجاز يبلغ في بعض المشاريع صفر، وفي البعض 10%، والنادر يصل انجازه في أحسن الأحوال إلى 60% رغم قرب انتهاء العام الحالي.

أما صلاحيات المجلس التنفيذي فواسعة، تمتد من الاشراف على الخطط التنموية إلى إعداد الموازنة، وهو من يعقد الاجتماعات الدورية، و يقدم التقارير عن سير العمل في المشاريع والخدمات كل ستة شهور، وهي مدة طويلة تدعو إلى الاسترخاء، فالمتابعة يجب أن تكون مستمرة وتقاريرها كل 3 شهور، لأن تقارب التقارير سيضع المجلس التنفيذي تحت ضغط الحاجة لتسريع الانجاز وتحت عدسة الرقيب فيتعاظم الانجاز، أما التباعد فمدعاة للكسل.

يبقى الوضع الحالي مربك من ناحية قانونية وادارية، حيث القانون نصوصه تشير أينما وردت جملة «اقرار مجلس المحافظة للمشاريع أو الموازنة» تلتها في كل المواد جملة «وفق المشاريع المحالة إليه من المجلس التنفيذي»، بمعنى أن لا حول ولا قوة لمجالس المحافظات في اقتراح أي مشاريع يراها تحقق المصلحة للمحافظة، وهو ما يشكل إشكالية وبؤرة تصارع في القوى بدل الانسجام والتنسيق، حيث أدى وسيؤدي في كل مرة يرفض فيها مجلس المحافظة أي مشروع إلى ضرورة إحالة البديل مرةً أخرى من المجلس التنفيذي. والصحيح أن ينصاع المجلس التنفيذي إلى ما يراه مجلس المحافظة دون قيود أو روتين معطل ما دامت تلك رغبة مجلس المحافظة وضمن السقف المالي المحدد. أما التنفيذ المحاط بتعقيدات المشهد المالي المركزي فيحتاج إلى إعادة نظر، من خلال سرعة منح الصلاحيات للمدراء الماليين في الأطراف وللجان العطاءات وتفويض قرارات شراء الأراضي والاستملاك خاصة في المشاريع التعليمية والصحية، وعلى مجلس المحافظة الحصول على الصلاحيات القانونية التي تخوله مساءلة المجلس التنفيذي وخاصة تبيان أسباب عدم انفاق المبالغ المالية المرصودة، ومحاسبة من ارتكبوا مخالفات جسيمة من أي من الأطراف المعنية، وهو ما افتقر له القانون.

على كل حال لا بأس بهذه البروفة والتطبيق العملي أتاح تبيان ثغراتها التي تستوجب التعديل، وأهمها ربط الانفاق المالي بالمحافظات لا بالمركز، والتأكيد على ضرورة انفاق كامل ما يتم رصده، أما هذا العام فيحتاج إلى استثناء بمعنى يجب السماح بتدوير المال الفائض الذي لم يستخدم إلى العام القادم لإتمام المشاريع الحالية، ورصد الأموال الكافية لمشاريع العام القادم. معالجة موضوع وزارة الداخلية التي تتصدر المشهد رغم عدم الاختصاص أمر ضروري–مع كل الاحترام لدورها الحيوي- ولا أعتقد أنها تناسب المشهد الديمقراطي الذي نحاول أن نرسمه، والأجدى استبدال المحافظ الذي يتولى رئاسة المجلس التنفيذي بممثل من وزارة يطلق عليها وزارة الإدارة المحلية والبلديات، وهو ما يناسب جوهر العمل والاختصاص وفيها مستودع الخبرات اللازمة.

Rami.kk@hotmail.com