في غمرة ما نتبادله بين بعضنا البعض من مشاعر تذمّر وشكوى، أحسب أنها مبررة (مع التحفظ على المبالغات)، وما نتداوله من أخبار متفرقة حول العديد من مظاهر سوء الخدمة في بعض مرافق الخدمة العامة، ناهيك عن التبرم من قلة الفرص والغلاء، يبدو الوقوف على مشهد طيب من هنا أو هناك، بمثابة كشف باعث على أحسن الانطباعات، حتى لا أقول اكتشاف مباغت يسر القلب والعقل والوجدان، ينبغي التنويه به بلا تردد، والثناء عليه في رابعة النهار، خصوصاً من جانب الكتاب وقادة الرأي العام، ممن تقع على كواهلهم نقد مظاهر النقص والإخفاق، وبيان بواطن القصور والترهل والإهمال، تماماً على نحو ما وجدت نفسي عليه وانا أمر، بالأمس القريب، بتجربة شخصية اعتقد أنها تستحق النشر، لما تنطوي عليه هذه التجربة من معنى، وما تحمله من مغزى ذي دلالات.

لا أود أن اكرر نفسي، أو أكون كمن يعيد على مسامع المتلقين حكاية سبق قصها قبل نحو عام، غير أنني لم أجد مفراً من تسليط الضوء على مظهر إنساني يتجلى كأنه الشمس الساطعة في كبد السماء،

كنت قد أشرت إليه بفخر واعتزاز شديدين من قبل، حين قادتني الظروف الموضوعية ذات يوم من خريف السنة الماضية، برفقة سيدة جارة لي منذ نحو ربع قرن–تنادى أم هاشم- إلى مستشفى الأمير حمزة لتلقي العلاج من مرض طارئ ألم بها وليس لها معين، حيث أدهشتني في ذلك الصرح الطبي المعاملة الحسنة، والطبابة المتقدمة، ولاسيما الإنسانية الراقية للأطباء وجهاز التمريض، وكل الذين تعاملوا مع أم هاشم بخاصة قادة هذا الصرح ومسيريه من المسؤولين، وكأنها أم مشتركة لهم سقطت عليهم من باب السماء. لم تسقط تلك التجربة من ذاكرتي الشخصية طوال الوقت، فقد كتبتها في حينه ونشرتها في»الرأي»الغراء، وتحدثت عنها في مجالسي مرات ومرات، وها أنا اليوم بصدد سرد ذات الحكاية مع المرأة ذاتها، ولكن في مطرح آخر، مع أناس من الطينة الإنسانية العظيمة نفسها، حيث قصدتني أم هاشم من جديد، تشكو لي أوجاعها، وتكالب الدنيا عليها، وقصر ذات يدها، فأخذتها هذه المرة إلى مكان سبق لي أن سمعت الكثير عن مزاياه الحميدة، وعن خدماته الجليلة، وتسهيلاته الطبية العميمة لكل محتاج، وأعني به»دائرة خدمة الجمهور»في الديوان الملكي العامر، حيث وقفت هناك على حُسن الأداء فالمعاملات تتم بسلاسة وانتظام، كما أن المعلومة الصحيحة تقدم للسائلين مبسطة برفعة أخلاق، عدا النظافة اللافتة في المكان، كل ما يثير الفخر بهذه الدائرة وبهذا المستوى الحضاري ويبعث على الاعتزاز، تلك الدائرة الموكل لها تلبية لهفة كل مواطن ملهوف للاستشفاء، وإغاثة كل طالب حق طبيعي في نيل العلاج والدواء وفق ارقى المستويات، لا سيما في زمن تردي كثير من الخدمات الصحية، وغلاء أجور الأطباء، فضلاً عن جنون أسعار الدواء. وكما لم أتردد من قبل في إعطاء كل ذي حق حقه في المدح والإطراء المستحقَين، عندما أشدت بخدمات مرفق طبي يشار له بالبنان، ها أنا اليوم أجد من الواجب الأخلاقي الذي لا انتقائية فيه، بل ومن المسؤولية الضميرية التي لا تتجزأ تحت كل الظروف، أن اكتب بملء إرادتي وكامل وعيي، عن معلم خدمة طبية آخر، قل نظيره في الجوار العربي، ألا وهو»دائرة خدمة الجمهور بإدارتها وموظفيها»هذه التي باتت السند المتين والظهرالقوي، بل والملاذ الأخير لمن هم في سوية أم هاشم، التي تلقت من باب الدائرة إلى محرابها الاستقبال الحميم، والاهتمام الذي يُثلج الصدور، والرعاية التي تليق باسم المكان الباذخ في نفوس الأردنيين وسمعته الموحية أصلا بكل أمر يثير الأمل ويبعث على الثقة والاطمئنان في الصدور.

اعلم أن وظيفة الصحافة هي الكشف والنقد، وإثارة الأسئلة، وإثراء النقاش، وأن مهمة الكاتب مستمدة أساسا من هذه الغاية التي وجد من أجلها الإعلام بكل فروعه، ولكن ما حيلة الكاتب الصحافي إذا عثر على ضالة ينشدها ويستطيبها الناس؟. هل عليه أن يتخندق في موقع الانتقاد على طول الخط المستقيم، وان يتشبث بحرفية المبدأ ولا يبدل تبديلاً مهما كانت المعطيات، أم أن عليه أن يكون منصفاً في الموقف وعادلاً في الحكم وموضوعياً، بأن تكون لديه مسطرة قياس دقيقة، كي يقول للمحسن أحسنت، دون زيادة أو نقصان، وان يثني على جهد كل مجتهد، وأن يشير إلى كل نموذج يستحق الاقتداء، تماماً على نحو ما رأيته رؤية العين المجردة مع جارتي أم هاشم، واختبرته بنفسي مباشرة في عين المكان، أي في دائرة خدمة الجمهور والقائمين عليها، الجديرة حقاً بالشكر والثناء.