لم يُخطئ الذين خرجوا باستنتاج سريع ان»قمة طهران»الثلاثية، كانت علامة فارقة في مسار استانا الذي واصَلت الدول الضامنة الثلاث وبنجاح المحافظة على استمراره، رغم ما بينهما من خلافات تظهر بين الحين والآخر، تتم تسويتها بطرق ومقاربات تحول دون انهيار هذا المسار الذي»ابتكرته»الدبلوماسية الروسية، وبخاصة في شأن ايجاد مناطق»خفض التصعيد الخمس»الذي انتهت الآن الى واحدة فقط هي.. منطقة إدلب وبضمانة تركية.

هل قلنا إدلب؟

نعم... ويبدو أنها نقطة التفجير»التي اراد الرئيس التركي»إشعالها»، ليس فقط خلف ابواب القمة الثلاثية المغلقة،وانما اساساً أمام أجهزة الاعلام وعلى الهواء مباشرة، مُستخدِماً كلمات ومصطلحات استفزازية تفوح منها رائحة الوعظ والفوقية، وبخاصة عند استشهاده بكلمات الشاعر الإيراني الشهير سعدي الشيرازي القائلة:»إن لم تحزَن لأحزان غيرك ... فلا يليق بك ان تكون ابن آدم»، وكأني بأردوغان يريد المزايدة على الرئيسين الايراني روحاني وخصوصاً الروسي بوتين، الذي لم يبتسِم عند سماع هذه المقولة كما فعل روحاني.

اردوغان وحده يتحمّل نتائج مرحلة ما بعد»فشل»قمة طهران في حسم مسألة إدلب، رغم ان هناك من يرفض مصطلح الفشل، بل يرى في ما حدث اقل من ذلك، بدليل ان البيان الختامي أعاد تكرار عبارات وردت في قمتي سوتشي واسطنبول التي عُقدت في نيسان الماضي، ولم يكن المشهد السوري على هذه الدرجة من الحدّة والوضوح في ذلك الوقت، وبخاصة بعد تحرير الغوطة الشرقية ومحافظات الجنوب الثلاث، ولم يتبق سوى إدلب التي يتمسّك اردوغان بالدفاع عنها كورقة مساومة اخيرة، إذا ما فقدها فإنه سينكشف ويخسر ما عاد عليه ذخر تجارته بالارهاب واستثماره في المجموعات التكفيرية، التي ادارت حرباً غير مسبوقة في سوريا وعليها، ولما بدت هزيمتها مؤكدة راح اردوغان ومَن حالفه في فترات سابقة، يتحدّث عن الهدنة وحماية المدنين ويستخدم اوصافاً تغرف من قاموس المستعمِرين الغربيين عن مجازر ضد المدنيين وعن مذابح، ولما اعيته الحيلة ووجد صداً من قِبل الرئيسين الروسي والايراني اخترع حكاية»الهدنة»كأنه ينطق باسم النصرة وداعش، بل وصل الأمر به لابداء عرض يتحدث عن إبعاد»هؤلاء» لملاذات آمنة لضمان أمن قاعدة حميميم، ليس فقط في إنكار ان هؤلاء ليسوا منخرطين في اي محادثات مع الحكومة السورية او إطار استانا ولا حتى مسار جنيف، وانما ايضاً في انهم مُصنفون كإرهابيين ومع ذلك يسبِغ عليهم حمايته، وها هو يدافع عنهم في قمة كان من المقرّر ان تحسِم مسألة تحرير إدلب»عسكرِياً».

موجز القول: معركة إدلب لن تُلغى، ربما تؤجّل، وقد تستمر على مراحل كما كان مقرِّراً، ولن تتأثر دمشق وخصوصاً موسكو بعودة «التناغم»بين واشنطن وانقرة حول»المجازر»المزعومة بل ان اردوغان اعتبرها»مسألة حياة او موت» بالنسبة الى تركيا،ما يعني انه يُهدّد (ربما) بالخروج من مسار استانا والإنقلاب على المعادلات التي أرساها، وهو امر لن يُقلِق موسكو كثيراً رغم حرصها على عدم إغضاب تركيا واخذ مصالحها في الاعتبار. لكن ازمات اردوغان المتدحرِجة وبخاصة تدهور شعبيته والمخاطر الماثلة المترتبة على ازمة الاقتصاد التركي، تدفع به لاختلاق معارك جانِبية، علّه يستعيد بعض شعبيته او يُبعد الانظار عن اخفاقاته، تماماً كما يفعل دونالد ترمب الذي يُلوّح بعمل عسكري ماحق (مع ماكرون الفرنسي) ضد سوريا.

احتمالات انهيار مسار استانا واردة،وإن كان اردوغان سيُفكّر الف مرة قبل الإقدام على خطوة انتحارية كهذه،ستكون أكلافها على مستقبله السياسي فادحة، فضلاً عمّا يُمكن لتحالفات إقليمية جديدة تنهض بعد»إنقلابه»المُتوَقّع على مسار استانا، ان تُسهم في عزلة تركيا وتقلّص خياراتها.

kharroub@jpf.com.jo