قلت في مقال سابق،إنّ النّفر الذي عطّل عقله، وأسلم زمام أمره للإشاعات، إنّما يمارس الهدم في بنيان الوطن، فليس أخطر من الإشاعة سلاحاً للفتك بالأفراد والجماعات والمجتمعات، وكثيرة هي الجيوش التي انهزمت بسبب إشاعة، وكذلك كثيرة هي الدّول التي انهارت بسبب فتك الإشاعات بها.

من هنا تأتي خطورة مواقع التّواصل الاجتماعي وضرورة ضبطها، وضبط ما ينشر بها، من خلال تشريعات تسعى أعرق الدّيمقراطيات في العالم إلى إصدارها، لحماية مجتمعاتها من الخطر الذي صارت تشكّله الكثير من هذه المواقع، ونحن في الأردن أشد ما نكون حاجة إلى مثل هذه التّشريعات، بعد أن تحوّلت الكثير من مواقع التّواصل في بلدنا إلى أداة هدم، تنشر الفوضى، وتدمر الثقافة، وتفتت المجتمع، وتشكّك بكل شيء، بعد أن صرنا نقرأ على هذه المواقع مواد نتيجتها توهين العزيمة، وقتل الرّوح الوطنية، وروح الجندية والتّضحية والفداء، فقد قرأنا الكثير من هذه المواد بعد واقعة البلقاء،على مواقع التّواصل الاجتماعي التي طرح بعضها سؤالاً خبيثاً فحواه: في سبيل من استشهد من استشهد في نقب الدّبور؟ وبعضها الآخر سخر من تكريم الشّهداء،متسائلاًعن فائدة تكريم الإنسان بعد موته، وهو تساؤل يمسّ واحدة من أهم معتقداتنا الدّينية والوطنية، هي عقيدة الشّهادة في سبيل الله،ومن ثمّ في سبيل الوطن، كما أنّ هذا التّساؤل يسخر من واحدة من أهم مقوّمات الشّخصية الوطنيّة الأردنيّة التي قامت على روح الجندية والتّضحية في سبيل الوطن

إنّ هذا التّساؤل ومثله السّخرية من تكريم الشّهداء نموذجاً صارخاً للهدم، الذي يمارسه النّفر الذي أسلم عقله للغرف السّوداء وإشاعاتها، في مواجهة بناء الثقة بالوطن ومؤسساته الذي يمارسه بدمائهم وأرواحهم نشامى المخابرات العامّة والأجهزة الأمنية، كما حدث في واقعة البلقاء، وما سبقها من مواجهات مع قوى التّطرف والإرهاب التي يسعى هؤلاء النّشامى إلى تجفيف منابعها.

عند تجفيف المنابع لا بدّ من وقفة، لمقارنة أخرى بين البناء الذي يمارسه نشامى الأجهزة الأمنية،والهدم الذي تمارسه خفافيش مواقع التّواصل الاجتماعي وذبابها الإلكتروني من أدوات الغرف السّوداء التي حولت الكثير من هذه المواقع إلى بيئة حاضنة ومولدة للإرهاب، فمن المعروف أنّ نسبة عالية من المتطرّفين والإرهابيين، هم إفراز خطاب الكراهية الذي يتستر وراء مهاجمة الفساد لهز الثّقة بالوطن ومؤسساته، ولزرع الحقد والبغضاء اللذين تغذيهما الإشاعات التي تهز الثقة بمؤسسات الدولة ورجالاتها، أي بالوطن الذي يتولّى هؤلاء الرّجال إدارته عبر مؤسساته، وهكذا صارت الكثير من مواقع التّواصل بما تبثه من إشاعات ومعلومات غير موثّقه تشكّل أرضية خصبة لتجنيد الشّباب السّاخط من أوضاعه لحساب المنظّمات الإرهابيه في الوقت الذي تسعى فيه هذه المواقع إلى الفَتّ من عضد المرابطين من أبناء قواتنا المسلّحة وإجهزتنا الأمنية، وهذا هو أخطر أنواع الهدم، فلنحذر منه لنتمكّن من حماية وطننا فكم من سّم دُسّ في دسم.

Bilal.tall@yahoo.com