أبواب -الدكتور عيسى أيوب أبودية أخصائي علم المناعة

كثيراً ما نسمع عن المطاعيم أو نرى ندبة إحداها على ذراع أحد الأقارب أو الأصدقاء، الحقيقة أن فكرة التطعيم ليست جديدة، إذ تعود إرهاصاتها إلى آلافٍ من السنين ، حيث حاول بعض الكهنة القدماء شرب كميات من سم الأفاعي اعتقاداً منهم بأنها تُسهم في حمايتهم من أي لدغات قد يتعرضون لها مستقبلاً،كما قام الصينيون في القرن السابع عشر بفرك فيروس الجدري القاتل (Smallpox) في منطقة الذراع في محاولة لتحفيز جهاز المناعة للتصدي لهذا المرض القاتل.

فما هو المطعوم وممّ يتكون؟ يُعرّف المطعوم على أنه تركيبة بيولوجية تهدف لإكساب الكائن الحي مناعة طبيعية ضد مرض ما أو أكثر، وعادة ما يحتوي المطعوم على الكائن المُسبِّب للمرض مقتولاً أو بعد إضعافه بشدة إلى درجةٍ يصبح فيها غير قادرٍ على التسبُّب بالمرض. كما يمكن للمطعوم أن يُصنّعَ من جزء من الكائن المُسبِّب للمرض بدلاً من الكائن برمّته أو باستخدام أحد السموم التي ينتجها الكائن المُسبِّب للمرض، وذلك بعد معالجتها كيميائياً بحيث تفقد سمِّيتها دون أن تفقد القدرة على تحفيز جهاز المناعة وشحذه على مقاومة المرض.

فما هي الفكرة الأساسية من وراء المطاعيم؟ يكمن المبدأ في تعريض جهاز مناعة الإنسان إلى مُسبٍّب المرض أو جزء منه بعد معالجته بطريقة تضمن عدم قدرته على التسبب بالمرض. وبهذا نقوم بدفع جهاز المناعة إلى الاعتقاد بأنه يتعرض إلى هجوم حقيقي من قبل الكائن المُمرض المُكوِّن للمطعوم، فيهُمُّ جهاز المناعة بمهاجمته وبتطوير أسلحة فعّالةٍ لمكافحته وتذكُّره في حال محاولته التسلل إلى أجسامنا وإيذائها مستقبلاً. فإذا حاول الكائن الممرض دخول أجسامنا لاحقاً، يكون جهاز المناعة له بالمرصاد جاهزاً مدرَّباً قادراً على النيل منه بسهولة ويُسرٍ دون السماح له بالتسبب بأية أضرار تُذكَر.

أما الأب الروحي المؤسِّس للتطعيم بمفهومه الحديث فهو الطبيب البريطاني إدوارد جينر (Edward Jenner)، الذي لاحظ أن حالبات الأبقار الذين كن يُصبن بمرض جدري البقر لم يُصبن قط بمرض الجدري البشري القاتل. وافترض جينر أن هذه الظاهرة قد يفسرها نشوء مناعة لجدري البقر قادرة على توفير مناعة إضافية للجدري البشري نتيجة تشابه الفيروسين في مناحٍ كثيرة من ضمنها انتمائهما للعائلة نفسها. فما كان من جينر إلا أن اختبر فرضيته هذه على طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات، حيث قام بحقنه بفيروس جدري البقر قليل المخاطر على البشر، وانتظر شفاء الطفل منه ليقوم بحقنه مجدداً ولكن بفيروس الجدري البشري القاتل هذه المرة آملاً أن تكون إصابته السابقة بجدري البقر كفيلة بمنحه مناعة ضد جدري البشر، وهذا ما حصل! لقد عاش الطفل بطل الرواية الحقيقي ولم يُصب بالمرض القاتل.

فيما بعد في القرنين الثامن والتاسع عشر، استُخدِم مبدأ جينر هذا في تطعيم أعداد هائلة من البشر باستخدام فيروس شبيه بذلك المُسبِّب لجدري البقر إلى أن تمكنّا باستخدام فكرة هذا الطبيب الخلّاق من القضاء على مرض الجدري القاتل كلياً ونهائياً وإزالته عن وجه الكرة الأرضية عام 1979، يا له من إنجاز!

تلت جهود جينر محاولات لحوحة ومثمرة قادها العالم الفرنسي (Louis Pasteur) لتطوير مطاعيم جديدة كتلك الموجهة ضد مرض الكوليرا عند الطيور ومرض الجمرة الخبيثة عند الماشية ومرض الكَلَب لحماية البشر من الآثار العصبية المذعرة التي قد تنجم عن عضات الكلاب المسعورة.

توالت الجهود ليقود علماء آخرون دفة تطوير المطاعيم للتغلب على أمراض أخرى كانت تفتك بالمجتمعات آنذاك، ومنها مرض الطاعون الذي يُقدّر بأنه أباد ما يقارب نصف سكان أوروبا في القرن الرابع عشر. كما طُوِّرت مطاعيم ضد بكتيريا السِّل (BCG) وهو مطعوم ما يزال معمولاً به إلى اليوم في الأردن ،ومناطق أخرى من العالم، إذ توفره وزارة الصحة الأردنية مجّاناً لجميع الأطفال في الأسبوع الثاني من حياتهم.

أما في أربعينيات القرن العشرين،فقد تمّ تطوير المطعوم الثلاثي الذي يحمي من الإصابة من أمراض الدفتيريا والتيتانوس والسُّعال الديكي، وهي أمراض لطالما أزهقت أرواح الكثيرين وخصوصاً من شريحة الأطفال،وما زال هذا المطعوم ركناً أساسياً من برامج تطعيم الأطفال المحلية والعالمية إلى يومنا هذا.

ختاماً، تشكِل المطاعيم على أنواعها نجاحاً باهراً للعلم في الحدِّ من الأمراض وانتشارها،ولا أبالغ حين أقول بأن المطاعيم هي من أثمن الهدايا التي قدّمها علم المناعة للبشرية على مرِّ الأزمان. لقد أنقذت هذه المطاعيم أرواح الملايين من البشر، وهي في صورتها الحديثة فعّالة وآمنة إلى حدٍّ كبير. المطاعيم خير لا بُدَّ منه، فاحرصوا أن تعطوها لأطفالكم في أوقاتها المحددة. هي لحظة بكاء عابرة يقابلها حماية طويلة الأمد لهم ولمن حولهم من الأمراض التي لطالما أخافت أجيالاً قد سبقتنا.

i.abudayyeh@biolab.jo