د. أمينة منصور الحطاب

أثارت زيارة جلالة الملكة رانيا لمجموعة علي بابا للتجارة الالكترونية (جاك ما) وما تمخض عنها من سبل للتعاون في المجالات التعليمية وتبادل أفضل الممارسات في تدريب المعلمين والمدراء فضولي في التعرف على هذه المجموعة لا سيما وأن جلالتها - معلمتنا الأولى ومصدر الهامنا نحو التميز والابداع - تشارك في مؤتمر حول العطاء الانساني تستضيفه مجموعة (جاك ما) التي قدمت منحة بمقدار 3 ملايين دولار أميركي لدعم وتطوير منصة «إدراك» الالكترونية التعليمية، احدى مبادرات مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية التي تعمل من اجل تحسين نوعية التعليم في الأردن والدول العربية من خلال برامجها المبتكرة، وإليكم الحكاية....

لم يعلم ذلك الشاب الفقير في مقاطعة تشيجيانغ الصينية أن إصراره ومثابرته سيضعانه في أعلى المراتب في بلده، فمرات الفشل التي واجهها في مسيرته لم تثنه عن المحاولة، إذ تقدم للكثير من الوظائف وتلقى أكثر من 30 رفضًا، كما أنه لم يكن شخصًا مبدعًا في المدرسة وفشل مرتين في تجاوز امتحان القبول لدخول الجامعة، وينظر إلى الجامعة التي التحق بها على أنها أسوأ جامعة في مدينته.

إن بطل قصتنا يعتبر فشله الدراسي حافزا للإبداع، بل إن تعثّره في البداية كان أحد العوامل التي ساعدته على تأسيس شركة «علي بابا» الصينية.

فحماسة ذلك الشاب وتوقه للتعلم والوصول جعل منه نجمًا في بلده، وهو اليوم يتربع على عرش أغنى شخص من بين ملياري شخص في الصين، ذلك الشاب هو «جاك ما» مؤسس ومدير شركة «علي بابا» الذي بات اليوم أغنى رجل في الصين وفقًا لما أوردته مجلة فوربس مؤخرًا، حيث بلغ صافي ثروة الرجل نحو 31.1 مليار دولار، فضلاً عن كونه في المرتبة الـ21 ضمن قائمة أثرياء العالم، كما أدرج اسمه بين أسماء عمالقة التكنولوجيا في العالم.

ولد جاك ما في أسرة فقيرة، والداه كانا فنانين يؤديان أغاني شعبية من نوع السرد القصصي الملحن، اهتم باللغة الإنجليزية وشغف بها حتى تعلمها بنفسه، حيث كان يركب دراجته 40 دقيقة يوميًا وعلى مدى 8 سنوات للوصول إلى فندق بالقرب من بحيرة «هانغشتو» للاحتكاك مع السياح وتقديم خدماته لهم كدليل سياحي، فضلاً عن رغبته في ممارسة اللغة الإنجليزية، إذ ساهمت تلك السنوات في صقل لغته الإنجليزية جيدًا، ويقول في إحدى مقابلاته إن ما تعلمه في المدرسة والكتب مختلف جدًا عما تعمله مع السياح.

لم تكن المهنة التي امتهنها بعد التخرج من الجامعة سوى عامل محفز له نحو البحث والتطور، إذ عمل بعد تخرجه من الجامعة مدرساً للغة الانجليزية براتب ضئيل الأمر الذي دفعه للسفر إلى الولايات المتحدة إلا أن طلبه رفض مرتين، إلى أن سنحت له الفرصة وسافر ليعمل كمترجم في ولاية سياتل، التي منها بدأت رحلته نحو اقتناص الفرص وبناء الثروة.

في تلك الزيارة عرف جاك الإنترنت من أصدقائه ولمس لأول مرة في حياته لوحة مفاتيح الكمبيوتر، فلمعت أولى الأفكار في ذهنه وهي البيانات، وفكر كيف يمكنه أن يسخر البيانات المنتشرة في بيئة الأعمال الصينية، وتمثل الحل عنده بافتتاح دليل للأعمال التجارية يجمع فيه بيانات الشركات العاملة في الصين وأطلق على الموقع اسم «الصفحات الصينية»، إلا أن الفكرة لم تلق رواجًا كبيرًا ولم تحقق ما كان يصبو إليه، فأدخل تعديلات على الفكرة لتصبح شركة للتجارة الإلكترونية في عام 1999.

ولم يكن عدم امتلاك المال مانعًا لجاك ما لعمل المشروع، إذ اتبع فكرة «التمويل الجماعي» مع أصدقائه وجمعوا نحو 60 ألف دولار لإطلاق موقع «علي بابا» نسبة إلى قصة مغارة علي بابا المليئة بالكنوز والمعروفة عالميًا باسم «علي بابا واللصوص الأربعين»، فما أن يفتح الزائر الموقع حتى يرى كنوزًا أمامه من سلع وخدمات بأسعار مناسبة للجميع.

وتعد اليوم مجموعة علي بابا أكبر شركة تجارة إلكترونية في العالم، حيث تتجاوز مبيعاتها السنوية 170 مليار دولار ويعمل بها أكثر من 22 ألف موظف في أكثر من 70 مدينة حول العالم، وتعمل الشركة بشكل رئيسي على تسهيل التجارة الإلكترونية بين الأفراد والشركات والتجار على الصعيدين العالمي والصيني.

تعد قصة حياة الملياردير الصيني «جاك ما» مصدر إلهام لملايين الشباب حول العالم، وتدعو لمواجهة قسوة الظروف مهما ضاقت الاحوال، فقد حقق جاك نجاحا عالميا بفضل جِدّه واجتهاده الشخصي. إن العبرة التي نستخلصها من تجربة جاك ما تتمثل في أن الفاشل ليس من يقع في الفشل؛ إنما الفاشل من يقع فيه ثم يرتضيه.

إن الفشل كلمة ذات طعم مر تعني العجز عن الوصول إلى الهدف المرجو، ومن المؤكد أننا نتعرض للفشل خلال مسيرتنا لتحقيق أهدافنا في هذه الحياة، وقد يتكرر الفشل مرات عديدة، وليس من الخطأ أن يشعر الفرد بالألم عندما يخفق في تحقيق أهدافه، لكن الخطأ يكمن في الاحباط والهزيمة التي تجلعنا نتخبط فنلقي اللوم على هذا وذاك وقد نلوم أنفسنا فنلجأ الى جلد الذات واحتقارها بدلا من الوقوف على الأسباب الكامنة وراء الفشل لكي نتجنبه ونمضي قدما في هذه الحياة.

ولكي يتسنى لنا التغلب على الفشل لابد من البحث عن العوامل المسببة له، والاستفادة من الخبرات التي مرت في حياتنا سواء كانت ناجحة أم فاشلة، سعيدة أم تعيسة، والاستفادة من تجارب الآخرين، كما أنه لا بد من توافر الرغبة الحقيقية في تحقيق هدف معين والنجاح فيه، فالنجاح حلم يمكن تحقيقه بالتفكير الجيد لكي يتحول إلى واقع.

ومن الأمور الهامة التي تدعم وصولنا إلى النجاح أن لا نجعل أنفسنا أسيرًة لخبرات الفشل السابقة، بل لا بد من التعرف على الأسباب المسؤولة عنه وفهمها جيدًا ومعالجة جوانب القصور، وتلاشي الأخطاء التي تم الوقوع فيها سابقًا، والابتعاد عن مخالطة الأشخاص الذين تغلب عليهم النظرة التشاؤمية للحياة والذين يعيشون في إطار المشكلات ولا يرون سوى العقبات فما لديهم من إحساس بالفشل وخيبة أمل سينتقل إلينا، كما أنه من المفيد استرجاع بعض الإنجازات السابقة التي حققناها وعدم الاستهانة بها، بل ويجب الاعتزاز بما حققناه من نجاح لأنه سيضفي علينا الكثير من المشاعر الإيجابية ويعزز ثقتنا بأنفسنا.

إن وضع الأهداف التي تتناسب مع قدراتنا وما لدينا من مقومات سيكون سبيلا واضحا نحو النجاح فليس من المنطقي أن نضع أهدافًا ليس في مقدورنا بلوغها، ولا بد من التدرج في النجاح حتى نتذوق طعمه، إن القناعة هي مفتاح الأمل والنجاح والوصول للكمال أمر صعب، ولا بد من الاستمتاع بالحياة بعيدًا عن العمل لكي يكون هناك توازن بين مختلف جوانب الحياة التي نعيشها.

وأخيرًا علينا الإيمان بالقضاء والقدر، وما يرتبط به من أمور غيبية لا يعرفها إلا الله عز وجل فقد يكون في ما نعتبره فشلاً لنا خير كثير، وقد يكون في ما نعتقده خيرًا لنا شر كبير، وصدق الله عز وجل الذي يقول: }وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{.

Ameeneh@live.com