منذ «ربيع» 2011، الذي بدأ مُبشّراً ثم آل إلى مآلات سلبية ومدمّرة، والمنطقة العربية تتعرض لتدخلات سافرة، غير عربية من داخل الإقليم وأجنبيّة من خارجه.

وقد أسفرت هذه التدخلات عن مفاقمة الأزمات القائمة في المنطقة وزيادة التوتر وارتفاعٍ غير مسبوق في حجم العنف والدمار.

بعد سنوات طويلة من الكفاح السياسي والمسلح، منذ بدايات القرن العشرين وحتى بُعيد منتصفه، تحررت الدول العربية رسمياً من المستعمِر؛ لكن ما أن بدأت تتعاون وتنهض، وتُحقق إنجازات لافتة على المستويين، حتى بدأ الطامع من جيرانها والمستعمِر من بعيد يطل برأسه من جديد.

وها هم قد عادوا وأخذوا يعبثون بنا لتحقيق مآربهم. وها نحن قد استسلمنا وكأن وجودهم بيننا أمر طبيعي.

عدة مبررات، لا شك، تقف وراء عودتهم، منها موقعنا الجغرافي الاستراتيجي، والثروات النفطية والغازية والطبيعية الأخرى، وتسويق المنتجات في سوق كبير مستهلك للبضاعة الأجنبية (من وجبات الطعام الجاهزة إلى الأسلحة الفتّاكة)؛ ومنها وجود إسرائيل في المنطقة والتي لا تدخّر جهداً في تأجيج الصراعات في المنطقة بهدف شلّ قواها وتحييدها كي تعيش هي بأمن واستقرار.

بيد أن المسوغ الأهم، في تقديرنا، يتمثّل في الخلافات العربية-العربية، والتي شكلت النافذة الرحبة التي دخل منها الطامع والمستعمِر بأريحية.

ومع الأسف الشديد، أتوا هذه المرّة بدعوة صريحة من قبل العديد من الدول العربية فلبّوا النّداء.

وهذا هو الخطأ القاتل الذي ارتكبه العرب والذي يدفعون ثمنه منفردين ومجتمعين، وهذا ما كان قد حذر منه جلالة المرحوم الملك الحسين عندما أصرّ في أواخر ثمانينات القرن وأوائل التسعينات على ضرورة التمسك بالحلول العربية-العربية، وعدم إدخال الآخرين في المعادلة.

ثلاثة أمور لا بد من التأكيد عليها.

أولاً، لا يوجد مبرر حقيقي للخلافات بين الدول العربية، ونخمّن أن أغلبها يتصل بالكبرياء أكثر منه بأي شيء آخر. وهي أشبه ما تكون بالخلافات التي تحصل أحياناً بين أفراد العائلة الواحدة أو الجيران أو الزملاء في العمل، أغلبها يتصل بسوء الفهم أو سوء التصرف، وهي على درجة عالية من البساطة والسخف.

ولا بد من التذكير هنا أن كلّ هذه الخلافات هي من صنع السّاسة، أنظمة و حكومات ومعارضة، وليست من صنع الشعوب، فالشعوب العربية من المحيط إلى الخليج على قلب واحد.

ثانياُ، ومع ذلك فالخلافات تقع، فنحن بشر كغيرنا، لكنها إن وقعت فلا بد من حلّها دون تدخل أطراف خارجية، فالمعنيون مباشرة هم الأقدر على حلّها، وإدخال الآخرين، كما في العلاقات الإنسانية عموماً، هو الذي يفاقم الأمور، وبالذات إذا كان الوسطاء هؤلاء لهم مصلحة في إدامة الخلاف.

لنسأل هنا: من المستفيد من الخلافات العربية-العربية، ومن الخاسر؟

المستفيد هو الطامع والمستعمر، للأسباب المذكورة أعلاه، والخاسر هم العرب، والشواهد على ذلك كثيرة، وتتجسد في ما نراه اليوم في الساحة العربية من تنافر وتناحر وتشرذم وعنف.

سؤال، لا بد من أن تسأله عدة أطراف عربية لنفسها، هل تدخّل هؤلاء ساهم في حلّ الخلافات العربية، أم في مدّ أمدها وتأجيل حلّها وتفاقمها؟

ثالثاً، على الرغم مما يردّده البعض، لم يفت الأوان لفعل عربي إيجابي مؤثر، ينقّي النفوس ويصفيها، تمهيداً لحل الخلافات وتصفير العداوات، والعودة إلى الرشد والتعاون والتعاضد.

دول كثيرة – ومنها الأوروبية – حصل بينها أكثر بكثير مما حصل بين الدول العربية واستطاعت التغلب على خلافاتها وتحقيق تقدم وازدهار عزّ مثيلهما.

لا بد لنا من أن نؤمن من أن الدول العربية، والتي فيها الكثير من العقلاء والمقوّمات البشرية والثروات الطبيعية التي تغنيها عن الاعتماد على غيرها، يجب أن تكون قادرة على حل الخلاف ورأب الصدع، ثم العمل على التقدم والنهضة والازدهار، لها كلّها منفردة ومجتمعة. ومفهوم المصلحة العربية المشتركة، الذي يغيب عن الخطاب العربي اليوم، لهو أمر مهم وله مدلولاته التي يجب أن لا تنسى.

وبعد، فلا بد للعرب من التفريق بين الحليف الحقيقي والمستعمِر الطامع، ولا بد لهم أيضاً من إدراك الخطأ القاتل الذي ارتُكب، وهو دعوة الطامع والمستعمر ليكون الحليف والنصير.

amajdoubeh@yahoo.com