نصر سامي *

اعتراف

يا أخت يا شجيرة البرقوق

أتكبرين، ولستُ في الجوار، كل يوم؟

أتطرحين في جوار الدّار ذات الغيم؟

أتسمعين الصّبح صوتَ الأب

يغالب السنين؟

أتسمعين الأم؟

وابنتي.. أتبصرينها هناك؟

أما تزال مثلما عهدتُها صغيرة

تطير كالملاك؟

أما تزال في انتقالها من شرفةٍ لشرفة

تسيّر الأفلاك؟

أريد يا شجيرة البرقوق أن أطلّ

على خيال والدي في الصبح وهو يذرع الطريق

نحو الجامع البعيد

أريد أن أراه وهو يطفئ الحريق في دواخلي

ويطلق البروق

أريد أن أمتدّ في سجادة الصلاة

تحت جسمه

أريد أن أستصرخ السماءَ في هدوئه

أريد يا شجيرة البرقوق أن أطير

في جواره

أريد أن أسير

في ظلاله

ملاك وشيطان

وأنت تكبرين يا شجيرة البرقوق،

وأنت تحلمين،

وأنت تفتحين الباب للطّيور كي تنام،

وأنت تورقين،

وأنت تصنعين الورد والأحلام،

ألا تفكّرين بي؟

ألا يجيئك في اللّيل من أصابعي السّلام؟

ألا تطلّ من خلال الغيم لي يداك مثل الأمس؟

وتعصران خمرة الضّياء لي،

وترسلان الشّمس؟

***

يلفّ عمري اليأس

يا شجيرة البرقوق

تدقّ في العروق ألف فأس،

ويولد الشّروق

***

لا شيء يستحقّ أن يُعاش

خارج الأوطان

قد فاتني أن أصبح الملاك ها هنا،

قد فاتني أن أصبح الشّيطان

وأنت يا شجيرة البرقوق تذكرين

أتذكرينني بالحقّ يا شجيرة البرقوق؟

أم حلّ بي لديك

ما قد حلّ بالأوطان؟

النهر

النّهر يجري دائماً، والانتظار يلقي على شجر الحقيقة زهره، هل دارَ كأسُ السمّ دورته ليزهر في الحروف، ويطرح الذّكرى هنا والآن؟ ما كان كان، أخذوا القصيدة فديةً حتّى لبابِ الغار. وصار الغار قبرا، كيف للحرف الصّغير العيشُ وسط النّار؟ ما صار صار، أخذوك نحو الجبّ، لم تفهم لماذا؟ للغار أو للجبّ، الموت يورق ها هنا، ولا قداسة في الجوار.

.. تأتين دون غيومك البيضاء، دون الطّمي، دون الغار. ولا أراك. الغيمة البيضاء مدّت روحها في أضلعي من قبل، ليس الآن. والطّمي أنبتَ الشّجر الغريب وملّأ القيعان. والدّكنة العمياء كانت سرّنا المخبوء، أمّا الغار... فنراه نحن ولا تراه قبائل التتّار.

لا أحياكِ،

لا أنمو أمامكِ مثل أعناب الحقول

ولا أجري أمامك

مثل أرواح الخيول

ولا تنمو على كتفي هنا في اللّيل غيمات صغيرات

ولا تأتي إلى جسدي الفصول

أهذا كلّ ما تعطيه لي عيناك؟

كان لي بالأمس، غابتان فيهما

وشرفتان

بالأمس آه، ليس الآن، ليس الآن

الآن ها أنا أنوس مطفئا

أموت ألفَ مرّة في اليوم

أغور في القرار، في القرار

غاباتك السّوداء لا تثيرني، وطميُك القديم، لا يمدّ في بذوري الحياة. الآن لا حياة في الحياة ها هنا، الآن لا ضياء في الضّياء. الآن أنت لست أنت، لست من أواجه الزّمان وصوتها يمدّ في أصابعي الضّياء.

.......

هل حلّ بي ما حلّ بالأشجار مقطوعة تبكي على تاريخها؟

.......

في الكوب، في المقهى الصّغير، بجانب الميناء، تبرد القهوة.

........

والحرف...

ميتٌ لا يجيب.

.......

الآن أنهيها القصيدة

الآن أنتظر الغروب.

• شاعر تونسي