جاسم الصافي *

أخي الحبيب، أكتب إليك وأنا في أشد الحاجة لقربك مني، ربما لأنك كل ما تبقى لي في هذه الدنيا, خصوصاً بعد أن بدأ المرض يأخذ من ذاكرتي الكثير ولا يترك لي غير رائحة الموت التي تغزوني، وهي تأمل أن يستسلم أحد أعضاء جسدي فيكون سبباً منطقياً يدوَّن في شهادة وفاتي، كيف سأقضي هذا الوقت الثمين وقد حُدِّد لي موعد مع الموت؟ النوم أكثر ما يزعج تفكيري هذه الساعات، رغم أني أتقلب على مقلاة الحيرة، أدخن.. أكتب.. أمشي.. آكل.. أهرب.. ماذا أفعل؟ لهذا استللتُ قلمي وبدأت أكتب عن خوفي لك لأنتزعه بهذه الطريقة، وأستودعه على الورق وأقدمه لك مع خالص الاعتذار عما بدر مني طوال هذا العمر البغيض.

أخي الحبيب، إن أول شريط يمر على ذاكرتي يرتبط بنهايتي العاجلة هذه، هو سؤال وجهته لوالدي ذات مرة: «مَن يدفن الدفّان إذا مات؟». أجاب أبي وكأنه يشمئز من شيء لزج يلتصق به: «أيها الغراب اللعين، الدفّان لا يخطر على باله الموت، عليك أن تنسى الموت تماماً إن كنت تريد لمهنتك الازدهار. يجب أن تكون قاسياً، على الأقل في وقت تأديتك لعملك، فالقسوة رحمة تطلبها روحك، وبالعاطفة لن تستطيع دفن الموتى، بل ستدفن نفسك في كل مرة. هكذا هي الدنيا، وُجدنا لنبحث فيها عن حلول وليس أسئلة بلا معنى ترتدّ عليك بصداها، أسئلة مخنثة عمّن يدفن الدفان».

نسيت قرارات الأمس وبدأ الوقت يزحف على يومي مثل جرذ لا يستسلم في سحق أصعب الأوقات صلابة. لا.. لم أنسَ قراري، بل خفتُ جمرَه وبردَ إلحاحه. كنت دوماً ما أسأل نفسي: لماذا نضعف ونتردد أمام أيّ تغير؟ نحقن يومنا بمطالب، وحين تزدحم نجدها تتبخر وقد أصبحنا على ما كنا عليه بالأمس نادمين. هل أجمل الأوقات هو الأسوأ الذي نحن عليه الآن، ربما لأنه الوقت الوحيد الذي نمتلكه ونتحكم به.. إننا نتكرر ولا يوقَف هذا التكرار إلا بتغير جذري، فالزمان والتاريخ والذكريات، كلها لا تنتظر منا تصحيحاً للأخطاء، لكن من الممكن أن تعيد علينا التجربة نفسها، لنبدأ بفرشاة الأسنان وننتهي بزوجاتنا.. بملابسنا.. بمزاجنا.. بأحلامنا، بل حتى في استنشاق الهواء الذي نتزاحم عليه. كل يوم أقول سأعدّ العدة لهذا التغير في أقرب فرصة ممكنة. دوماً ما تنتهي حماستي بأجوبة مورفينية. الإدمان عادةٌ تنمو لتكون عضواً من الجسد، فهل يمكن لأيٍّ منا التخلص من عضو في جسده ؟ لقد فات الأوان على ذلك.

أبي كان يهتم للأجوبة التي نصطدم بها على هذه الأرض، وهذا عمل لا يرتقي لإنسانيتي ولا لتفكيري، فأنا قادر على طرح وتصنيع أسئلة من تفاعل حوامض فلسفتي التكوينية، أسئلة تفقس المئات من على شاكلتها مثل العناكب. الحقيقة أقولها؛ كنت كلما دفنت جنازة أذكر صوت أبي وهو ينعتني بالغراب، فأنعق فوق تلك الجثث مطأطئاً رأسي بألمٍ أجهل مصدره. هم يتصورون أني أرتل لروح المرحوم أدعية أو آيات، والحقيقة أني أنعق فوق رأسه نشيد الشؤم بأسئلة لا تقبل غير القسمة إلى أسئلة أخرى وأخرى وأخرى.. هل فقيدكم يرانا الآن ويتأسف لهذه النهاية، أن يُدفن على يد غراب شؤم مثلي! إنّ مصدر لقب «الغراب» بعيد عن ذاكرتي المتهالكة، فلا أذكر لمَ لُقِّبت به. هل هو مرتبط بمهنتي الغرابية؟! إذ إن الغربان كانت أول مَن علم البشرية فن الدفن، أو أنها الطيور الوحيدة التي تعتز في إقامة مراسيم عزاء على موتاها بتشييع جماعي مهيب، يشبه حالة الحزن التي أحاول التخلص منها في تجوالي بالأماكن المزدحمة أو بين القبور المتناثرة في أرجاء هذا المكان. لو كان الأمر متعلقاً بهذين السبيين، لكان أبي كبيرهم الذي علّمهم السحر؛ غراب قابيل.. وأنا نعّاب.. فرخ الغراب الكسول. لقد حيّرني أمر هذا اللقب لدرجة أني صغرت أمامه، لأكون في نهاية الأمر مجرد نملة.. لقد حلمت مرة بأن جثة أحد الأموات تصحو وهي تقول لي: «أيها الغراب اللعين، إنك لست طاهراً لتمارس هذا العمل المقدس!».

هل يحتاج مثل هذا العمل النجس إلى طهارة؟ أنا نملة عاملة على دفن الموتى، وأبي لم يكن يريد مني غير هذه الحلول. هو لا يهتم للأسباب، فحياته قدرية تسيّرها يد الغيب، أما النجاسة فلا تداويها أيّ طهارة يمكن أن نتصورها نحن جميعاً، والدليل أني أذكر يا أخي يوم زاولت هذه المهنة، مهنة الدفان... كانت لمرة واحدة أرغمك أبي عليها. هذا الأمر منذ عشرين عاماً، لكني أتذكره وكأنه حدث بالأمس القريب. ما زلت أحتفظ برسالتك التي تشكو فيها تلك الرائحة التي تشبثت بجسدك وأصبحتْ منه، لا يمكن أن أحصي عدد المرات التي غسلتَ فيها يديك منها، حتى تفطرت وتهرأ اللحم من عليها. كنت تعتبرها مصدراً للخبث المزروع بأعماقك. عشرون عاما ولم تطهر يداك من تلك الرائحة، لأن مصدرها كان في داخلك، وقد أخبرْتَني وقتها أنك من شدة انزعاجك من يدك تتمنى لها أن تبتر أثناء العمل لترتاح منها، كنت دوماً تتنكر ليدك، فهي كما تقول مصدر تلك الرائحة، أما أنا فغراب لعين يأكل في مغتسل الموتى ويشرب من (الطاسة) نفسها التي تصب الماء على أجساد الموتى. قلت لي مرة:

(أنت من طينة أبي، أما أنا فجيناتي ورثتُها من أمي المسكينة التي كانت ترتعب من أبيك، فهو في عينها كان مثل ملك الموت، مخيفاً، لكن لا مهرب من لقائه).

لقد ماتت أمي دون أن تعرف أننا يجب أن نعيش الدنيا خطّائين كبشر لا كملائكة (لأن الله يحب المفتتن التواب). إنها لم تحيا أبداً، بل كانت مجرد جسد يعمل لخدمتنا، وحناناً مستمراً لراحتنا، لم أسمعها طوال عمر تطلب شيئاً من أبي وكأن أفعال الحاجة مثل «أريد» و»أحتاج» ملغاة من قاموسها اللغوي.. كانت تقول وهي تشهر السعادة بيننا: (لن أنام مع الحزن أبداً، لأني قد أموت فيرافقني إلى القبر). لهذا لم أجدها في أيّ صباح نائمة إلى جوار أبي. لقد ماتت باستسلام وهي مبتسمة للموت وربما لوجه أبي. أبي كانت لديه القدرة على معرفة متطلبات الجميع، فهو يتذكر كل شيء بأدق تفاصيله، بل إن أحد أعمامي قال لي ذات مرة، إن أباك يتذكر حتى الأشهر الأولى من ولادته. هل يعقل هذا الأمر! بحكم معرفتي بأبي أصدق هذا الادعاء ولا أستغربه. ما رأيك أنت؟

قلت لي بعد وفاة أمي، حيث كنت أحتسي أول كأس خمر وهي الألذ طعماً على الإطلاق:

(أنت لست غراباً، فالغراب ينتحب على فقد أحبائه. أنت ربما نملة. نعم النمل هكذا). ضحكتُ بسخرية حينها، ولا أعلم؛ هل سخريتي تلك من وصفك لي بالنملة، أم هي من نشوة الخمر التي صورتني على شكل نملة عملاقة.

قلت لي وقتها بامتعاض: (أتعلم أن النمل تنعى نفسها بنفسها، حيث تنشر رائحة الموت قبل موتها لتنبيه بقية الأفراد بضرورة الإسراع في دفنها قبل انجذاب الحشرات لجثمانها، حتى إن أحد العلماء وضع من تلك الرائحة والتي تدعى حمض الزيتيك أو الأوليك على جسد إحدى النملات الحية، فسارع باقي النمل إلى دفنها، أنت هكذا مختوم عليك برائحة الموت).

أنا يا أخي أشمّ الموت، ليس كما في الأمس، بل أشمّه اليوم بأنفك المترف بالحس. أما تلك الجثة التي نعتتني بالنجاسة فقد أوقدت في نفسي سؤالاً قديماً جديداً وهو: لمَ لقّبني أبي بالغراب؟ أخبرتني أنت ذات مرة أني كنت أحب اللعب في سراديب الموتى والخرائب المهجورة وكنت ألتقط أشياء كثيرة أحملها لأمي، وهي بدورها كانت توبخني لأني أنبش في حاجات تخص الموتى، وهذا عمل معيب، بل هو من صفات الغراب الذي يلقَّب بالكنّاس أو السارق. صفة ربما اتصفتُ بها بالفطرة.

اليوم، وأشباح الذكرى تنقصها المرونة والحيوية وكأنها هيكل أو دمى معطّلة تتحرك بالإكراه بخيوط سماوية، أنبش لك أورامي لأتذكر الألم القديم، فالحقيقة التي نغصّ في تصديقها تحتاج إلى كذب مائع يسهل علينا عملية بلعها، لهذا نكذب ونكذب لسدّ ثقوب مخاوفنا من هذا اليوم. لم يكن ما يلمع في عيني الحالمة هو مطمح والدَيّ الواقعي حد النخاع، كما إن حلمي لم يكن بمقدار حلمك المجنَّح. كم كنت أتمنى أن أغيّر ما كنت عليه طوال عمري. البركة في ما زرعه لي والدي من طباع جعلت الجميع يشمّ الموت مني! أنا متأكد أن الجميع يمكنه إدراك الموت قبل وقوعه، لكن هذا سيكون بعد فوات الأوان، لأن هذا الشعور هو بمثابة فَراشة التصقت بشباك العنكبوت، حينها لا جدوى لها من المقاومة ولا حتى من الحركة. مثل هذا الشعور هو ما جعلني أتمنى أن أهيم في الصحارى أو في أماكن مزدحمة بالغرباء أتستر في ما بينهم وأضيع معهم من علامات الشؤم المميزة عندي والملاصقة لي.. أن أرقص بينهم مثل زوربا.. أن آكل معهم بشراهة الأُسود.. أن أشرب كالقردة دون أن أشبع.. كم تمنيت أن يكون هناك متسع من الوقت لبعض الأماني لأشرب قهوتي، وأقرأ «قصة حب مجوسية»، وأودّع مَن لم تكن يوماً لي لكني كنت طوال عمري لها. أصعب ما لا يستطيع أن يتقبله دفان مثلي هو سؤال محير: مَن لا يعرف بدايته، كيف له أن يعمل على إتمام نهايات الآخرين؟

كنت أتصور أن النسيان كفيل في محو عوالق الزمن، وأن الإنسان حينما يكبر ويمتلئ خزينه المعرفي يبدأ بالسعي للتخلي عن المزيد من الأمور التي كانت في تصوره كبيرة ومهمة، لكن عوالق الأسئلة لها جمر لا ينطفئ، شعلة أولمبية تتقد في مواسم غير محددة، وهذا ما لا يستطيع النسيان الإمساك به، كونه يقفز على سطح تفكيرنا من زمن منفلت عن إرادتنا..

لقد دفنتُ الدفّان الذي نعتني بالغراب طوال عمري، وهذا ما كان يخيفه.. كان جسده أثقل من باقي الموتى، ربما لأنه يحمل هموم كل مَن دفنهم، أو أن رائحة حمض الزيتيك متشبعة بجسده مثل حالي الآن! حينها اكتشفتُ أن ملك الموت كان أكثر ما يخيفه هو الموت نفسه، إذ يحلّق فوقنا بأسئلة لا مجيب لها، أسئلة لها إجابات عديدة لكن غير شافية.. لا يمكنني الآن أن أكفّر عن ذنوبي بعد أن انتصب شبح الموت أمامي ولا يمكنني التخلص من رائحته، لكني أدركت منك شيئاً يجب أن تعرفه، وهو أن أبي قد حقنني برائحة الموت بحمض الزنتيك كما تحب أن تسميه، وقريباً سيستدلّون عليّ قبل موتي فيقتلوني بمواريث أبي ومن دون تشييع وربما دون دفن، وهذا هو سبب رسالتي إليك، فقد عرفت كيف للغراب أن يتخلّص من حبال الموت بتكاتفه ومشاركته بالتعازي، ولكن لم أعرف ولم أفهم كيف يتخلص النمل من رائحته الزيتيك المنتشرة في جسدي الآن، فالخوف من الموت أشدّ وقعاً من الموت نفسه، لهذا كانت رسالتي إليك لتشاركني العزاء.

• كاتب عراقي