محمد معتصم *

كثيرة هي الكتبُ، حتى الرواية المتخَيَّلة، التي انخرطت في البحث في العوالم المخفيَّة التي تؤرق العقل البشري، بما تطرحه عليه مِنْ أسئلة غالباً ما تصطدم بآلة التفكير أو آلة التمييز المسماة «العقل». ومن تلك الموضوعات الكبرى المحيرة «الموت»، ليس في ذاته، ولكن في ما يؤدي إليه من حيرة وشك وريبة وقلق؛ هل هناك حياة بعد الموت أم إن الأمر لا يتعدى معنى النهاية؟ أي هل هناك وجود آخر للذات يضمن استمرارها وبقاءها؟ وإذا كان، فما طبيعته؟ وما الصورة التي ستؤول إليها الذات بعد تحلل البدن، الجانب المادي الظاهر منها في الحياة المادية الواقعية التي نعيشها؟ أما إذا كان الموت هو النهاية، فإلى أين تنتهي الحياة السابقة بأفعالها ومشاعرها وأفكارها وعلاقاتها وخيرها وشرها؟

لقد بُني العقل البشري، وأحدد عادةً العقل آلة التمييز، كالآتي: مجموع المكتسبات التي تربّى عليها الإنسان، بحسب الوسط الذي نشأ وترعرع فيه، فثقافة الفرد التي امتلكها بوعي أو من دونه، بالفعل أو بالقوَّة، هي التي تدفعه إلى تحديد الظواهر واختيار المواقف والحكم عليها، فزوايا النظر والأحكام المختلفة باختلاف مكان وقوف الشخص وزاوية نظره التي تشكل ثقافته فيها وعيه وموقفه من الظواهر والوقائع، وبالتالي تُشَكِّلُ «متخيَّلَهُ» الخاص، وينصرف ذلك على الجماعة والمجموعة والمجتمع.

لقد بُني العقل البشري على المعرفة العِلِّيَّةِ، وهي معرفة حسية ومادية لا يمكنها معرفة المجرد وغير المحدود إلا بما صادقه في الواقع بالتشبيه أو الضد أو النقيض. من ثمة هناك من يقف عند الحد الأدنى فيفسر الموت بضده: الحياة. فالحياة حركة دائبة مستمرة متحولة متقلبة، والموت عكس ذلك، سكون وثبات وجمود. فالموت هو اللا حياة. وانتهى الأمر. وأغلق باب الاجتهاد وأسكتَ صوت السؤال المؤرق والمقلق.

فالمعرفة «العِلِّيَّةُ والسَّبَبِيَّةُ» هي المعرفة «الحِسِّيَّةُ» التي توافق قدرة العقل البشري المكوَّن من مجموع المكتسبات السابقة التي تحدُّهُ، من «الحدِّ» أي اللفظ والمصطلح والمفهوم أو «التَّعْرِيفُ»، وقد نقول عنه كذلك «التَّصَوُّرَاتُ الذِّهْنِيَّةُ» و»التَّمَثُّلَاتُ» التي يختزل فيها الإنسان معارفه مضغوطةً «مَقُولَاتٍ».

لذلك تقع رواية الكاتب يحيى القيسي «بعد الحياة بخطوة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2018) بين صراعٍ أبدي بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية.

والمعرفة «العَقْلِيَّةُ» يمكن أن نحدد لها تعريفاً آخر فنقول عنها معرفة بـ»الوصف» حتى تختلف عن المعرفة الحسية التي يكتسبها الفرد من جهة الحواس الخمس ويخزنها في ذهنه على سبيل القياس والفهم والتفسير. لذلك، تكون المعرفة العقلية تقريبية من جهة الوصف والتشبيه، قياس الغائب على الشاهد، وتكون أيضاً معرفة «تَصْدِيقِيَّةً» تسلّمُ بالأمر كما هو بالطريقة التي وصف بها أو الشبيه الذي جيءَ به لتقريبها من الذهن الحسي البشري. وهناك معرفة يصعب تقريبها للعقل الحسي السببي فيُحْمَلُ على «التخمين» وعلى الافتراض الذي يُقَدَّمُ اعتماداً على أبعادٍ يقال عنها علمية ومنطقية، وهي طبعاً منهجيات تبدأ بوضع «الفَرْضِيَّاتِ» حول الظاهرة لتحصيل النتائج التي يطمئن إليها العقل الحسي والمعرفة السببية.

لذلك سيكون الإشكال الكبير عند الشخصية الروائية في رواية يحيى القيسي «بعد الحياة بخطوة»، كيف يمكنها نقل تجربتها الخاصة التي عاشتها في رحلة أثيرية في أرض «الممَرِّ» وأرض «المُسْتَقَرِّ» وأرض «الحَضِيضِ» إلى الناس في أرض «الوَاقِعِ» بعد العودة من غيبوبة دامت شهراً كاملاً. كيف تقنع الناس بوقائعَ وأحداثٍ غير حسيَّةٍ، وقعت في عالم «غَيْبِيٍّ».

يضاف ها هنا مفهوم «الغَيْبِ» ليُرَكِّبَ وليزيدَ منْ غموضِ وصعوبة مفهوم «المَوْتِ» في ذهن الناس (الشخصيات الثانوية في الرواية)، وليُرْبِكَ اليقين المطمئنَّ والمعرفة الحِسِّيَّةَ لديهم والتي اعتادوا واستكانوا لها، خاصة عندما لا يَجدون ما صادق تلك الوقائع والأحداث، وبالرغم من أن موضوع «الحياة بعد الموت» كُتبت فيه مؤلفات وخاضت فيه جميع الأديان، بل هناك من جعل منه موضوعاً علمياً قائمَ الذات في علم يسمونه «علم الخوارق» تختلط فيه المقولات الدينية بالنظريات القائلة بالعوالم الموازية واستحضار الأرواح الهائمة في عالم البرزخ بعد الموت وقبل البعث، وتوارد الخواطر، والتخاطب عبر المسافات الزمنية والجغرافية عبر التفكير والتركيز والتأمل، وهو علم (La parapsychologie).

لقد بُنيت رواية القيسي «بعد الحياة بخطوة» على الوحدات الدلالية الكبرى الآتية؛

- لحظة انفصال الروح الجزئي عن الجسد المادي الممدَّد على السرير بالمستشفى بعد الإصابة بجلطة في شريان القلب، والدخول في غيبوبة دامت شهراً كاملاً.

- الانتقال من أرض «الممر» إلى أرض «المستقر» ومحاولة تهيئة العقل لإدراك الحقائق الجديدة الأثيرية مع العمل على التخلُّص من شوائب المعرفة الحسية في أرض «الواقع»، والانتقال من اللغة الملفوظة القاصر إلى التخاطب بالأفكار الواسعة واللامحدودة واللامنتهية.

- وصف المشاهدات ولقاء الراحلين ومحاورتهم: لقاء جدّه «الشيخ علي» وأخته «مريم»، ولقاء أمه، وكذلك صديقه الذي مات في حادث إرهابي «محمود الصحافي»، وابن خاله «عبد الله».

- استمرار الحياة بعد الموت، ومواصلة كل شخص لمهنته ووظيفته وهوايته إذا كانت لها ضرورة في العالم الأثيري في أرض «المستقر»، فالعلوم لا تتوقف والأهم أن هؤلاء العلماء والأدباء والمفكرين لا ينقطعون عن الاتصال بأهل الأرض في «الواقع» عبر وسيلتين: «الإلهام» و»الوسطاء من أصحاب الأرواح الراقية» ثم عبر «الخواطر». كما لم ينقطع الموسيقيون والمطربون والمغنون والعازفون عن إقامة الحفلات والسهرات هنالك من قبيل حفلة غناء لأم كلثوم بأداء يفوق جمالاً أداءها يوم كانت في أرض «الواقع»، فكل ما يقع هناك في أرض «المستقر» أجمل وأبهى مما في الحياة الفانية، رغم أن أرض «المستقر» ليست سوى محطة يصلها أولئك الذين لم ينفصلوا تماماً عن أجسادهم المادية الفانية.

- زيارة خاطفة إلى أرض «الحضيض»، ثم الإحجام عن الإخبار عن مشاهداتها رأفةً بالخاطئين من أهل الحضيض.

- إقرار «الوكيل» عودة الروح إلى الجسد الأرضي، وتوقيف رحلة الارتقاء، والعودة إلى الحياة الأرضية بتعاستها وشقائها وعنائها وشظفها ونقصانها وخسرانها، ولكنه بمهمة التنوير والدعاية والإخبار عن حقيقة العالم العلوي وتخليصه مما يحيط به من ادعاءات وأوصاف غرائبية وعجائبية ألصقها به كثير ممن يدعون العلم والمعرفة في هذا الزمن، زمن الجهل والفتن والخراب.

- صعوبة إقناع الناس بحقيقة ما عاشته الشخصية هناك من مشاهدات ووقائع وأحداث، وأول المكذبين والمشككين: الزوجة والأب والصديق الصحافي اليساري «فرحان الكافي». والدخول في حالة من العزلة والوحدة جراء: عدم تصديق الناس قوله ومحتوى كتابه «كتاب الرؤى والأسرار»، انغماس والده في حياته الخاصة، هروب زوجته في العمل، طلب زوجته عرض نفسه على طبيب نفسي للتخلص من أوهامه ومن تبعات الغيبوبة والمرض.

- «مايا» واللقاء التلفزيوني والشعور بالخيبة، فالناس لا يهتمّون بمحتوى ما يقال في التلفزة والبرامج المعروضة على الشاشة، بقدر ما يهمّهم الشهرة والمعرفة السطحية المتهالكة المكرورة. فالتلفزة سلطة رابعة تسهم في تنويم المشاهدين وإدخالهم في حالة من «السرنمة» وملء رؤوسهم وحشوها بالمعارف الوهمية والمعارف السطحية وإفراغهم من كل ما هو جادّ ونافع.

- اللقاء بجماعة من المهتمين بالعالم الآخر الغيبي والحياة بعد الموت. ثم الشعور بالإحباط من جراء التكرار الذي يفرغ الذات عوضَ تحفيزها على الارتقاء، فالتكرار وسيلة نافعة وفعالة لإفراغ الذات من الجدية والنفع.

- اللجوء إلى العزلة ثم الدخول في غيبوبة أخيرة بعد اللقاء الجماهيري.

إذن، كان الصراع الحقيقي في هذه الرواية بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية، أو المعرفة العِلِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ والمعرفة الصِّدْقِيَّةِ التي تؤمن وتسلّم بالحقائق القادمة من العوالم البعيدة الغيبية عبر التخاطر والإلهام والوسطاء من أصحاب الأرواح الراقية.

لقد تخللت الخطاب الروائي أنواعٌ مختلفة من الخطابات الضمنية التي منحته صفة التركيب، ووسعت من فضائه، وتنوعت من معارفه وزاوجت بين مرجعياته المختلفة. وأكثرها بروزاً ودلالة، الخطاب المتدفق كشعور داخلي وصور من الذاكرة في ثلاثة مواقع حساسة: مستهلِّ الخطاب الروائي، وفي لحظة استرجاع الوقائع والأحداث الماضية في صورة عرض فيلم، وفي مختتم الخطاب الروائي. هذا الخطاب محسوب على تقنية من أهم تقنيات «تيار الوعي»، تتمثل في تدفق صور الذاكرة الذي يشكّل عصب الرواية وعمودها الفقري.

إضافة إلى خطابات التضمين، سواء تضمين نصوص (إبداع داخل الإبداع) من كتاب «كتاب الرؤى والأسرار» في سياق بناء الخطاب العام للرواية، أو تضمين محكيات صغرى ذاتية تخص الشخصيات الخمسة المؤلفة لجماعة المهتمين بالروحانيات: المهندس المعماري وزوجته طبيبة الأسنان، الممرضة الباحثة، والضابط المتقاعد ثم ربة المنزل. وتضمين محكي غيري عن شخصية «مايا» والشاب المضطرب، تنقلهما شخصية من بين شخصيات الجماعة نيابة عن السارد الرئيسي.

هناك كذلك خطابات يمكن أن نقول عنها إنها تقريرية لأن وظيفتها السردية الإحالة على الواقع المتردي في التعليم وما تتخبط فيه الأمة من ويلات الفرقة والخلاف والصراعات المجانية والتورط في الخيانات.

ورغم كل هذا، فإن محتوى الرواية وما تضمنته من مواقف وأفكار يحتاج إلى مقالات أخرى تقوم بتفكيكه والإحالة إلى مرجعياته، وهو أمر عادي في هذا النوع من الروايات الثقافية التي تختار موضوعاً لها القضايا الكبرى الأدبية أو الفكرية الثقافية والظواهر الاجتماعية المستحدثة في الواقع.

• ناقد من المغرب