إيمان الأشقر

درجتانِ ليسَ إلَّا، تفصلانه عن بوابةِ المطعمِ الذي طالما أطفأ به جوعَه إبّان فقره القديم، لم تكن تلكَ الزّيارةُ صدفةً، بل نيّة، ولم يكن إسراعه إليهِ جوعاً، لكنّه حنينٌ إلى طعومٍ يطعمها الفقر ولا يطْعَمها الغنى.

فما كانَ ليشمّ الروعةَ في نتانة الطاولاتِ الخشبِية هناكَ إلا إذا ترافقت مع سريانِ الدفء في عظامه، ما يجعله منتشياً لسماع غمغمة المطر الذي لم ينل من حذائه المتهالكِ في بعض هاتيك الليالي، وما كانَ لمعدته أن تتلمّسَ جوعَ العناءِ بدلاً من عناء الجوع، وذلك الشبعُ اللذيذ، وظَفَر الفاتحين بآخر لقمة.

جلسَ ببذلته الفاخرةِ وربطةِ عنقهِ التي تخبر عن ذوقه القبيح، وأجالَ نظره في المكانِ فلم يتعرف إلى أحد، واعتقدَ أنَّ الفقرَ قطعَ دابرَ القومِ فيما نجا منه العبدُ الصالح، ولم يتعرف إلا على منفضةِ السجائر المعدنية التي لم ينل منها الزمن كما نالَ من رواد المكان ودهانِ الجدران.

لم يرغب أن ينادي أحداً من القائمينَ على خدمة الزبائن، خشيةَ أن يسمعَ صوته القديمَ الصادرَ عن نفسه المتواضعة، فانتظرَ أن يحضرَ أحدهم من تلقاء نفسه، فقد اعتادَ أن يهرَعَ إليه بعضهم بمجرد إطلاق ضحكاتٍ تعلن عن وصوله.

مضت بضع دقائقَ قبلَ أن يطلَّ أحدهم برأسٍ ضئيلٍ مترنّحٍ من عناء اليوم.

- تفضل.

- أريد شريحةَ لحمٍ بالخضار.

- نفدَ كل اللحم.

- ماذا لديكم بعد؟

- لدينا قرعٌ مشوي، وفول باللبن.

- فول باللبن؟ أفضّل القرعَ المشويّ مع دبس الرمّان إن أمكن.

- عليكَ الانتظارُ ثلث ساعة.

ساءه ذلكَ الترحيب البليد، لكنه سرعان ما تغلبَ على استيائه، ذلكَ أنه حضرَ إلى هنا ليقابلَ أمنه القديم دونَ ميعادٍ أصلاً.

هو الآنَ يحاول جاهداً أن يحتفي بكرسيه هذا دونَ جدوى، كانَت ساعة يده الذّهبية تبدّدُ تلك المشاعر التي تنشأ مع الاكتفاء بعدَ الحاجة، تلكَ التي يحاول جذبها جاهداً، ليحاربَ بها صدره الذي يرغمه على الإنصات حينَ يتحدث: «ليس كلُّ جوعٍ بعدَ شبعٍ واحداً، وليسَ كلُّ دفءٍ بعدَ بردٍ واحداً»، فيردُّه قائلاً: «أنا أغمضُ عيني وأنتَ تقول الحقيقة»، كانَ يقولها مع ضربتين خفيفتين بقبضةِ يمينه، فبتلكَ اللازمة الحركية التي لم يستطع أحد تفسيرها، كانَ يُنهي شرودَه المتجهّم.

أحدهم بدأ يجرجر المقاعد والطاولات ولا يبالي بسقوط منافض السجائر واحدة تلو الأخرى ولا بالقرقعةِ التي تحدثها، وانطلقت خشخشةُ المكانس وكأنّها تكنسه وترميه خارجاً ككومةٍ من الغبار، فقامَ يهرولُ من المطعمِ وهو شبعانٌ جدّاً جدّاً، يبحثُ عن جوعه في مكانٍ قديمٍ غيرِ هذا المكان.