كنت قد أشرت في مقال سابق، نشر في حزيران الماضي، إلى ضرورة إصدار ميثاق النزاهة بقانون، بحيث يصبح تطبيق ما فيه التزاماً قانونياً لا مجال للمراوغة فيه، كون ذلك هو الضمانة الأكيدة والوحيدة لبناء إدارة نظيفة ومحمية من أية شبهات.

ومنذ نشر مقالي المشار إليه، واجهنا أزمة جديدة تؤكد ضرورة ما أرمي إليه هنا، وهو أن القوانين المعمول بها والإجراءات المتعلقة بحماية حقوق ومصالح الدولة، المالية خاصة، والتي هي أيضا مصلحة المواطن، تعاني من ثغرات كبيرة ونقائص متعددة، تمكن الخارجون على القانون من التسلل منها لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب الخزينة.

وأقصد بذلك تحديدا أزمة ما عرف»بقضية الدخان»، المعروضة على القضاء حاليا.

إن حجم المبالغ، التي قد تكون الخزينة حرمت منها نتيجة سنوات من العمل خارج إطار القانون، تؤكد ضرورة سد هذه الثغرات بقوانين إلزامية صارمة، للحيلولة دون أي التفاف على تعليمات تحصيل الأموال الحكومية المستحقة، والتي تسبب التهرب من دفعها والتحايل عليها عبر السنين بخسائر كبيرة جدا، ساهمت بالتأكيد في تفاقم الأزمة الاقتصادية التي نسعى جاهدين للخروج منها.

وبالرغم من إنني على ثقة كبيرة بنزاهة القضاء في التعامل مع هذه القضية وغيرها، وفي إصرار الحكومة على عدم التهاون في محاسبة المتورطين، فإنني أخشى أن يؤدي تلاحق الأزمات إلى توسيع فجوة الثقة، الكبيرة أصلا، بين المواطن والحكومة.

فالمواطن يتساءل باستمرار عن الأسباب الحقيقية التي مكنت المتربحين على حساب خزينة الدولة وقوانينها وأنظمتها، وعن أي تواطؤ أو أي إهمال وراء ذلك.

إن سد هذه الثغرات هو الضمان الأكيد لاستعادة ثقة المواطنين بحكوماتهم، وإيجاد جبهة وطنية واحدة موحدة للقضاء على أزمة الفساد، واستئصالها من أعماق جذورها.

ولذلك، فلا بد من الإشارة اليوم إلى ميثاق منظومة النزاهة الوطنية الذي صدر في العام 2013، وكان لي شرف المساهمة في إعداده، كعضو في اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية وبموجب الرسالة الملكية المؤرخة في 8/ 12/ 2012، والتي حددت بوضوح أهداف اللجنة وأكدت، بصفة خاصة، ضرورة محاربة الفساد بأشكاله وقبل وقوعه، وإصلاح الأنظمة الإدارية والمالية، وتعزيز القيم المؤسسية، وترسيخ الضوابط الأخلاقية في مؤسسات الدولة. كما أكدت الرسالة الملكية الموجهة لدولة الدكتور عبدالله النسور، رئيس اللجنة آنذاك، على ضرورة مراجعة التشريعات، ودراسة واقع جميع الجهات الرقابية، واقتراح التوصيات الكفيلة بتقويم سير العمل.

وعليه، أصدرت اللجنة تقريرا وافيا حول الموضوع، شمل في القسم الأول منه المبادئ التي يجب أن ترتكز الإدارة النزيهة عليها كالتشريعات، والبنية التنظيمية للمؤسسات، والقدرات المؤسسية والوظيفية، والثقافة والممارسات الفعلية. ثم حددت الوثيقة مرتكزات النزاهة في السلطة التنفيذية، مؤكدة الشفافية في رسم السياسات، واتخاذ القرارات، وتكافؤ الفرص، واعتماد الجدارة والاستحقاق، والالتزام الضريبي.

كما شددت على مرتكزات النزاهة في السلطتين القضائية والتشريعية، وكذلك في القطاع الخاص، وفي الأحزاب والهيئات غير الحكومية، وفي الإعلام.

وقد شملت الوثيقة، في فصل مستقل، الخطة التنفيذية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، والتي حددت عشرين محورا تنفيذيا، تناولت كل مفاصل عمل الدولة وأدائها، وعمل القطاع الخاص ومكونات المجتمع المدني بجميع تشكيلاتها.

ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أشير إلى أنني، ومن خلال عضويتي في اللجنة، استثمرت دوري السابق كرئيس مشارك للأمين العام للأمم المتحدة، السيد كوفي عنان، رحمه الله، في مطلع هذا القرن لصياغة الميثاق العالمي لمبادئ النزاهة والحكم الرشيد، والذي توصل في حينه لصياغة عشرة مبادئ موازية في تركيزها على النزاهة لنتائج اللجنة الملكية. وكان ذلك هو الجهد الدولي الأول من نوعه في تاريخ المنظمة الدولية، مثلما كان اختياري للمشاركة في رئاسة الميثاق مع السيد عنان بادرة غير مسبوقة أيضا.

واليوم، أجدني مضطراً في هذا المقال لإعادة التأكيد على هذه النقطة. وذلك من منطلق قناعتي بأن أيه إدارة، رسميه أو خاصه، لا تعتمد مبدأ النزاهة المطلقة والشفافية والوضوح لا يكتب لها النجاح.

إننا في الأردن نواجه وضع اقتصادي حرج. ومع الإقرار هنا بوجود أسباب موضوعية وحقيقية لصعوبة الوضع الاقتصادي، وهي معروفة ولست بحاجة لتكرارها، إلا أنه لا بد من الإقرار أيضا بوجود اختلالات كبيرة في الأداء، وأن تلك الاختلالات قد تفاقمت، وزادت من الوضع الصعب أصلا وحدة الأزمة الاقتصادية.

ولا بد من التذكير أنه لا سبيل للقضاء على مثل تلك الآفات إلا باعتماد معايير النزاهة الشاملة في كل مفاصل عمل القطاعين العام والخاص، وفي سن القوانين والتشريعات التي تجرم وتعاقب كل من يعتدي على قيم النزاهة والأداء السليم النظيف، البعيد كل البعد عن كل مطمع شخصي، كما نصت عليه الوثيقة.

إلا أن وضع التوصيات بحد ذاته، مهما كانت واضحة وشاملة، لن يحقق الغاية دون وجود إرادة رسمية صارمة بتطبيق القانون تطبيقا حازما على جميع المواطنين دون استثناءات أو تساهلات. ولذلك، فلا بد من إصدار الوثيقة بقانون يمر في مراحله التشريعية الأصولية.

فالاستثناء والتساهل في تطبيق القانون، مهما كان محدودا، يؤدي بالنتيجة إلى كسر هيبة القانون، كما يشكل دعوة لعدم احترامه وعدم الالتزام بنصوصه، وتلك أخطر الآفات التي يبتلى بها أي مجتمع.

لنا كل الحق، في هذا الوطن الغالي، أن نفخر بأننا شعب متحضر وناضج، وأننا بذلك قد حافظنا على أمن وسلامة وطننا؛ قيادة ومواطنين وجيشا وأجهزة أمنية كفؤة.

ولنا الحق كذلك أن نرفع رؤوسنا كأردنيين، كما دعانا صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه.

ولكن، ولأننا مثل بقية شعوب العالم، فينا الصالح وغيره، فلا بد من ضمانة القانون لتنظيم أدائنا، وترسيخ سلامة المبادئ والتشريعات التي تغلق الطريق على أي منفذ يتسرب منه الخلل للنفوس التي يستبد بها الجشع والضلال.

إن قيمنا الدينية والأخلاقية راقية، ولكن التسلح بها وحدها لا يغني عن الضوابط القانونية الملزمة. لذلك نزلت التشريعات السماوية، ووضع الإنسان القوانين الوضعية لضمان الالتزام بها.

ولذلك أيضا نشر جلالة الملك المفدى سبع رسائل نقاشية، توضح المبادئ التي تبنى عليها الإدارة السليمة، وتنظم من خلالها حياة الناس التي تسودها قيم العدالة والمساواة والنزاهة والكرامة والراحة النفسية، الناجمة عن الشعور الحقيقي بالمواطنة.

ولذلك كله، يكرر جلالته دوما التأكيد على قيم النزاهة وسيادة القانون.

ولتحقيق ما تقدم، فإنني أدعو مجددا اليوم وبقوة إلى الالتزام بالتوجيهات الملكية السامية، وقوننة هذه المبادئ، وأولها وأهمها ميثاق النزاهة.