أبواب -غدير سالم

« ابني أحمد لا يتوقف عن الأكل مطلقاً ،وبدأت معه هذه الحالة من عمر السنتين ، طالما أن الطعام أمامه، فهو يصرخ يريد أن يأكل ولو كانت معدته ممتلئة «. بهذه الكلمات عبرت سعاد علي وهي - أم لطفلين « عن استيائها من شره إبنها .

وتابعت :» في البداية كنت أعتقد أنه صغير ولا يفهم وبالطبع سيطلب الطعام كلما شاهده ، ولكن هذه المشكلة تفاقمت ،لأن وزنه ازداد كثيراً عن الوضع الطبيعي ، وأصبح شرهاً بشكل كبير ، ففمه لا يتوقف عن المضغ ، وللأسف بدأ الوضع يخرج عن نطاق السيطرة ولا أعلم ما افعل معه ؟! « .

تبين الأخصائية النفسية من جامعة دوك في الولايات المتحدة الدكتورة لطيفة دردس أن :» تغذية الطفل تعد من أكثر التجارب التي يمر بها الأباء والأمهات تعقيداً وصعوبةً، وكثيراً ما يعاني الأهل بسبب أنماط الأكل غير الصحية عند الأطفال ومن هذه الأنماط الإفراط في تناول الطعام «.

وترى دردس أنه :» من الضروري جداً على الأهل التنبه إلى كمية ونوعية ما يتناوله أطفالهم من الطعام منذ الصغر ، إذ أن تناول كميات كبيرة من الطعام وبالأخص غير الصحي منها في فترات مبكرة يرتبط بإضطرابات صحية ونفسية على المدى البعيد «.

وعن أسباب تناول الطفل لكميات كبيرة من الطعام تقول دردس :» هناك عدة فرضيات تفسر سبب إفراط الطفل في تناول الطعام ، بداية في كثير من الأحيان يكون أسلوب التنشئة عاملاً محورياً في هذه الظاهرة فمثلاً كثير من الأمهات يظهرن نوعاً من السعادة أوالرضا عندما ينهي الطفل كل ما هو أمامه من طعام ، فيصبح عند الطفل نوع من الربط النفسي بين سعادة ورضا أهله وبين قدرته على تناول كميات كبيرة من الطعام ومع الوقت تصبح هذه ظاهرة سلوكية مستمرة عن الطفل «.

وأضافت :» كذلك فإن تحدث الأهل بكثرة عن طعام الطفل وبأنه لا يرفض شيئا يقدم له وأنه لا يشكل لهم أي مشكلة من ناحية تناول الطعام يشجع الطفل على تناول المزيد ، فقد يستخدم الطفل تناول الطعام كوسيلة للفت النظر والحصول على الإهتمام ممن حوله لا سيما وإن شعر بأن هناك نوعا من الإهمال أو من عدم الرضا «.

وتابعت :» من ناحية أخرى فإن النمط الغذائي للأسرة له تأثير قوي أيضاً على هذه الظاهرة ، فمثلاً الطفل الذي يعيش ضمن بيئة يكثر فيها الطعام باستمرار وبالأخص غير الصحي منه ويرى أن الأب والأم والإخوة الكبار يأكلون أمامه باستمرار ولا يراعون حدود أو كميات ونوعيات الطعام فإن ذلك يجعله أكثر رغبةً في طلب وتناول الطعام ، لذا يجب على الأهل أن يعلموا أطفالهم الكميات التي يجب أن يتناولوها وطريقة تناولها وسرعة تناولها ودون ذلك النوع من التوجيه سيسلك الطفل سلوكيات غير مناسبة قد تؤثر على صحته».

وبينت دردس الأسباب الأخرى لشره الأطفال في تناول الطعام ،فتقول :» ومن الجدير بالذكر أنه إن كان هناك مشكلة في غذاء الطفل بشكل مستمر وغير واضحة الأسباب كالأسباب التي ذكرناها سابقاً ، فقد يكون للمشكلة أبعاداً نفسية ،فمثلاً قد يكون الإفراط في تناول الطعام هو وسيلة للطفل للتنفيس عن قلق أو خوف أو غضب، أو قد تكون طريقة للهروب من المسؤولية أو المواقف الإجتماعية ، إذاً لا بد من التنبه إلى النواحي النفسية للطفل والأوقات التي يرغب فيها بتناول الطعام «.

وأضافت :» أيضاً من المهم أن يكون هناك نوع من الوعي الطبي لصحة الطفل فأحياناً قد تكون مشكلة تناول الطعام مرتبطة باختلالات فسيولوجية وبالأخص منطقة تحت المِهاد في الدماغ وهي مركز الشعور بالجوع والشبع، فإذا كان هناك نوع من الخلل في هذا المركز قد يفقد الطفل القدرة على الشعور بالشبع ،أو يصبح هناك ضعف في الشعور بالشبع ،فيتناول كميات كبيرة قبل أن يرسل هذا المركز رسائله العصبية بالشبع والتوقف عن الطعام ، وقد تكون هناك مشاكل هرمونية بالأخص في الغدة الدرقية ، إذن على الأهل أن يقوموا بعمل فحص صحي لطفلهم إذا ما كان وزنه يزيد دون أسباب واضحة «.

وعن آلية التعامل مع الطفل الشره تقول دردس : « من أهم الحلول التربوية لهذه المشكلة هي تعويد الطفل على استخدام أطباق صغيرة لتناول الطعام ، فمن الجدير بالذكر أن الدراسات أظهرت أن رؤية الطعام في أطباق صغيرة يزيد من شعور الإنسان بالشبع ، فمثلاً إذا كنت أتناول الطعام بصحن صغير فكلما شعرت أن الطعام ينتهي كلما أصبح ما أراه يرسل رسائل للدماغ أن أنهي طعامي ، فتبدأ تلك الرسائل البصرية بتحفيز الدماغ على البدء بالشعور بالشبع ، في حين لو كان أمامي طبق كبير من الطعام سيبقى لدي شعور أنه ما زال هناك طعام وتبقى شهيتي مفتوحة لتناول الطعام ، لذلك يفضل استخدام أطباق صغيرة مع الطفل الذي يتناول الطعام بكثرة «.

وأضافت :» أيضاً أن يساعد الأب والأم الطفل على إطالة مدة الطعام وذلك من خلال التحدث مع الطفل في مواضيع ممتعة تجعله يتناول الطعام بهدوء ،وبالتالي يتمكن من الشعور بالشبع مع تناول نفس كمية الطعام ،عدا عن تشجيع الطفل على شرب الماء وعلى تناول الخضراوات ، ولا بد من تشجيع الطفل على الرياضة حتى يتمكن من حرق الدهون الزائدة في حال كانت كمية الطعام التي يتناولها لا تزال كبيرة ، ومن المهم جداً أن تعوّد الأم الطفل على أن يتناول الطعام بهدوء دون أن تطلب منه الإسراع أو أن تكون أجواء تناول الطعام فيها نوع من التوتر والغضب «.

وتابعت :» الإكثار من ما يسمى بالـــ «filling foods» أي الأطعمة الغنية بالبروتينات ،والخضار والفواكة ،هذه الأطعمة تساعد الطفل على الشعور بالشبع مع أنه تناول كميات أقل ، وضرورة تجنب الكربوهيدرات والسكريات لأن مثل هذه الأطعمة تعطي شعوراً مؤقتاً بالشبع لكنها تحرق بسرعة في الجسم ويعود الشعور بالجوع مرة أخرى «.

وترى دردس أن :» من الأساليب التربوية المهمة أيضاً أن يقوم الأهل بطمئنة طفلهم ،بأنه لن يتم حرمانه من تناول ما يحب ،وبأنه سيسمح له بتناول الحلويات التي يحبها أو الأطعمة التي يحبها لكن بأوقات وكميات مختلفة ، فأظهرت الدراسات أن الطفل الذي يحرم من وجبات معينة أو يهدد بحرمانه من وجبات وأطعمة معينة في حال استمراره في تناول الطعام ، فإن هذا يجعل لديه نوع من الرغبة أو القدرة على تناول كميات كبيرة خلال الوجبة لمتاحة له ، فمثلا الأم عندما تضع الغداء للطفل وتقول له الآن ستأكل وجبة الغداء ،ولن يسمح لك بتناول العشاء حتى لا يزيد وزنك هذا الطفل نفسياً سيحاول بشكل ارادي او لا إرادي أن يتناول أكبر قدر من الطعام في فترة الغداء كنوع من التعويض مما قد يفقده في وجبة العشاء».

وتابعت :» أسلوب الحوار يجب أن يختلف، فبدل أن تقول الأم للطفل يجب أن تنهي تناول طعامك الآن أو يجب أن تغادر المائدة الآن ، يفضل أن تخبره بهدوء بأنه يجب انهاء وجبة الطعام الآن، فأنت أنهيت صحنك ،وتشرح له كيف يستفيد جسمه من الطعام ،وكيف من الضروري أن ننتظر حتى تنتهي المعدة من العمل حتى لا تصاب بأمراض ومشاكل بأسلوب هاديء ، ومن المهم جداً أن لا تقوم الأم بتوبيخ الطفل أو تأنيبه أو نقده بالأخص أمام الآخرين أو أمام إخوته الصغار لأن هذا سيترك لديه أثر نفسي كبيرجداً فيجب تجنب ذلك «.

وأضافت :» يجب أن لا يستخدم الأهل الطعام كوسيلة للثواب والعقاب فكلما حصل الطفل على علامة جيدة فالثواب هو شراء الحلويات التي يحبها ، وإذا قام بشيء سيئ سنقوم بحرمانك من الطعام الذي تحبه ، وللأهل دور كبير في توعية الطفل وتوجيهه على أهمية الطعام وكيفية تناوله ، فالتعديل السلوكي وحده بأن يمنع الأهل الطفل من الأكل أو ان يقوموا بتوبيخه لن يكون ناجحاً دون أن يكون هناك نوع من التدرج المسبق في التربية، فيجب أن يكون هناك نوع من التوضيح المعرفي للطفل عن أهمية النمط الصحي للغذاء ، ومن ثم مساعدته على تعديل سلوكياته فمجرد التوبيخ واللوم والنقد دون توضيح السبب قد يكون له آثار نفسية على نظرة الطفل لنفسه أو ثقته فيها «.

وترى دردس أنه :» في النهاية يجب أن يكون الأهل نموذجاً لطفلهم في الأكل الصحي ،فلا يجوز أن يجبروا طفلهم على عدم تناول الأكل غير الصحي في حين أنهم يقومون بذلك أمامه ، أو أنهم لا يسمحون لهذا الطفل بالذات أن يتناول الحلويات في حين يسمحون لإخوته الآخرين بتناول الحلويات أمامه ، لذا يجب أن يقوم الأهل على خلق نوع من الجو الغذائي الصحي في المنزل حتى لا يشعر الطفل بأنه مطالب بشيء غير طبيعي عما هو دارج في الأسرة أو عن بقية أخوته في المنزل «.