عندما اقلعت الطائرة من مطار كييف عاصمة اوكرانيا مساء يوم الجمعة الماضي، لم نكن نعلم أن الإجراءات الأمنية غير العادية التي واجهتنا في المطار كانت بسبب اغتيال زخاراشينكو وهو أول رئيس للجمهورية غير المعترف بها الموالية لروسيا بعد انفصالها عن اوكرانيا.

وعندما حلقت الطائرة عائدة إلى عمان، بعد انتهاء أول زيارة لدولة من الكتلة الشرقية السابقة، منذ تفكيك الاتحاد السوفياتي راودني السؤال المحير: لماذا انهار الإتحاد السوفياتي بهذه السرعة، بل لماذا تحولت الدول الحليفة التي سقطت من الإتحاد السوفياتي ومعه، من دول حليفة إلى دول معادية لروسيا؟

خلال زيارتي لدولة المجر (هنغاريا)، وانتظاري وقتا طويلاً في مطار العاصمة الأوكرانية، حاولت البحث عن تفاصيل لها علاقة بالإجابة على هذا السؤال. فهمت أن هذه الدول التي كان معظمها يشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً على الإتحاد السوفياتي كانت لا تفكر بالانفصال لولا هشاشة النظام المركزي في موسكو، واصابة الدولة بالشيخوخة المبكرة والترهل وتلاشي الحشد العقائدي الصحيح المقنع.

كذلك لا يمكن أن نتجاهل حركات التمرد «الإنتفاضات» التي حدثت في أكثر من عاصمة ضد موسكو مثل حركة العصيان العمالي في بودابست عام 1956 وتمرد دوبتشك في تشيكوسلوفاكيا ما اسماه الغرب «ربيع براغ»، بسبب سوء الأحوال الاقتصادية والتهميش، وفي الحقيقة لم تكن هذه الحركات الإحتجاجية انفصالية، كما لم تكن ضد النهج الاشتراكي، بل كانت تطالب باصلاحات أولها حرية التعبير والحد من سلطة الدولة الأمنية، ووقف النهج الستاليني في الحكم، ولكن الدعاية الغربية حاولت نفخها وبنت عليها ووظفتها ضد موسكو، مستغلة ضعف اعلام الدولة في الاتحاد السوفياتي.

بالمقابل لم تعد مؤسسات الدولة في موسكو والأطراف معنية بالحشد العقائدي لترسيخ قناعة المواطن بالاشتراكية ومواجهة الحملة التي تشنها الدول الغربية، وهو الواقع الذي شجع الدول الغربية التي تقودها الرأسمالية الأميركية المتوحشة على محاصرة الإتحاد السوفياتي والتركيز على الأطراف الضعيفة لتحريضها، خصوصاً الدول المتذمرة التي تؤمن بأن تحريرها تحوّل الى حالة من الهيمنة الروسية، كل هذه العوامل ساعدت على الوصول الى النهايات المحزنة التي أدت إلى سقوط هذا القطب الدولي مع سقوط جدار برلين.

ولكن الثابت الآن أن روسيا استعادت روحها واستطاع الرئيس بوتن من إعادة بناء الدولة القوية، ولكن الدول التي سقطت من الإتحاد السوفياتي وارتمت في الحضن الأميركي، ما زالت تائهة تبحث عن طريقها، فلا هي حافظت على عدالة الاشتراكية، ولا وصلت الى رفاهية الرأسمالية، كما أن أداء الفرد فيها ما زال يراوح في انتاجه الروتيني المنخفض وكأن تلك الدولة المترهلة ما زالت باقية، أو أنه بحاجة إليها. واللافت أن الدول التي كانت حليفة لموسكو انقلبت عليها، بل تحولت إلى دول معادية، حتى لأصدقاء الإتحاد السوفياتي أيضاً، ويظهر ذلك جيداً بعدما فتحت أبوابها لنشاط الحركة الصهيونية واسرائيل بشكل مطلق، كما عادت إلى مرجعياتها الدينية بشكل غير متسامح، بسبب العطش الروحي والقلق من المستقبل، وبالتالي أصبحت عالقة في التاريخ، أي التمسك بالماضي الذي أيقظ شهوة الكراهية ورفض الآخر.